تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

لم كل هذه القروض؟

صورة من أعمال مؤتمر الدول والمنظمات المانحة لمصر الذي انعقد مؤخرا في منتجع شرم الشيخ

(Keystone)

اختتم "مولد" أو مؤتمر الدول والمؤسسات المانحة لمصر موفى الأسبوع الماضي بالاتفاق مبدئيا على تقديم 10.3 مليار دولار لمصر خلال الأعوام الثلاثة القادمة، منها 2.1 مليار دولار تحصل عليها مصر قبل نهاية العام المالي الجاري أي قبل نهاية يونيو من العام الحالي.

وهذه المبالغ التي تعهدت الدول المانحة بتقديمها إلى مصر كقروض تزيد على ضعف المبالغ التي تعهدت الدول المانحة بتقديمها إلى أفغانستان التي دمرتها الحروب الطويلة والتي بلغت 4.5 مليار دولار غالبيتها من المنح خلال العامين القادمين.

والفارق بين الحالتين، يكمن في الفارق في الأهمية السياسية والاقتصادية بين البلدين من ناحية، والمنافع الاقتصادية المنتظرة للدول المانحة من مساندة الاقتصاد المصري الذي لا مجال للمقارنة بينه وبين الاقتصاد الأفغاني. لكن ..لماذا تعهدت الدول والمؤسسات المانحة بتقديم كل هذه القروض إلى مصر؟

أسباب منطقية

الحقيقة أن ذلك يعود أساسا إلى أن الحكومة المصرية هي من أكثر الحكومات التي تعاونت مع الولايات المتحدة في حملة مكافحة الإرهاب، سواء عبر تبادل المعلومات أو عبر تمرير القطع البحرية الحربية العملاقة التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا من قناة السويس، وهو أمر غير عادي ويحتاج لتصريح خاص ذو طابع سياسي.

كما أن مصر تعرضت بالفعل لخسائر اقتصادية جسيمة بسبب أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها بصورة جعلتها عرضة للمزيد من الأزمات لو لم تقم الدول والمؤسسات المانحة بمساندتها ماليا.

كذلك فإن اهتمام الدول والمؤسسات المانحة بتقديم القروض لمصر، يعود، في جانب منه، إلى المكانة الإقليمية المهمة لمصر والتي تجعلها البوصلة الرئيسية التي تحدد اتجاه المنطقة العربية، سواء فيما يتعلق بالموقف من الصراع العربي-الإسرائيلي، أو من العلاقات بين دول المنطقة من جهة وبين الولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى، أو فيما يتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي الذي تتبناه البلدان العربية، سواء كان ما تتبناه جيدا أو سيئا.

كذلك فإن الدول والمؤسسات المانحة تعلم جيدا أن الاقتصاد المصري لو أدير بشكل كفء وتجاوز أزمته الحالية، فإنه يشكل اقتصادا واعدا ومهما للغاية في هذه المنطقة، بناتجه القومي الذي بلغ 95.2 مليار دولار طبقا لسعر الصرف السائد، والذي بلغ نحو 235 مليار دولار طبقا لتعادل القوى الشرائية بين الجنيه والدولار في عام 2000.

كما يتضمن سوقا ضخمة تقارب السبعين مليون نسمة في بلد بلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي فيه نحو 1490 دولار وفقا لسعر الصرف السائد، ونحو 3690 دولار وفقا لتعادل القوى الشرائية بين الجنيه والدولار، وذلك في عام 2000، طبقا لبيانات البنك الدولي في تقريره عن التنمية في العالم 2002.

قدرات كامنة رغم الديون والبطالة وعجز الميزان التجاري

هذه السوق، بلغت قيمة وارداتها السلعية من الخارج نحو 21.7 مليار دولار عام 2000. ومصر رغم أزمتها الاقتصادية الراهنة، ما زالت قادرة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وما زال النمو الاقتصادي فيها إيجابيا رغم تباطؤه، حيث بلغ 6%، 5.1%، 3.3% في أعوام 1999، 2000، 2001 على التوالي طبقا لبيانات صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له عن الاقتصاد العالمي (World Economic Outlook).

كما ان الديون الخارجية لمصر بلغت 30.4 مليار دولار عام 1999 طبقا لبيانات البنك الدولي (تقرير عن التنمية في العالم 2002)، في حين تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن هذه الديون قد بلغت نحو 28.5 مليار دولار في بداية يناير من العام الجاري (2002).

على صعيد آخر، تعاني مصر من بطالة مرتفعة تبلغ نحو 17.6% من قوة العمل المصرية (حسب نتائج فرز طلبات المتقدمين للوظائف العمة التي أعلن عنها في العام الماضي)، في حين تشر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن هذا المعدل بلغ 8.8% في العام الماضي، بينما يصرح رئيس الوزراء بصورة مستمرة أن هذا المعدل 7,9%!!

وهناك أيضا عجز كبير في الميزان التجاري بلغ 34 مليار دولار طبقا للبيانات الحكومية المصرية في أعوام 1998، 1999، 2000. كما أن هناك مشاكل تتعلق بالتهريب السلعي والفساد وضعف الشفافية والإتجار غير المشروع في المخدرات.

شروط ترقى إلى حد "التدخل الخارجي"!

لكن اقتصاد مصر يبقى رغم كل ما سبق، مختلفا بشكل كبير عن اقتصاد الأرجنتين التي يحلو للبعض مقارنة وضع اقتصادها بوضع الاقتصاد المصري. فالأرجنتين لم تتعرض لانفجار الأزمة الاقتصادية إلا بعد ثلاثة أعوام من الركود العميق حيث بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي نحو – 3.4%، - 0.5%، - 1.4% في أعوام 1999، 2000، 2001 على التوالي. كما انها وصلت لحالة العجز عن الوفاء بالتزاماتها الخارجية بسبب مديونيتها الثقيلة البالغة 147.9 مليار دولار منذ عام 1999(البنك الدولي 2002).

ومن البديهي أن الدول والمؤسسات المانحة لم تتعهد بتقديم القروض لمصر من أجل "سواد عينيها"، وإنما للأسباب التي أوردناها في البداية. كما القروض المقررة لمصر اقترنت بشروط تتعلق بالإسراع في برنامج الخصخصة وتوسيعه ليشمل بيع بنوك القطاع العام، والالتزام ببنود اتفاقية تحرير خدمات الاتصالات التي وقعت عليها مصر عام 1997، والتصديق على اتفاقية الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، وتعزيز مرونة سعر الصرف.

وإذا كان التصديق على اتفاقية الشراكة هو تحصيل حاصل، لأن مصر وقعت الاتفاقية للتصديق عليها وتنفيذها وليس لوضعها في "دولاب التحف"، فإن باقي الشروط تعتبر تدخلا خارجيا صريحا بغرض التأثير في طبيعة النظام الاقتصادي في مصر حسب رؤية الدول والمؤسسات المانحة وحسب ما تقتضيه مصالحهم الاقتصادية في مصر. وهذه الشروط قد لا تكون ملائمة للظروف الاقتصادية والاجتماعية في مصر، لذلك فإن الأخذ بها قد ينطوي على مشاكل اقتصادية واجتماعية جديدة.

الكفاءة... والنزاهة

وفي النهاية فإن اقتصاد مصر يعاني من بعض المشاكل التي أشرنا إليها آنفا، والتي تفاقمت بسبب أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها التي أثرت سلبيا على موارد مصر من النقد الأجنبي. لكن خروج مصر من الأزمة الأصلية ومن نتائج أحداث سبتمبر، يتطلب معالجة الاختلالات الهيكلية ومعالجة العجز المزمن والكبير في الميزان التجاري.

أما الاعتماد على الاقتراض فإنه قد يفيد في مواجهة آثار الأزمة الأمريكية، لكن استسهال المضي في طريق الاقتراض، يمكن أن يؤدي إلى إدخال مصر بشكل سريع إلى دائرة الدول ثقيلة المديونية.

وإذا ما حصلت مصر على كل القروض التي تعهدت الدول والمؤسسات المانحة بتقديمها إليها فإن مديونيتها الخارجية يمكن أن ترتفع بشكل كبير ومؤثر سلبيا على الاقتصاد المصري، إلا إذا تمت الاستفادة من هذه القروض بشكل كفء ونزيه يؤدي إلى رفع مستوى معيشة المصريين و رفع كفاءة الاقتصاد المصري وتعزيز قدرته على الوفاء بخدمة هذه الديون، وهو أمر قد يكون من الصعب ضمانه..

لكن بما أنه قد تم الاتفاق على هذه القروض، فلنأمل أن يتم استخدامها بكفاءة!

د.أحمد السيد النجار - القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×