Navigation

مؤتمر الشرق .. مسعى للبحث عن الذات

شهدت مدينة إسطنبول يوم 13 نوفمبر 2005 الإعلان عن تأسيس "مؤتمر الشرق" من طرف عدد كبير من النشطاء والباحثين والأكاديميين والخبراء من شتى بلدان المنطقة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 نوفمبر 2005 - 14:01 يوليو,

وتمثل المبادرة محاولة مستقلة لتشكيل منظمة مدنية ذات بعد عالمى، تعبئ الموارد البشرية والثقافية والحضارية للمجتمعات الشرقية من أجل استعادة دورها المفقود فى السياسة الدولية.

على مدى خمسة أيام، اجتمعت في مدينة إستانبول نخبة من المفكرين والأكاديميين والمثقفين والسياسيين والناشطين فى مجالات حقوق الإنسان والمرأة من عدد من بلدان الشرق، عربا وأتراكا وإيرانيين، من مشارب فكرية وإيديولوجية شتى، ومشاركات من الهند والولايات المتحدة فى محاولة لتشكيل منظمة مدنية ذات بعد عالمى، تعبئ موارد المجتمعات الشرقية إنسانيا وثقافيا وحضاريا، لتستعيد هذه المنطقة دورها المفقود فى السياسة الدولية من جانب، وتقدم جهدا شعبيا ومدنيا خالصا يقف فى مواجهة الهجمة الإمبريالية التى تتعرض لها شعوب ومجتمعات المنطقة من جانب آخر.

وبعد مناقشات مستفيضة فى أربعة مجموعات عمل، وعدد من الفعاليات والمحاضرات العامة انتهى المجتمعون إلى إعلان تأسيس "مؤتمر الشرق" فى الثالث عشر من نوفمبر 2005، لتبدأ محاولة شعبية ذات بعد إقليمى وتعتمد على العمل التطوعى والتمويل الذاتى.

البداية قبل عامين

تعود فكرة المؤتمر إلى عامين مضيا، وفى وقت ظهرت فيه غطرسة القوة الأمريكية بكل معانيها فى غزو العراق وتدمير بنيته الاجتماعية والمادية معا، حيث بادرت مجموعة من المثقفين الأتراك، منهم البروفيسور محمد بكار أوغلو والبروفيسور خيرى قيرباش أوغلو ويلديز قاوونجو وموراى مرت وآخرين، بالاتصال بعدد من نظرائهم فى بلدان عربية مختلفة وإيران وبعض منظمات مدنية مناهضة للنزعات الإمبريالية الأمريكية فى عدة بلدان أوربية، لعرض فكرة إنشاء عمل تطوعى مدنى إقليمى يحافظ على هوية المنطقة ويحفز شعوبها على العطاء الإنسانى وإصلاح أحوالها عبر جهد ذاتى سلمى محض، من أجل الوقوف أمام الضغوط المتتالية على المنطقة سياسيا وعسكريا.

البيان الأول

وبعد مناقشات وحوارات مستفيضة فى القاهرة ولبنان وعمان وطهران وبيروت ودمشق، أعلن أول بيان تعريفى فى سبتمبر 2003 عن مسعى تأسيس مؤتمر الشرق.

وقد لاحظ البيان تلك المفارقة العجيبة التى يعيشها العالم المعاصر، والتى تتمثل فى وجود تطورات مادية عظيمة من غزو الفضاء إلى علم الوراثة، ومن علم الفيزياء النووية إلى علم الاستنساخ، وكل ذلك فى خدمة الإنسان، يرافقه تطورات مهمة على صعيد حقوق الإنسان ورفض العنف والاهتمام بالحفاظ على البيئة ونشر الديموقراطية.

لكن فى المقابل تتجسد تطورات تبعث على الحزن والأسى من بينها تصاعد الفقر فى جميع القارات وازدياد الهوة فى توزيع الدخل، وموجة عارمة من الصراعات العرقية والدينية، وموجة أخرى من العنف والسيطرة، وفى قلب هذه الدوامة تقع الولايات المتحدة بقوتها السياسية والعسكرية والتقنية التى بقيت دون منافس، وتعمل على فرض ما تريد وتعيد تفسير القوانين الدولية كيفما تريد.

وفى القلب أيضا من هذه الدوامة تقع منطقة الشرق وهى تتعرض لنكبات واحدة تلو أخرى، حتى يمكن القول أن كل تطور سياسى واقتصادى وقع فى الغرب، انعكس على شكل موجة تحكم جديدة على الشرق الأوسط من احتلال وصراعات داخلية وأنظمة استبدادية وحدود مصطنعة وأزمات سياسية واجتماعية تزداد صعوبة وتعمقا.

وهكذا بدأت المحاولة عبر وضع إطار فكرى عام، آخذا العبرة العميقة مما جرى فى العراق، وما يُراد له أن يحدث فى بلدان شرقية أخرى، بكل ما يعنيه ذلك على المنطقة ككل ـ والتى تمتد من القوقاز شمالا إلى مصر جنوبا ومن البلقان إلى البصرة ومن المحيط الاطلنطى إلى الخليج ـ من بؤس وصراعات وتوترات دائمة وانقسامات وتبديد للموارد ووقوع تحت طائلة الطغيان خارجيا وداخليا.

إشكاليات الخروج من الدوامة

ووفقا لهذا المضمون الكلى فإن الخروج من هذه الدائرة لا يمكن أن يتم إلا عبر تناول عدة إشكاليات، أولها إشكالية الحضارة التى يعيشها العالم المعاصر ووقوفها عاجزة أمام السطوة الأمريكية التى تستغل كل ما فى هذه الحضارة لتعطيل قيم المساواة وفرض قيم القهر والاستغلال والصراع والتفتيت.

وثانيها إشكالية الصحوة لهذه المنطقة التى تعد مهد الحضارات جميعها، وبحيث تتناسب هذه الصحوة مع التراث التاريخى والحقيقى لهذه المنطقة، وثالثها إشكالية التواصل بين المكونات الثقافية والفكرية والمجتمعية لهذه المنطقة على أسس المساواة والانفتاح وتبادل المعارف والأفكار بعد انقطاع قسرى وطويل لابد له أن ينتهى.

المؤتمر التأسيسى

واستنادا إلى هذه الأفكار الكلية تقرر عقد مؤتمر تأسيسى لإعلان مؤتمر الشرق، وهو الذى عقد فى أسطنبول بين التاسع إلى 13 من نوفمبر بدعم من بلدية أسطنبول الكبرى التى وفرت الاستضافة للمشاركين.

ويمكن وصف المؤتمر التأسيسى العام بأنه شمل محاولة فكرية ثقافية لتحديد المعايير الفكرية والفلسفية التى سيقوم عليها العمل ككل. وقد تناولتها أربعة لجان عمل، تشكل كل منها من مشاركين من كل البلدان تقريبا.

ركزت الأولى على مفهوم الشرق جغرافيا وتاريخيا وإنسانيا، وانتهت إلى اعتبار الشرق هو تلك المنطقة التى تجمع بين ثناياها شعوب العرب والفرس والأتراك والأكراد والأرمن، وكل المجتمعات التى ترغب فى الانضمام إلى هذه الحركة الفكرية الحضارية.

وركزت المجموعة الثانية على التحديات التى تواجه الشرق متمثلة فى الاستعمار والإمبريالية والقومية والتخلف الاقتصادى والنظم القمعية والاستبداد ومشكلات الإدارة والتحول الديموقراطى وترسيخ حقوق الإنسان ومواجهة مشكلات المرأة.

أما المجموعتين الثالثة والرابعة فقد ركزتا على طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، وإلى أى مدى هناك اختلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا فى تعاملهم تجاه الشرق تاريخيا وفى الوقت الراهن، وهل يمكن صياغة علاقة متساوية بين الشرق والغرب، والتحديات التى تحول دون ذلك، وما هى النتائج التى تتمخض عن علاقة غير متساوية على الطرفين، وإلى أى مدى توجد مشروعية للمقاومة وأسسها، والإرهاب المفروض على المنطقة وكيفية ردعه ورده.

إلى جانب لجان العمل كانت هناك عدة فعاليات فكرية وثقافية وفنية، تمثل أبرزها فى البحث فى أربعة موضوعات حيوية، وهى القضية الفلسطينية، والمقاومة وإرهاب الإرهاب، والإمبريالية الجديدة والشرق الأوسط، وأية ديموقراطية يسعى إليها الشرق، ومشكلة المرأة فى المجتمعات الشرقية وحقوق الإنسان كثقافة وكممارسة.

قواسم مشتركة

وفى كل هذه اللجان والفعاليات بدت قواسم مشتركة كبيرة، رغم الخلافات فى التوجهات والأهداف القريبة والبعيدة التى انطلق منها كل طرف، ومن بين هذه القواسم، أن هناك ضرورة قصوى لمثل هذه المؤتمرات فى إقامة جبهة ثقافية ضد الاستعمار الامبريالى، وان مجتمعات الشرق عليها عبء استعادة دورها التاريخى والإنسانى عبر استعادة قيم المدنية الإسلامية التى سادت فى عصور سابقة وعبور فجوات التخلف والقومية والمذهبية وفجوة المعرفة والحرية، وتحويل التنوع فى المنطقة إلى عنصر قوة عبر الحوار والانفتاح المتبادل والاعتراف بحقوق الآخر، وأن يكون مؤتمر الشرق جزءا أصيلا من آليات مواجهة الجوانب السلبية والشرسة فى العولمة لاسيما ما يتعلق بمساعى قوى معينة لفرض نموذجها الاجتماعى على المجتمعات الشرقية، وأن تعتمد شعوب المنطقة على القوى الكامنة فى المجتمعات المدنية من مفكرين وعلماء وناشطين فى مجالات الحقوق المختلفة وتوثيق الروابط بينهم، و إيلاء الحريات وثقافة الديموقراطية أولوية قصوى كحافز للنهضة والإبداع والمعرفة. وان يكون التوجه العام للمؤتمر إنسانيا عاما ومبادرا بخلق توجهات الانفتاح على المجتمعات الأخرى، وليس قاصرا على رد الفعل إزاء مشروعات القوى المهيمنة والمسيطرة على حركة السياسة الدولية. وان يعمل المؤتمر على خلق وتشكيل الروابط مع كل قوى المقاومة لشرور العولمة.

الحصيلة الفكرية

ومن حصيلة كل هذه المبارزات الفكرية والثقافية، اتفقت رؤية المجتمعين على عدد من الأسس التى توجه عمل مؤتمر الشرق وهى كما وردت فى البيان الختامى:

ـ أن الخطر الملح على منطقة الشرق هو التفتيت والتجزئة وإعلاء مصادر النزاع الطائفى والعرقى والمذهبى بين مكونات المجتمع الواحد، وان البديل الوحيد لمواجهة هذا التحدى الشرس يتمثل فى التنسيق والتعاون الجماعى والتمسك بحل الخلافات بين أعضاء المجتمع الواحد وبين مجتمعات الشرق عبر الحوار والآليات السلمية والانفتاح المتبادل، أو بعبارة أخرى أن تستعيد شعوب الشرق تجربة العيش المشترك ضمن الجغرافيا الطبيعية للمنطقة التى كفلت لها التنوع الخلاق وإثراء التجربة الإنسانية ككل.

ـ أن تستند الثقافة التى يسعى إليها المؤتمر على مبدأ مقاومة التدخل الخارجى والتمسك بهوية الشرق الحضارية والثقافية، وهى ما يتطلب تعبئة القوى والطاقات والإمكانات التى تتوافر فى المجتمعات المدنية الشرقية كل فى مجتمعه ، وأيضا عبر هذه المجتمعات.

ـ تأكيد مسئولية مجتمعات الشرق فى بناء تجاربها الديموقراطية دون فرض خارجى، وان تعمل على إشاعة قيم العدل والمساواة والدفاع عن حرية الانسان والوطن فى آن واحد.

ـ التمييز بين المقاومة المشروعة للاحتلال الخارجى ولكل أشكال القمع والظلم الاجتماعى، وبين الإرهاب الذى يهدد أمن الشعوب ويدمر بنياتها الأساسية، وفى المقدمة إرهاب الدولة الذى يمارس فى فلسطين والعراق بكل فجاجة.

ـ التمسك بسيادة مبادئ القانون الدولى فى المؤسسات الدولية ومنع تحولها إلى أداة لإضفاء شرعية على تدخلات وسياسات الولايات المتحدة الساعية إلى فرض هيمنة على كل بقاع العالم.

ـ الانفتاح على كل قوى الخير والعدل والتقدم فى المجتمعات الأخرى بما فى ذلك المجتمعات الغربية، والتى تؤمن بقيام نظام عالمى على أساس الاحترام المتبادل والعدل والإنصاف وسيادة القانون الدولى، وتوجيه الموارد الطبيعية فى كوكبنا لخدمة الإنسان ورفاهيته فى كل مكان.

د. حسن أبو طالب - إسطنبول

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.