تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مؤشرات العودة إلى "الشرق الأوسط القديم"

الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني .. شريكان في الحرب فهل يتفقان على العودة إلى الأساليب القديمة؟

(Keystone)

يبدو أن واشنطن بدأت التفكير في العودة إلى إتباع "الأساليب التقليدية" في التعامل مع مشكلات الشرق الأوسط.

فهناك دلائل حول وجود توجّـهات مُـختلفة عمّـا ساد خِـلال سنوات ما بعد 11 سبتمبر 2001، ورغم أنها لن تنعكس على الفور في السياسات المتّـبعة في كل الحالات، خاصة العراق التي لا تزال إدارة الرئيس بوش تعتقد أنه لا تزال لديها فرصة أخيرة فيها، إلا أنها لن تتمكّـن من تجنّـب العودة إلى "المناطق الآمنة" في النهاية.

لقد كانت المقارنات بين "الأساليب التقليدية" والأساليب الأخرى قد بدأت فور دخول القوات الأنكلو- أمريكية إلى العراق عام 2003، إذ كانت ثمة إشارات مستمرة للطريقة التي يدير بها البريطانيون - الخبراء فى شؤون المنطقة – سياستهم في منطقة تمركُـز قواتهم بالبصرة مقابل ما يحدث من جانب ما سمي وقتها "الكاوبوي" فى بغداد.

ومع أن الأمريكيين قد استخدموا أيضا أساليب عقد الصفقات وتقديم الأموال وغيرها، إلا أن القرارات الحادة التي كان "الحاكم المدني" (بول بريمر) يُـصدرها، قد صبغت السياسة الأمريكية عُـموما بلَـون مختلف.

سياسات القوة

كان اندفاع المحافظين الجُـدد في المنطقة يُـثير القلق لدى كل الأطراف الإقليمية. فقد قرّرت واشنطن وقتَـها أن تتدخّـل بشكل مُـباشر، باستخدام القوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط عبر حِـلف محدود يعبِّـر عن سياسة منفردة، وليس ائتلاف واسع كما حدث في حرب الكويت عام 1991، وكان الهدف هو تغيير نِـظام الحكم في إحدى الدول واحتلال الدولة، بالتوازي مع الضغط على كل الأطراف الأخرى لإجراء إصلاحات سياسية، حتى لو كانت نتيجة ذلك هي "الفوضى".

ما حدث بعد 3 سنوات، على حدّ تعبير ريتشارد هاس، أحد مخططي السياسة الخارجية الأمريكية السابقين، هو أن واشنطن قد بدأت تفقِـد السيطرة في الشرق الأوسط، دون وجود ما يمكن فِـعله لاستعادتها، وواجهت السياسة الأمريكية لأول مرة خِـيارات مُـخيفة من نوعية عدم القُـدرة على الخروج من العراق (مثلا) أو البقاء فيه، أو عدم القدرة على ضرب دولٍ مثل سوريا وإيران أو الحوار معها، وكذلك عدم القدرة على التراجع عن مطالبة الدول الحليفة بالإصلاح السياسي أو الاستمرار في مطالبتها به، فقد كان الثمن في كل الحالات كبيرا.

كان السؤال المُـحيِّـر دائما، هو كيف يمكن أن تجد دولة لديها أهم "مراكز الدراسات" و"مجموعات التفكير" في العالم نفسها في هذا الوضع؟ والإجابة المرجّـحة هي أنها لم تعتمِـد على تلك المراكز في ظل سيطرة تيار عقائدي على السياسة الخارجية، استنادا على توجّـهات عصبية وأفكار بسيطة وقرارات خاطئة، ارتبطت بأسماء شهيرة مثل، تشينى وفايث ورامسفيلد وفولفوفيتز وبيرل وبريمر، وتَـبعا لمسؤولين تعاملوا مع البيت الأبيض في تلك الآونة "لم يكونوا على استعداد لسَـماع عِـبارة واحدة تُـخالف ما يعتقدون فيه".

وكانت النتيجة هي أن السفينة قد تعرّضت – حسب تعبير لي هاميلتون، الرئيس المشارك لتقرير العراق – لضربة قاسية، جنحت بها بعيدا بدرجة كانت تتطلب 79 توصية لإعادتها إلى مسارها.

نهاية الاندفاع

والواقع، أن التوجّـهات الكُـبرى، التي حكمت السياسة الأمريكية خلال الفترة الماضية قد تغيّـرت أو في سبيلها إلى ذلك، فلم تعُـد فِـكرة التدخّـل المباشر بالقوة المسلحة واردة (بعيدا عن منطق الضربات الوقائية)، إلا كخيار أخير تحتفظ به الدول عادةً للحفاظ على مِـصداقية سياساتها، ولم يعد هناك من يفكِّـر في الهدف التالي بعد العراق، كما كان مطروحا بشأن إيران وسوريا بهدف تغيير النُّـظم الحاكمة بالقوة، وأصبحت السياسات المنفردة العاتية وتخيير الأطراف الحليفة، بأنها إما أن تكون "معنا أو علينا"، واردة بصورتها القديمة، وبالتالي، فإن الاندفاع الأمريكي قد توقّـف على الأرجح.

لكن توقُّـف الاندفاع لا يعني، بالنسبة للإدارة الأمريكية، ترك اللعبة، فإذا كان هناك في واشنطن من يفكِّـر في كيفية الخُـروج من العراق، وِفق إستراتيجية حدٍّ أدنى لتقليص الخسائر، فإن التيار الرئيسي يؤكِّـد على أهمية استمرار البقاء في الإقليم، إذ تعلَّـمت كل الإدارات درس "أنه إذا لم تهتم بالشرق الأوسط، فإن الشرق الأوسط سوف يهتم بك"، ويُـشير تقرير بيكر ذاته إلى وجود علاقات ومصالح طويلة المدى للولايات المتحدة في المنطقة، وأنها ستظل في حاجة إلى استمرار "الاشتباك" معها، لكن وِفق قواعد اشتباك جديدة، وهذا هو المُـهم، فكثير من تلك القواعد، ترتبط بالعودة إلى أساليب قديمة.

الفكرة الأساسية هي أنه قد تتِـم العودة إلى منطق الاستقرار الإقليمي كإطار عام، فقد بدت الإدارة الأمريكية في الفترة الماضية وكأنها غير مَـعنية تماما بفِـكرة الاستقرار الأمني في الإقليم أو الاستقرار السياسي داخل دوَّلِـه أو حتى تماسُـك أراضي الدول ذاتها، مُـتَّـبعة سياسات هُـجومية عنيفة ضد كل الأطراف الرئيسية، بصرف النظر عن التداعِـيات المُـحتملة لذلك، بل تمّـت الإشارة أحيانا إلى فكرة الفوضى (الخلاقة)، وكأنها مسألة مقبولة يمكن إدارتها أو يمكن أن تُـسفر عن نتائج إيجابية، قبل أن يظهر أن كل شيء يخرج عن نطاق السيطرة أو أن الثمن قد يرتفِـع بدرجة لا يُـمكن احتمالها.

قواعد جديدة

إن النتيجة المُـباشرة لذلك، هو أن الإدارة الأمريكية قد تتوقّـف عن محاولة التغيير الحادّ لأوضاع الإقليم، وبالتالي، لن يسمع أحدٌ كثيرا في الفترة القادمة تعبيرات "الشرق الأوسط الكبير" أو الأوسع أو الجديد. فسياسة مُـمارسة الضّـغوط على الدول لإحداث تغييرات في نظمها، لن تظل على ما هي عليه أو على الأقل سيتِـم إتِّـباع إستراتيجيات غيرُ ضاغطة لتحقيقها، وربما لن يتِـم الإصرار بشدّة على كل بُـنودها، خاصّة وأنها أفرزت أوضاع قُـيّـمت أمريكيا على أنها ضارّة بمصالحها، كصعود الأصوليين إلى السلطة، فلم تعد قضية أيديولوجية وإنما برجماتية. لكن بشكل أكثر تحديدا، يُـمكن الإشارة إلى ما يلي:

· أن أساليب العمل العسكري غير المُـباشر القديمة قد تحُـل محلّ فِـكرة التدخّـل العسكري المباشر. فالتدخل الإثيوبي في الصومال، والذي أعلنت نِـصف دول المنطقة أنها تتفهّـمه، يُـمثل عودة نمطِـية لنموذج الحروب بالوكالة في الأقاليم، ويُـشير تقرير بيكر ذاته إلى استبدال المهام القتالية للقوات الأمريكية بدعم القوات العراقية، وقد ارتفع صوت الآلة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة إيران، وأصبحت مسألة الإمداد بالأسلحة للعناصر الحليفة في الدول الأخرى مُـمارسة مُـعلنة تقريبا، إضافة إلى تجدّد الحديث عن صفقات تسليحية كبرى في اتجاه أو آخر.

· أن سياسات التّحالفات والمحاوِر قد بدأت تمثِـل سِـمة رئيسية في المنطقة، فإضافة إلى ما طُـرح بشأن تحرّكات مِـحور المعتدلين في مواجهة محور المتطرِّفين، ووضّـحت معالمه تماما في حرب لبنان، ثم حرب الصومال ثم داخل قطاع غزة، وصلت المسألة إلى داخل الدول بشكل حاد في حالتي العراق ولبنان، الذين يتم التحالف داخلهما مع قوى سياسية محدّدة، مما خلق حالات احتقان حادة في الدولتين، بل وأثار الدّول المجاورة وِفقا لاتِّـجاهات مصالِـحها، كالسعودية في حالة العراق وسوريا في حالة لبنان.

· العودة بشكل واسع النِّـطاق إلى سياسات الاحتواء والحظر والحِـصار والاحتواء وكل أساليب العمل التي ارتبطت بالحرب الباردة، فحيث يتعذّر تغيير النظم السياسية أو استخدام القوة المسلّحة ضدها، وعندما تتحوّل توجّـهات الدّول من التعامل مع الآخر كمصدر تهديد إلى التعامل معه بمنطق "سياسات التهديد"، تمارس أقسى أشكال الضغوط على نحو يؤدي إلى خلق بُـؤر توتُّـر مُـزمنة، وإن كان ثمة شك حاليا في أن مثل تلك السياسات لا تزال فعالة.

· إمكانية عقد صفقات سياسية تؤدّي إلى تغيير بعض المُعادلات في الإقليم، ففكرة الحِـوار مع إيران أو سوريا تُـثير، منذ فترة، مخاوف أطرافٍ تعتقد أنها ستدفع ثمن الاتّـفاق المُـحتمل. فصفقة مع إيران قد تؤدّي إلى مشكلة مع دول، كالسعودية ومصر والكويت، وصفقة مع سوريا، قد تثير مخاوِف أحد المُـعسكرات اللبنانية، بل وتثير هواجِـس إسرائيلية، وصفقة مع السودان، قد تُـقلق عناصر فاعلة في دارفور، وبالتالي، قد تكون هناك ردود أفعال عنيفة من جانب الأطراف المتضرّرة، كما بدأ يحدث بالفعل.

تحفز إقليمي

إنّ كل دول الإقليم تقريبا تُـدرك أن شيئا ما قد تغيّـر في واشنطن منذ ظهور نتائج انتخابات الكونغرس الماضية، ولدى كثير منها نظرِيات لم تختبر تماما حول اتّـجاهات التغيير والمدى الذي يُـمكن أن تصل إليه، إضافة إلى ما حدث بالفعل، وقد أدّى ذلك إلى حالة من التحفّـز الإقليمي تُـجاه الوضع الجديد للسياسة الأمريكية والنتائج المحتملة لها، ويُـحاول كل طرف حاليا أن يُـعيد حساباته أو يرتّـب أوراقه، فالمشكلة أن كل طرفٍ يُـمكن أن يكون مُـستفيدا وخاسرا في نفس الوقت.

إن أطرافا إقليمية كالسعودية ومصر، قد تخفّـفت من الضغوط الأمريكية، لكنها تتحسّـب لاحتمالات إبرام صفقات على حساب مصالحها، وبدأت تكشِّـر عن بعض أنيابها، وسلوك سوريا وإيران تُـجاه التوجّـهات الأمريكية الجديدة غيرُ واضح، فقد تعتبِـرها علامة ضُـعف أو فُـرصة تفاهم، وإسرائيل بدأت تستعيد دورها القديم، لكنها لن تترك التسوية تتحقّـق ببساطة، كما أن الجماعات المتطرّفة أو الإنفصالية لن تترك أطراف اللُّـعبة لتُـدير الأمور كما تريد، ومن هنا، قد يظهر سيناريو شديد الضّـراوة، فقد يتّـضح أن نتائج "الواقعية الأمريكية" في الفترة القادمة، لن تكون أقلّ سوءا من نتائج الغطرسة الأمريكية في الفترة الماضية.

د. محمد عبد السلام - القاهرة

الضغوط الأمريكية لن تزول لكن الإستراتيجيات ستتغير

قد تحل أساليب العمل العسكري غير المُـباشر القديمة محلّ فِـكرة التدخّـل العسكري الأمريكي (والغربي عموما) المباشر والمؤشرات على ذلك:

- بدأت سياسات التّحالفات والمحاوِر تمثِـل سِـمة رئيسية في المنطقة، مثل تحرّكات مِـحور "المعتدلين" في مواجهة محور "المتطرِّفين" في عدد من الحالات (حرب لبنان، ثم حرب الصومال ثم داخل قطاع غزة، وداخل الدول نفسهابشكل حاد في حالتي العراق ولبنان)

- العودة بشكل واسع النِّـطاق إلى سياسات الاحتواء والحظر والحِـصار والاحتواء وكل أساليب العمل التي ارتبطت بالحرب الباردة.

- إمكانية عقد صفقات سياسية تؤدّي إلى تغيير بعض المُعادلات في الإقليم، (مثل الحِـوار مع إيران أو سوريا، وصفقة مع السودان).

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×