تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مادلين أولبرايت: "علينا أن نتفهّم معتقدات الآخـرين"

لا يخفي الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطبه وتصريحاته تمسكه بمعتقداته الدينية (تاريخ الصورة: 29 أكتوبر 2003 في دالاس بولاية تكساس)

(Keystone)

في وقت اختلط الدين بالسياسة في كثير من القضايا السياسية، سواء في أمريكا أو في العالم، الفت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كتابا تشرح فيه تأثير الدين على الدولة، وأكّـدت أن "إدراك دور الدِّين، لا يتعارض مع مبدأ الفصل بين الدين والدولة".

مراسل سويس إنفو في واشنطن التقى مع السيدة أولبرايت وأجرى معها حوارا تمت فيه مناقشة أهم ما ورد في كتابها من أفكار.

في وقت امتزج فيه الدين بالسياسة في كثير من قضايا السياسة الدولية، بل وفي السياسة الداخلية الأمريكية، خرجت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بكتاب تشرح فيه تأثير الدّين على نظرة أمريكا لنفسها ولقضايا السياسة الخارجية، وكيف يُـمكن للدين أن يُـصبح قوّة تدفع باتجاه الحرية والتسامح، بدلا من القهر والإرهاب.

سويس إنفو التقت مع السيدة أولبرايت في واشنطن لمناقشة أهم المحاور والإشكاليات التي طرحتها في كتابها الجديد.

سويس إنفو: خلال مشوارك الدبلوماسي، تعلّـمت ألاّ تعقدي أمور السياسة الدولية بإقحام الدّين في القضايا العالمية، فما الذي جعلك تغيِّـرين رأيك؟

مادلين أولبرايت: السبب في تغيير رأيي، هو القضايا التي مرّت علي في مشواري الدبلوماسي، سواء كسفيرة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة أو كوزيرة للخارجية الأمريكية، حيث تملكتني الدّهشة الشديدة وأنا أحلِّـل الوضع في أيرلندا الشمالية، أن أشاهد حربا دينية بين الكاثوليك والبروتستانت في أواخر القرن العشرين، ثم عندما كانت الولايات المتحدة تتعامل مع قضايا السياسة الخارجية الخاصة بالشرق الأوسط، أدركت أنه إذا كانت القُـدس مُـجرّد قضية أرض متنازَع على مِـلكيتها، لكان بإمكاننا حلّـها منذ سنوات طويلة، ولكن الواقع هو أن أطراف النِّـزاع يُـؤمنون بأنها أرض ومقدّسات أعطاها الله لهم، ولذلك، أصبح لقضية القُـدس أبعاد مختلفة تماما، كذلك عندما بدأت أمعِـن النظر في قضايا السياسة الخارجية في إفريقيا، وجدت بُـزُوغ العنصر الدِّيني في صِـراعات اندلعت في مجتمعات تضُـم مسلمين ومسيحيين، مثلما حدث في السودان، وهكذا اتَّـضح لي أكثر فأكثر أن كثيرا من الصراعات التي أعقبت الحرب الباردة، كانت لها علاقة بالدِّين، ولذلك أصبح يتعيّـن على المهتمِّـين بشؤون السياسة الخارجية أن يتفهّـموا دور الدِّين كقُـوة في قضايا السياسة الخارجية وكيفية استخدام البُـعد الدَِّيني في العُـثور على العناصر التي تجمّـع بين أطراف النزاع، وإذا درَس المرء الدّيانات الإبراهيمية الثلاث، سيجد فيها مفاهِـيم مُـشتركة عن السلام والعدل والخير.

سويس إنفو: وكيف إذن أثّـرت هجمات سبتمبر على تفكيرك في علاقة السياسة بالدِّين؟

مادلين أولبرايت: لقد جعلت تلك الأحداث دور الدِّين أكثر وضُـوحا بالنِّـسبة للولايات المتحدة، ولكن دور الدِّين الإسلامي كان واضحا قبل هجمات سبتمبر في أنحاء العالم الأخرى، ولذلك، فعندما كنت وزيرة للخارجية الأمريكية، بدأت أنا وكثيرين من العاملين في السِّـلك الدبلوماسي الأمريكي، في تعليم حقائق عن الدِّين الإسلامي.

سويس إنفو: كيف يُـمكن للدبلوماسية المُـستندة إلى تفهُّـم أثر الدِّين في السياسة أن تُـصبح أداة فعّـالة من أدوات السياسة الخارجية؟

مادلين أولبرايت: أولا، أنا لا زلت أؤمِـن بمبدإ فصل الدِّين عن الدولة، كمبدأ أساسي في المجتمع الأمريكي، ولست من علماء الدِّين ولكن مهمَّـتي كدبلوماسية هو حلّ المشاكل، ولذلك، فإنني أعتقد أن تفهُّـم التأثير الذي تُـمارسه العقيدة الدينية في الكثير من الصراعات والنزاعات يعُـد متطلبا أساسيا، يُـعين على إيجاد الحلول لها.

ثانيا، أنا أعتقد في الواقع أننا بحاجة إلى إشراك الزعماء الدِّينيين في حل الصراعات، ليس كأطراف مشاركة على مائدة المفاوضات، ولكن كمصادر للتفهم ولكسب مساندتهم في نهاية المطاف للقرارات التي يتم التوصّـل إليها في المفاوضات، لأنه لا يمكن فصل الناس عن معتقداتهم الدِّينية، ولذلك، أعتقد أن إشراك الزعماء الدِّينيين في جانب من المناقشات، يساعد في التوصل إلى حلول للصراعات.

سويس إنفو: لماذا نصحت في كتابك بأنه لن يمكن للولايات المتحدة، كقوة عظمى، أن تقود عالم اليوم ما لم تتفهّـم الشعوب التي تمس الحاجة إلى التأثير عليهم، خصوصا المسلمين؟

مادلين أولبرايت: لأنني رأيت كثيرين يتحدّثون عمّـا يُـسمّـونه بصراع أو صِـدام بين الحضارات، وهو شيء لا أؤمن به. فالولايات المتحدة ليست في صِـدام مع العالم الإسلامي كحضارة، ولكنها وجدت نفسها في معركة أفكار تتطلّـب أن توضِّـح الولايات المتحدة ما هي الأسس والقيم التي تقوم عليها، وليس مجرد توضيح الأفكار التي تُـعاديها الولايات المتحدة، وكذلك يتعين علينا أن نتفهّـم معتقدات الآخرين، لأنه في نهاية المطاف ستتطلب أي مناقشات أو مفاوضات تجريها مع طرف آخر، أن تضع نفسك مكانه وتتفهّـم الخلفية الثقافية والتاريخية والدِّينية التي أحاطت بذلك الطرف وشكّـلت مواقفه.

سويس إنفو: لماذا أشرتِ في كتابك إلى أن الغزو الأمريكي للعراق قد وسَّـع الفجوة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة، وبعث روحا جديدة في تنظيم القاعدة؟

مادلين أولبرايت: أعتقد أن قرار غزو العراق سيسجِّـله التاريخ على أنه أكبر كارثة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، بسبب العواقب غير المقصودة التي تسبّـب فيها ذلك الغزو، وكيف أن الإرهابيين الذين شنّـوا هجماتهم على الأرض الأمريكية يوم 11 سبتمبر عام 2001 جاءوا من أفغانستان، وليس من العراق، ولم تكن هناك أي صِـلة بين تنظيم القاعدة وبين الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين، ولكن بسبب الوضع الفَـوضوي الذي نتج من الغزو الأمريكي، وجد تنظيم القاعدة أرضا خصبَـة للعمل في العراق، وأصبح له دور كبير في العُـنف المتزايد في العراق وأدّى إلى إشاعة الفرقة بين العراقيين، وأصبحت هناك أسئلة كثيرة تُـثار حول تأثير الحرب التي شنّـتها أمريكا على العراق على الشعب العراقي ومستقبل العراق، بل وعلى العلاقات الأمريكية مع الدول العربية والإسلامية.

سويس إنفو: طالبت في كتابك بأن تُـواصل الولايات المتحدة مساندة حقيقية للتحوّل الديمقراطي في الشرق الأوسط، ولكن الحكّـام العرب يُـخيفون الولايات المتحدة بأن البديل لهم، إذا ما أجريت الانتخابات، هم الإسلاميون. فهل يَـعني ذلك استبعادهم من العملية السياسية؟

مادلين أولبرايت: بطبيعة الحال لا ينبغي استبعادهم، لأننا جميعا لنا نفس الحقوق وللشعوب الحق في اتِّـخاذ القرارات الخاصّـة بحياتها، والديمقراطية هي أفضل نظم الحكم، ولكن لا يُـمكن فرضها، وإنما يتعيّـن مُـساندتها وتقويَـتها، والأساس الحقيقي للانتخابات، هو ضرورة أن يتخلّـى مَـن يخوضون العمل السياسي عن استخدام العُـنف لتحقيق أهدافهم السياسية، كما هو المطلوب الآن من حركة حماس، ولذلك يجب أن يُـدرك المشاركون في العملية السياسية أن الفائزين بالانتخابات في الدول العربية الرّاغبة في التحول نحو الديمقراطية، هم من يحصلون على غالبية الأصوات، مما يعكِـس التأييد الشعبي لهم على أن يُـدرك الفائزون أنها لن تكون آخر انتخابات يتم إجراؤها ويقبلون بمبدإ تداول السّـلطة، وبالتالي، تتّـضح مواصفات العملية الديمقراطية. وإذا قبل بها الجميع، فيجب ألا يتِـم استبعاد إحدى القوى السياسية، لمجرّد أنها إسلامية، بشرط ألا يلجأ أي طرف إلى العُـنف.

سويس إنفو : ماذا عن استخدام الدِّين في السياسة الداخلية في الولايات المتحدة وتصوّر إدارة بوش أن الله يقِـف إلى جانبها؟

مادلين أولبرايت: ليس المُـهم أن تروّج لفكرة أن الله يقِـف إلى جانبك فيما تقرّره، بل الأهَـم هو أن تكون أنت فيما تتَّـخذه من قرارات في جانب ما أوصى به الله، وقد أدّى ذلك الاستخدام إلى صُـعود نجم المحافظين الجُـدد والترويج لنظرية نهاية العالم والتعجيل بعودة السيد المسيح، وأصبح كل شيء متَّـسما بصِـبغة دينية.

فالرئيس بوش أصرّ عقِـب أحداث سبتمبر على أن للولايات المتحدة علاقة خاصة وفريدة بالله، وهي تقود قِـوى الخير ضدّ قوى الشر، وعندما تمّ اعتقال الرئيس صدام حسين، أعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة تفعل ما أراده الله لاسترداد الحرية للشعب العراقي، ويكفي للتدليل على إسباغ بوش صِـبغة دِينية على كل شيء، أنه قال لأنصاره من الكنيسة الإنجيلية، بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية: "أعتقد أن الله يُـريدني أن أصبح رئيسا"!

سويس إنفو: أعربت في كتابك عن الأسف لِـما لحِـق بصورة أمريكا في العالم من ضرر بسبب السياسات التي اتّـبعها الرئيس بوش، فما الذي تأملينه للولايات المتحدة بعد بوش؟

مادلين أولبرايت: أنا مُـواطنة أميريكية تجنّـست بالجنسية الأمريكية بعد أن هاجرت مع أسرتي من تشيكوسلوفاكيا، وكنت دائما أنظر بإعجاب إلى الولايات المتحدة كأرض للفُـرص السّـانحة وكمَـصدر لإلهام الشعوب التواقة إلى الحرية والديمقراطية، ومصدر كريم يمد يد المساعدة إلى دول العالم الأخرى، ولذلك آمل في أن تستعيد الولايات المتحدة ما كانت تتمتّـع به في الماضي من احترام الشعوب كمنارة للحرية، وليس كرمز للكارثة التي حلّـت بالعراق، وأعتقد أن العالم لا يزال بحاجة إلى أمريكا كقوة رائدة تُـسهم بفعالية في حلّ المشكلات وليس في خلقها، تعطي بسخاء وكَـرم لترفع نير الحاجة عن الشعوب الفقيرة، وتكون قادرة، ليس بقوتها، ولكن بالتعاون مع الأطراف الدولية الأخرى على التعامل مع نظام عالمي بالغ التعقيد.

أجرى الحوار في واشنطن محمد ماضي

مادلين أولبرايت

اسم شهير اقترن مع إدارة الرئيس كلنتن في فترتي رئاسته، شاركت مشاركة فعالة في أهم أحداث العصر الحديث في نهاية القرن العشرين، من ملاحقة عملية السلام في الشرق الأوسط إلى التدخل الإنساني للناتو في كوسوفو.

تقدم نظرة مقربة من الداخل على قضايا العالم في فترة مضطربة لم يسبق لها مثيل، سلكت فيها مادلين طريقاً وعراً إلى حياة عملية أوصلتها إلى الطبقة العليا من الدبلوماسية، وضع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فصارت أول امرأة تجلس على كرسي وزارة الخارجية الأمريكية، وإحدى الشخصيات على المسرح العالمي في عصرنا.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×