تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ماذا بعد اغتيال رفيق الحريري؟

رجال شرطة لبنانيون يطوقون موقع الانفجار الذي راح ضحيته يوم 14 فبراير 2005 وسط بيروت رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري

(Keystone)

السؤال الاول الذي تصاعد مع اللهيب الجهنمي الذي أحرق رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في وسط بيروت أمس، كان: "هل إنفجر الصراع الاميركي - الإيراني على أرض لبنان؟".

ولكن، لماذا الصراع الأميركي- الإيراني ، وليس الأميركي- السوري أو حتى الإسرائيلي- السوري؟

سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل . لكن قبل ذلك، وقفة أولاً أمام بعض معاني وأبعاد إغتيال الحريري، وهي أبعاد خطيرة وكبيرة.

فالرجل لم يكن سياسياً لبنانياً تقليدياً، ولا حتى شخصية عامة عربية عادية. إنه صديق مقرّب من رؤساء دول غربية كبرى، كالرئيس الفرنسي جاك شيراك؛ وهو حليف وثيق لرئيس دولة عظمى، هو الرئيس جورج بوش؛ وهو ممثل شخصي في المحافل الدولية لبعض كبار الأمراء السعوديين (يحمل الحريري الجنسيتين اللبنانية والسعودية).

الحريري كان الوحيد الذي يطلب موعداً عبر الهاتف مع شيراك أو بوش، فيستقبله الأول فوراً، ويحدد له الثاني الموعد بعد أيام معدودات. وخلال وجود كاتب هذه السطور مرة إلى جانب الحريري في قصره ببيروت، تناهى إلى مسامعه جانب من حوار كان يجريه مع الرئيس الفرنسي كان واضحاً فيه الغياب التام للأجواء الرسمية والبروتوكولية بين الرجلين.

ثم ان رئيس الوزراء الراحل كانت له أيضاً صداقات كبيرة مع بعض الشخصيات في سوريا، بينها رئيس الأركان النافذ السابق حكمت الشهابي، ونائب الرئيس عبد الحليم خدام، ووزير الداخلية غازي كنعان. وهو يمتلك دارة فخمة والعديد من المشاريع الإقتصادية في دمشق. لا بل يقال إنه كان المقاول الذي ساهم مجاناً في بناء قصر الرئاسة في العاصمة السورية.

تفاعلات متوقعة

أوردنا هذه المعلومات الشخصية لتظهير نقطة مهمة: إغتيال رجل غير عادي، حدث غير عادي، له حتماً مضاعفات غير عادية. وهذا سيحدث على الصعد الدولية والإقليمية والمحلية اللبنانية كافة.

دولياً، وجهّت واشنطن أمس إتهامات شبه رسمية إلى سوريا بأنها قد تكون وراء عملية الأغتيال، وبدأت تستعد لتحريك مجلس الامن الدولي (والكونغرس) مجدداَ ضدها.

وهنا كان ثمة ملاحظتان مهمتان:

الاولى، حرص واشنطن على ان يصدر موقفها من البيت الأبيض وليس من وزارة الخارجية، توكيداً على نيتها القيام بخطوات جدّية.

والثانية، تدرّج الموقف الاميركي من الادانة ومجرد التلميح إلى حدوث الإغتيال في كنف "الاحتلال السوري" في البداية، إلى الأعلان بعدها بساعات بأن "الولايات المتحدة تتشاور مع حكومات اخرى لدراسة الخطوات التي يمكن إتخاذها لمعاقبة المسؤولين عن هذا العمل الأرهابي، ولإعادة الإستقلال والسيادة والديمقراطية للبنان عبر تحريره من الأحتلال الأجنبي".

وفي الوقت ذاته، كانت "نيويورك تايمز" تنقل عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين بأن الادارة الأميركية، وبالتعاون مع فرنسا وبعض الدول الأوروبية، تدرس إحتمال فرض عقوبات أقسى على سوريا من تلك التي طبقت في مايو الماضي.

قال أحد هؤلاء المسؤولين: "صبر واشنطن (على دمشق) بدأ ينفذ. من الآن فصاعداً سنرفع درجة حرارة الضغوط عليها. هذا أمر مؤكد. إذ برغم ليس ثمة دليل يربط سوريا بعملية الإغتيال، إلا ان هذه الأخيرة، سواء بسبب الاهمال أو عن تخطيط، سمحت بأن ينزلق لبنان إلى اللاإستقرار".

الصراع الحقيقي

هذا الموقف الأميركي القاطع، إضافة الى الموقف الفرنسي الذي ينتظر أن يتضمن "نزعة إنتقامية" واضحة، سيضع سوريا في قلب شاشة الرادار الاعلامية والسياسية الغربية خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة.

بيد أن الصراع الحقيقي فوق أرض لبنان، مع ذلك، سيجري على جبهة أخرى ومع دولة أخرى هي: إيران.

لماذا إيران؟

لانها المعني الحقيقي الاول بقرار مجلس الأمن الرقم 1559. صحيح ان هذا القرار الذي وضعته واشنطن وباريس (يإيعاز من الحريري كما يُـزعم)، يطالب بإنسحاب القوات السورية من لبنان، إلا أنه يشّدد أولاً وأساساً على نزع سلاح "حزب الله" اللبناني الموالي لإيران.

هذه النقطة التي لم تحظ بما يكفي من إنتباه الاعلام والتي تعني الوجود الإيراني في لبنان، هي المحًرك الرئيس لكل الاحداث الراهنة في بلاد الأرز، فيما قضية الوجود السوري هي في الواقع حصيلة لا سبباً.

فالمحللون السياسيون متفقون على القول أن الولايات المتحدة لا تريد حقاً إخراج سوريا من لبنان، بل هي تسعى إلى إعادة إدخالها إليه، لكن بشرط أن تنزع سلاح حزب الله.

وهم يذكرّون في معرض تبرير هذا التحليل بأن تيري رود لارسن "الحارس الدولي" للقرار 1559، قال قبل أيام لمحاوريه اللبنانيين والسوريين، أن ثمة ضغوطاً أميركية وإسرائيلية كبيرة "لفرض طريقة تعامل جديدة مع "حزب الله"..

كما أن ديفيد ساترفيلد، نائب وزير الخارجية الأميركي الحالي والسفير السابق لدى لبنان، لم يقصد شيئاً آخر غير مطالبة الجيش اللبناني بضرب حزب الله، حين قال قبل أيام إن هذا الجيش "مؤسسة قوية وقادرة"؟

اغتيال الحريري .. رصاصة أولى

ولكن، لماذا هذا التركيز الكلي على "حزب الله"؟

لأسباب إستراتيجية إقليمية بارزة. فالحزب بنشره أكثر من 10 آلاف صاروخ متطور، بعضها من طراز "فجر- 5" الإيراني الذي يبلغ مداه أكثر من 45 ميلاً، خلق حالاً من توازن الرعب بين إسرائيل وأميركا من جهة وبين إيران من جهة أخرى، وأعطى الثانية ورقة ثمينة لردع الاولى ضد محاولة الإغارة على منشآتها النووية.

كما تمنح هذه الصواريخ، التي تضع قلب المنطقة الصناعية الإسرائيلية من جنوبي حيفا إلى تل أبيب تحت رحمة نيرانها، سوريا ميزات تفاضلية ردعية شبيهه بالميزات الأيرانية.

وعلى الصعيد الأمني، الحزب "متهم" بأنه وراء سيل الأسلحة التي لا تزال تتدفق من إيران إلى المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبأنه يملك شبكات أمنية واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا وباقي القارات. وهذا ما دفع الادارة الاميركية إلى وضعه قبل تنظيم "القاعدة" على لائحة المجموعات "الإرهابية" الاكثر خطراً في العالم.

الحزب أيضاً يكاد يكون دولة داخل الدولة. إذ يقال إنه يتلقى 100 مليون دولار سنوياً من إيران، إضافة إلى تبرعات سخية من معظم انحاء العالم. وهذا يجعله مكتفياً ذاتياُ وقادراً على تمويل سلسلة نشاطات إعلامية وثقافية وإجتماعية وإقتصادية، تستخدم كلها لمقاومة النفوذ الإسرائيلي والأميركي في المنطقة.

ثم إنه، بنظر القوى الطائفية اللبنانية الاخرى، القوة العسكرية والسياسية الرئيس التي تعطي الشيعة نفوذهم القوي الراهن في المعادلة السياسية اللبنانية.

كل هذه العوامل مجتمعة، تجعل حزب الله الآن في قلب لوحة الهدف الذي يجب توجيه كل البنادق نحوه.

فتجريده من صواريخه، يعني قطع دابر توازن الرعب الإيراني مع إسرائيل وتسهيل فرص توجيه ضربة عسكرية لبلاد فارس. ونزع سلاحه يعني قطع العلاقات الإستراتيجية السورية- الإيرانية، أو على الأقل جعلها بلا أسنان.

وتحويله من قوة مقاتلة إقليمية إلى قوة سياسية محلية لبنانية، سيضعف الممانعة في المنطقة للمشروع الأميركي، وسيسّهل على المعارضة اللبنانية، تعديل موازين القوى الطائفية لصالحهم ولصالح الغرب.

لكن كيف يمكن تحقيق كل ذلك؟

عبر سوريا إن أمكن، أو عبر الجيش اللبناني إذا إستعصت سوريا، أو من خلال عمليات عسكرية إسرائيلية تُـفقد اللبنانيين مكاسبهم الثمينة في السلام وإعادة الإعمار، وتُـحّـمّـل الحزب مسؤولية ذلك.

وإذا ما فشلت كل هذه المحاولات، يمكن العمل لجر الحزب إلى حرب أهلية، تماماً كما تم جر المقاومة الفلسطينية في السبعينات 1975 إلى حرب أهلية أدت في النهاية إلى تدميرها وتدمير لبنان.

الارجح ان هذا الخيار الأخير هو الذي بدأ يسود الآن. والأرجح أن إغتيال رفيق الحريري كان الرصاصة الاولى التي قد تدشّن وصول الصراع الإيراني- الاميركي إلى نقطة الانفجار على أرض لبنان.

أو هذا على الأقل كان الانطباع الأولّي المقلق الذي خرج به المراقبون، وهم يشاهدون ألسنة اللهيب الجهنمي وهي تحرق في أتونها رئيس الوزراء اللبناني الراحل.

سعد محيو- بيروت

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك