Navigation

Skiplink navigation

ماذا يريد حلف الأطلسي من "الشرق الأوسط الكبير"؟

رؤساء أركان القوات المسلحة في الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن قبل بدء أول لقاء من نوعه مع نظرائهم في الحلف الأطلسي يوم 17 نوفمبر 2004 في بروكسل (مصدر الصورة: موقع الحلف الأطلسي) swissinfo.ch

تثير زيارة ياب دو هوب شيفر الامين العام لحلف شمال الاطلسي غير المسبوقة الى الجزائر مجددا التساؤلات حول حقيقة توجهات "الناتو" إزاء المنطقة الممتدة من المغرب الأقصى إلى وسط آسيا مرورا بمنطقة الخليج.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 نوفمبر 2004 - 12:52 يوليو,

هذا السؤال ليس جديدا، كما لا توجد صعوبة كبيرة في الإجابة عليه لأن الحلف حدد منذ نهاية الحرب الباردة اتجاهات عمل رئيسية بدأ في تطبيقها.

إن مشكلة حلف "الناتو" مع الشرق الأوسط هي أنه لا يوجد أدنى شك حول قناعة دول الحلف بأهمية وخطورة تلك المنطقة، ورغبتها الأكيدة في ممارسة دور فيها.

إلا أن المسألة هي أن الحلف ليس لديه تصور بالضبط حول ما يمكن أن يقوم به على ساحتها، وما إذا كانت أدواته تتيح له بالفعل التعامل مع التهديدات القادمة نحو أوروبا منها. لذا، فإنه لا يزال في حالة نقاش واتصال و"تجريب"، على الرغم مما يبدو من أنه قد بدأ يتحرك عمليا نحوها.

إن السؤال عن توجهات "الناتو" إزاء منطقة الشرق الأوسط ليس جديدا، ولا توجد صعوبة كبيرة في الإجابة عليه. ففي إطار عملية إعادة تعريف الأمن الأوروبي داخل الحلف بعد نهاية الحرب الباردة، تم تحديد اتجاهات عمل رئيسية، أهمها التعامل مع تهديدات الاستقرار من الداخل في غرب أوروبا كما حدث في البلقان، والتعامل مع التهديدات (المحتملة) القادمة من مناطق الجوار، كأوروبا الشرقية وجنوب المتوسط.

كانت منظومة التهديدات الخارجية التي تم تحديدها من جانب دول الحلف تتعلّـق بما يُـمكن أن تفرزه الأوضاع "العامة" غير المستقرة في الجوار من تهديدات للاستقرار الأوروبي بفعل ما تمثله من مصدر لضغط المهاجرين، والجريمة المنظمة، وتجارة السلاح وأعمال الإرهاب، إضافة إلى احتمالات انتشار أسلحة الدمار الشامل، وانقطاع وصول الموارد الحيوية بفعل الأزمات الإقليمية، وكلها مخاطر متعددة الأوجه، تتطلب استراتيجيات معقدة للتعامل معها.

وقد اعتمد الحلف في هذا الاتجاه، إضافة إلى التوجهات الدفاعية، آليات تعاون متعددة تمّـت مناقشتها على مهل عبر لقاءات مكثفة، على نحو توسيع عضويته التي تضم حاليا 26 دولة، وإقامة مشاركات استراتيجية، كما هو قائم مع روسيا، والدخول في حوارات مع مجموعة من الدول (الأردن، وإسرائيل، ومصر، وتونس، والمغرب، والجزائر وموريتانيا) عبر المتوسط، تختلط فيها الجوانب العسكرية بالسياسية والاجتماعية، والتي تهدف في النهاية إلى إحداث تغيير ما، في بنية تلك الدول، بحيث تُـصبح أقل إفرازا لما يعتبره الناتو تهديدات.

تحركات عابرة للمتوسط

لكن أهمية السؤال المشار إليه حول توجّـهات الناتو ترتبط في الواقع بوجود سلسلة كثيفة غير معتادة من التحركات العابرة للمتوسط نحو الجنوب والشرق الأدنى والبعيد، والتي توحي بأن الحلف قد بدأ يتجه بجدية نحو تطبيق توجهاته المقررة سلفا بشأن ذلك الإقليم، إلا أن الأهم يرتبط بما إذا كانت أطرافه سوف تتردد كعادتها أو تنقسم في مرحلة ما، ليحتفظ الحلف بسياسة الحد الأدنى أو ليعود إلى قواعده سالما عند أول انفجار في وجه سياساته أو قواته في الإقليم.

إن إسم "الناتو" قد تردد في الفترة الأخيرة بأكثر مما هو معتاد فيما يتعلق بقضايا داخلية (كالإصلاح)، وخارجية تتعلق بالشرق الأوسط، لدرجة أثارت ضجة نسبية داخل تلك المنطقة التي لا يتّـسم فيها مصطلح الأحلاف بطابع إيجابي، حتى من جانب البيروقراطيات الرسمية التي لم تتوصل هي الأخرى لصيغة مُـحددة بشأن التعاون مع الحلف، على الرغم من قناعاتها بأن التحركات الأوروبية تتسم بتوازن أكبر مقارنة بالدور الأمريكي، وعلى الرغم من تأكيدات بعض وزراء خارجية أوروبا بأن الناتو صديق للعرب.

لقد لفت الحلف الانتباه في أغسطس ‏2003‏ عندما أعلن عن أول عملياته العسكرية خارج أوروبا بتوليه قيادة قوات حفظ السلام في كابول بأفغانستان. واقترب الناتو من المنطقة العربية بعد ذلك عبر مقترحات تتعلّـق بدور يركز على إرسال قوات غير قتالية لمهام تدريبية في العراق أو لما يُـشبه حفظ السلام في قطاع غزة، إضافة إلى التحرك أيضا نحو الحوار مع دول الخليج.

وقد ترسّـخ الانطباع الخاص باتجاه الحلف نحو الامتداد عمليا في اتجاه المنطقة العربية، عبر تطورين:
الأول، ما بدا أنه تأكيدات نهائية على ضرورة أن يكون للحلف، حسب تصريحات دى هوب شيفر، الأمين العام للناتو، دور سياسي أكبر، وأن يساعد في تشكيل السياسة في مناطق من أفغانستان إلى إيران، وصولا إلى شمال إفريقيا، على أن يكون الحلف لاعبا، وليس مُـجرد هيئة لتنفيذ قرارات اتُّـخِـذت في أماكن أخرى، والمقصود هنا، أن الحلف قد بدأ يقدم انطباعا بأنه قد حسم أمره بشأن دوره المستقل نسبيا في المنطقة.

الثاني، اتجاه الحلف نحو تطوير الحوار القائم منذ عام 1994 مع الدول المتوسطية السبع ليصل إلى درجة الشراكة، كما تشير توصيات قمة الناتو التي عُـقدت في اسطنبول (يونيو 2004)، ثم اللقاءات الفعلية لمجموعة التعاون المتوسطي بين الناتو والدول السبع في بداية نوفمبر، وترتيبات اجتماع 8 ديسمبر في بروكسل لوزراء خارجية دول الحلف مع البلدان المتوسطية.

الثالث، إشارة مُـحدّدة ببدء تحرك عملي في اتجاه ترتيبات ثنائية وفق منطق عرض التعاون الفردي غير الملزم مع من يرغب في ذلك، والذي وصل بسرعة إلى مستوى بحث التعاون العسكري على غرار ما تم بحثه بين المغرب ومسؤولي الحلف بشأن "التقييم الفني لاندماج فَـيلَـقين تابعين للجيش المغربي مع قوات الناتو العاملة في بؤرتين صراعيتين خامدتين يعمل بهما الحلف بمنطقة البلقان.

دور عسكري مباشر؟

إن الدلالة المباشرة لتلك الموجة هي أن الحلف قد بدأ يتّـجه نحو الشرق الأوسط بالمعنى الواسع عبر ما أسماه بيان اسطنبول "آليات وميكانيزمات ديناميكية وجديدة"، والتي تتراوح بين قوات حفظ سلام وأكاديمية تدريب عسكري، ومراقبة لوقف إطلاق نار وتعاون عسكري وتفاهمات أمنية وحوار مستمر، استنادا على التوجهات المستقرة للحلف بشأن أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للأمن الأوروبي.

لكن الواقع يشير إلى أن الحلف لن يقوم بدور عسكري مباشر ذو أهمية خارج مسرح عملياته التقليدية. فحتى خلال الفترات التي تصاعد خلالها صوت تيار الدفاع الأوروبي المستقل، لم يتم الحديث سوى عن إنشاء قوة للتدخل السريع تتكون من 20 ألف جندي. كما أن كل حجم القوة التي تشارك في عمليات أفغانستان، لا تتجاوز 9 آلاف جندي، ويتم الحديث في العراق عن عدة مئات، ولا تشير ميزانيات دفاع دول أوروبا الرئيسية أو حجم قواتها أو طاقات نقلها الاستراتيجية إلى إمكانية خوض عمليات كبرى خارج مسرح عملياتها.

لكن الأهم هو أن الخلاف داخل الحلف بين الدول الممثلة للتيار الأوروبي (فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وأحيانا إسبانيا) وتيار التعاون عبر الأطلسي حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة في ظل توجهات إدارة بوش، قد أدّى إلى مناقشات لا نهاية لها داخل أوروبا حول تفاصيل كل خطوة عسكرية للحلف خارج أراضيه، كما حدث بشأن إرسال قواته إلى أفغانستان أو ضباطه إلى العراق، وأدّت المناقشات إلى إحالة مستوى المشاركة إلى كل دولة على حدة، بحيث بدأ الحلف يتحرك في واقع الأمر كدول، وفقا لشكل علاقات حكوماته الثنائية مع واشنطن.

لقد أدّى ذلك الوضع إلى ظهور أفكار مختلفة لدور الحلف العسكري في الخارج، فلم يعد يتم الحديث كثيرا عن شنّ الضربات الوقائية أو الاستباقية، كما قيل في قمة براغ (نوفمبر 2002)، أو إنشاء وكالة التسليح الأوروبية التي يُـمكن لمختلف الدول الاعتماد عليها عند الحاجة من أجل عمليات التدخل، وتم نقل بعض المسؤوليات العسكرية في بعض المناطق إلى الاتحاد الأوروبي لتُـدار وفق تصوراته الشاملة.

لكن الأهم هو تبلور أفكار بشأن الاعتماد على الدول الحليفة في شمال إفريقيا (على سبيل المثال)، عبر عقد اتفاقات تسمَـح بعمليات إنزال عسكري، بما يؤدى إلى تقليص متطلبات الوجود العسكرى الكثيف، مقابل الاعتماد على قواعد متقدمة تتخصص في استقبال الهليكوبتر المسلحة والقوات الخاصة، وتكون مستعدة لدعم العمليات العسكرية في الحالات العاجلة، بما يتضمّـنه ذلك من إصلاح للجيوش المتوسطية لتُـصبح مؤهلة للتعامل مع التهديدات الجديدة.

إن ذلك لا يعد نهاية المطاف. فالطريقة التي يُـدير بها الناتو علاقاته العسكرية المحتملة في شمال إفريقيا، لا تشير إلى احتمالات تَـقدّم سريع في هذا الاتجاه. فليس لدى الناتو تصور محدد حول إشكالية ضد من سوف تتحرك القوات؟ وفي أية حالات بالضبط؟ فالمشكلات ليست محددة مثلما حدث في كوسوفو، وتعبير الإرهاب الذي يتكرر كثيرا لا يحل المشكلة، ومعظم التهديدات القادمة من الشمال الإفريقي أمنية أو إجرامية وليست دفاعية.

كما أن نمط إدارة التعاون العسكري الأولى مع المغرب على طريقة "التقييم الفني"، تشير إلى استمرار الحذر الشديد في التعامل مع كل ما هو عسكري، ولا توحي توجهات المدى القريب باحتمالات تغيير أساسي في هذا الاتجاه.

بعيدا عن العسكرة

على المستويات الأخرى غير العسكرية، تواجه تحركات الناتو نفس المشكلة بأشكال أخرى. فقد استقر في المنطقة أن أوروبا عموما لن تمارس دورا رئيسيا في التعامل مع قضاياها أو حل مشكلاتها التي تقفز دائما في وجه الجميع، بعيدا عن الدور الأمريكي، وأن ما يمكن أن يتم من جانب "التنظيمات الأوروبية" هو أدوار مساعدة لملء الفراغ أو تقديم العون أو وقف التدهور.

فالخيار المتوسطي المستند على دور مستقل للناتو لم يستقر في عقائد دول المنطقة بعد، ربما باستثناء دول شمال إفريقيا التي تحتفظ في الوقت ذاته بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة.

الأهم أن المشاريع الأمنية "الأطلسية" التي يتم التفاهم حولها كأسس للتعاون بين الجانبين في إطار الحوار المتوسطي أو إطار برشلونة، تبدو بالنسبة لكثير من الدول العربية وكأنها تدفع في اتجاه واحد، هو التأقلم مع الحاجات الأمنية الأوروبية، كما يحددها الناتو، إضافة إلى أن إحداث تحولات حقيقية في النظم السياسية والأوضاع الاقتصادية والقيم الثقافية لدول "الشراكة" على نحو يُـؤدّي إلى تقليص التهديدات النابعة منها في اتجاه أوروبا، يبدو عملية مكلفة وحساسة وطويلة المدى، ولا تتعامل معها دول عربية كثيرة بجدية، بعكس ما كان الحال عليه في أوروبا الشرقية التي كانت راغبة في الاندماج ودفع الثمن، وأمامها عرض واضح وعائد محدد كبير.

فى النهاية، فإن حلف الناتو قد بدأ في الاتجاه عبر تفاعلات أكثر كثافة نحو الشرق الأوسط، ليقوم ببعض المهام العسكرية المحدودة في مناطق ما وراء شرق المتوسط في إطار اهتمام مُـركّـز، بالتوازي مع ذلك، بالدول المتوسطية السبع، التي بدأ بعضها يفرز تهديدات حقيقية لأمن أوروبا من وجهة نظر حكومات وتيارات داخل كثير من دولها.

وقد التقطت بعض دول المنطقة هذا الخيط لتبدأ في الفترة القادمة مباراة شديدة التعقيد تحت عنوان "الحوار" الذي سيكون إنجازه الرئيسي هو تحديد ما الذي يُـريده الناتو بالضبط من تلك المنطقة، وما الذي تريده دول المتوسط من الناتو، الجناح العسكري لأوروبا، وفق أجندة مفتوحة؟

لا يوجد يقين حول التوقيت الذي ستصل فيه إلى التفاهم حول السؤال الأهم وهو: ما الذي يوجد استعداد فعلي للقيام به من جانب الطرفين للتفاعل مع مطالب الطرف الآخر؟ وما هو الثمن الذي سيتم دفعه لإبرام تلك الصفقة الكبيرة التي يمكن بالفعل أن تؤثر على نمط الحياة حول البحر المتوسط.

د. محمد عبد السلام - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة