تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ما بعد الصمت: تآكل ذاتي وفوضى مرجحة!

شهدت بعض العواصم العربية (مثل القاهرة في الصورة) احتجاجات محدودة جدا على ما يحدث في السجون العراقية .. لكن الصمت الرسمي أصـمّ الآذان!

(Keystone)

هناك من يتصور أن الصمت أحيانا مفيد وأنه قد يُـحقق بعض النتائج على المدى القريب جدا، لكن هذه النتائج ذات أثر عكسي على المدى المتوسط.

لكن المواطنين العرب الذين اعتادوا مزايدات الحكومات على مواقفهم العفوية إزاء القضايا العربية الساخنة، يُـدركون أن الصمت الرسمي نـاجـم عن عوار حقيقي في الداخل.

في كل يوم تقريبا، ولمدة أسبوعين متتاليين، هناك جديد على خلفية قضية تعذيب السجناء العراقيين فى سجن أبو غريب بأساليب سادية ولا أخلاقية، ووفق أوامر من أعلى القيادات العسكرية الأمريكية.

وفي كل يوم أيضا، ولمدة تزيد عن العام، هناك هدم منازل وتخريب وتجريف للأراضي الزراعية، وقتل أبرياء، وحصار لا إنساني لقطاع غزة، وأخيرا هدم منازل تفوق عن المائة وخمسين منزلا، وتشريد أكثر من 1500 فلسطيني صاروا بلا مأوى. والمعلن إسرائيليا، أن هناك مئات أخرى من المنازل قيد الهدم بعد قرار المحكمة الإسرائيلية العليا التى أيّـدت هذه العملية المشينة.

وما بين الحدثين الفظيعين، تحدُث تطورات ومواجهات حامية الوطيس بين عناصر جيش المهدي وبين قوات الاحتلال الأمريكى فى المدن المقدسة لدى الشيعة العراقيين. كما تقوم جماعة تدّعى انتسابها للجهادية السلفية بقطع رأس أحد المقاولين الأمريكيين العاملين فى العراق.

وفي الخلف، حوار تُـجريه بعض وسائل الإعلام الفضائية العربية، بصورة مقصودة وموجهة ما بين إدانة وتبرير، أو على الأقل التفسير الخجول، ولكن تخرج منه عبارات عفوية تتجاوز أحيانا حدود الإدانة المنتظرة لتكشف عن أصوات عراقية عادية تدعو العرب إلى ترك العراق وأهله يتطلّـعون إلى مستقبل أفضل في ظل الاحتلال، فيما فضّـل عراقيون بسطاء أن يسكُـت العرب في هذه المحنة، كما سكتوا من قبل على فظائع نظام صدام وجرائمه بحق العراقيين جميعا.

ولم تخلُ الإشارات العفوية إلى الإفصاح عن قناعات لدى البعض بأن الأمريكيين جاءوا لينتصروا وينشئوا ديمقراطية عراقية، وإن لم يكن ذلك هو المصير، فالبديل هو أصولية متخلّـفة ستعيث فسادا في العراق وما حوله، وكأن حتمية العرب أن يختاروا بين كارثتي الاحتلال والأصولية المتخلفة، ولا بديل بينهما.

مواقف خجولة وحسابات خفية

وبينما تزداد الكلمات لهيبا من حيث الإدانة وكشف الخطايا التى اقترفها الاحتلال الأمريكي بحق الأمة العربية كلها، وذلك على صفحات بعض جرائد المعارضة العربية، إضافة إلى بعض مقالات وتحليلات موجهة بعناية فى الصحف العربية الحكومية، وبينما يخيّـم شعور بالاكتئاب على قطاعات واسعة من المواطنين العرب، تبدو مواقف الحكومات العربية صامتة وشاردة، وكأن الأمر لا يعنيها، لأنه يحدث فى بلاد الواق الواق!

وما ظهر من بيانات حكومية في مصر والسعودية وسوريا اتّـسم بخجل العبارات، فيما جاءت التعليقات الليبية حامية قليلا كردّ على انتقادات أمريكية بالأساس وُجّـهت لأحكام قضائية ليبية بإعدام خمس ممرضات أجنبيات لدورهن في نشر فيروس الإيدز لدى عدد كبير من الأطفال الليبيين، بل إن البيان الحكومي المصري حذر المواطنين من الاستغراق في المشاعر المتولّـدة عن التجاوزات التي رجّـت في سجن أبو غريب حتى لا تتعرض المصالح العليا للبلاد للخطر. فى حين بات على كل مواطن أن يفسّـر هذه المصالح العليا بطريقته الخاصة.

من يستعرض المواقف الحكومية العربية لا يستغرب كثيرا لموقف البرلمانيين العرب في اجتماعهم في عمان، حيث بدا أن مجرّد إدانة عمليات التعذيب التي جرت وقائعها المهينة في سجن أبو غريب تحتاج إلى مساومات ومفاوضات وحسن اختيار للكلمات.

ولن نقول هنا أن كثيرا من البرلمانات العربية تمثل امتدادا للحكومات ذاتها، بينما في أصل دورها أنها امتداد للناس ومصالحهم وطموحاتهم ومشاعرهم أيضا. ولذا، فلا داعي للاستغراب من إدانة برلمانية عربية واهية.

فهل إلى هذا الحد هان على الحكومات العربية أن تقول كلمة قوية بشأن ما جرى في العراق، أم هناك حسابات خفية، أم توجد أسباب مانعة؟ وهل ما يحدث الآن في جنوب قطاع غزة والذي تنطبق عليه بامتياز جريمة حرب ثابتة الأركان، لم يعد يهم أيا من الحكومات العربية، بما فيها مصر التي يحدث كل هذا على حدودها مباشرة؟ في حين أن المعاهدة الموقعة عام 1979 تفرض بقاء القوات الإسرائيلية بعيدا عن منطقة عازلة بطول الحدود الثنائية لمسافة خمسة كيلومترات في العمق.

بيوت من زجاج

إنه صمت عربي غريب ومُـريب في الآن نفسه، ومع ذلك، فهناك تفسير بالقطع، والمؤكّـد أن خصوصية العلاقة مع القطب الواحد تلجم كثيرا من الألسن عن الحديث الصريح، وفي بعض الحالات عن الحديث المستور أيضا، والحسابات الرسمية جميعها تصبّ في خانة عدم استثارة القطب الأوحد لأن لديه أوراق ضغط حقيقية على الجميع، بما فيها فتح ملفات التعذيب الجارية على قدم وساق في الكثير من السجون العربية.

وهذه الملفات تحديدا، هي العنصر الحاسم في هذا الصمت، وهي المتعذر فتحها أمام الرأي العام المحلي، لكنها موثقة لدى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ولدى مؤسسات أمريكية رسمية. فالمسألة ليست عجزا عن مجرد الإدانة، ولكنها من قبيل من كان بيته من زجاج، فلا يلقي الآخرين بالطوب.

الوضع في قطاع غزة وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس بخاف عن عيون الحكومات العربية، لكنها جميعا تُـدرك أنها عاجزة، وأنه حتى كلماتها القوية لن تُـفيد، فآثرت الصمت لعلّ الجريمة الإسرائيلية تَـعُـر دون ضجيج ودون إثارة مشاعر الرأي العام العربي، وما قد يجره من مواجهات أمنية هنا وهناك. المسألة إذن ليست عجزا عن الكلام، ولكنه الصمت المقصود داخليا وخارجيا.

بديلان خطران

من يتصور أن الصمت أحيانا مفيد، وقد يُـحقق نتائجه على المدى القريب جدا، لكن هذه النتائج ذات أثر عكسي على المدى المتوسط. والمسألة ببساطة أن المواطنين الذين اعتادوا مزايدات الحكومات على مواقفهم العفوية إزاء القضايا العربية الساخنة، يُـدركون أن هذا الصمت الرسمي نتيجة عوار حقيقي في الداخل، ونتيجة فقدان حرية الحركة الخارجية أمام النوازل المتلاحقة، وهو ما يجسّـده تشكيك بعض العرب المنهجي بشأن عقد قمة تونس المؤجلة، رغم كل التحضيرات التي تُـجرى، ويدركون أيضا أن حكومات بهذا الوضع باتت عاجزة عن مجرد الكلام فيما يهمهم ويلهب مشاعرهم ويمثل ركينا ركينا من كرامتهم، يعني أنها حكومات لم تعد تمثلهم ولا تُـعنى بشؤونهم.

وحين تنتشر مشاعر وإدراكات من هذا القبيل، لتضيف إلى مشاعر وقناعات سابقة بالفشل العام إن في التنمية أو الرياضة أو الاقتصاد أو توظيف الشباب أو مواجهة الفقر أو جذب الاستثمارات أو تحسين مستوى المعيشة، فنحن أمام حالة انفصام متزايدة بين القاعدة الشعبية وبين القمة الحاكمة، وهو انفصام سياسي وقيمي يُـعد خطرا بكل المقاييس، لأن الذين يرون أن حكّـامهم غير مؤهلين للدفاع عن كرامتهم وأمنهم، يصبح أمامهم أحد بديلين، إما مزيد من الانطواء على الذات والانسحاب من الحياة العامة بكل تفصيلاتها، في صورة بسيطة ولكن أولية لحالة عصيان مدني تلقائي، ومن ثم ترك النظام يتآكل من نفسه، بحيث يُـصبح سقوطه غير مأسوفا عليه مجرد حالة زمنية، وإما الانخراط في بدائل سلفية أو أعمال سرية بغية التسريع بإسقاط النظام عبر العنف.

صحيح أن الحكومات العربية في غالبيتها تملك أدوات قهر حديثة تمكّـنها من مواجهة أي من هذه الجماعات السلفية العنيفة والانتصار عليها، لكن هذه الأدوات نفسها تُـصبح عقيمة وفاقدة القيمة إزاء تآكل النظام على نفسه ومن نفسه. وهنا مكمن الخطر الأكبر، لاسيما إذا تحول الانطواء الجماعي على الذات إلى فعل عفوي لا يجد من يوجهه، فتصبح الفوضى هي النتيجة الحتمية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك









swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×