Navigation

متى يتوقّـف إطلاق النار في حرب لبنان؟

رجل من الدفاع المدني يحمل طفلا تم انتشاله من أنقاض بناية قصفتها القوات الجوية الإسرائيلية في بلدة قانا قرب مدينة صور جنوبي لبنان يوم 30 يوليو 2006 Keystone

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال "العقود الماضية" كل أشكال وقف إطلاق النار التي سجلها تاريخ الحروب.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 أغسطس 2006 - 22:38 يوليو,

فبعيدا عن تلك الحروب الكبرى التي انتهت بهزيمة طرف وانتصار آخر، جرت عمليات مختلفة لوقف القتال. لكن ما تشهده المنطقة حاليا هو أعقد محاولة لوقف إطلاق النار في تاريخها القريب.

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال "العقود الماضية" كل أشكال وقف إطلاق النار التي سجلها تاريخ الحروب.

فبعيدا عن تلك الحروب الكبرى التي انتهت بهزيمة طرف وانتصار آخر، جرت عمليات مختلفة لوقف القتال في إطار ضمانات دولية أو هدنة مؤقتة أو حل جزئي أو تفاهمات عسكرية أو إرهاق متبادل أو أمر واقع يعقبه فض اشتباك وفصل قوات أو "نهاية المهمة"، لكن ما تشهده المنطقة حاليا، هو أعقد محاولة لوقف إطلاق النار في تاريخها القريب.

إن الشكل النموذجي لتوقف الأعمال القتالية في الحروب، يرتبط عادة بفكرة بسيطة، وهي حدوث "توافق" Consensus بين الأطراف المباشرة على وقف إطلاق النار، لكن ذلك لا يمثل سوى سيناريو واحد في حرب لبنان، إذ سيطَـر على الساحة منذ البداية، منطقٌ آخر.

فهناك أطراف تطلب وقف إطلاق نار فوري (غير مشروط) وبعدها يتم التفاهم حول المشكلة، في مواجهة أطراف تقرّر أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون مشروطا بالتوصل إلى صيغة أو وضع يضمن عدم تجدُّد المشكلة أو القتال مرّة أخرى.

إن موقف "المعسكر الأول" لم يكن مجرد "مناشدة مثالية" ترتبط بالمأساة الإنسانية التي لحقت بلبنان، إذ كان يستند على أن العمليات العسكرية المدمرة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي لن تحل المشكلة. كما طوّرت الحكومة اللبنانية صيغة تقوم على وقف القتال ونشر قوة دولية ثم "التفاهم حول المشكلة"، وأتاحت مذبحة قانا (التي أدت سابقتها عام 1996 إلى وقف النار)، قوة دفع هائلة لوجهة النظر تلك، لكن التيار الخاص بوقف إطلاق النار المشروط ظل مُـسيطرا على الموقف، فهو يطرح حُـججا محدّدة وتدعمه الإدارة الأمريكية.

عشرة أيام قادمة

وفي ظل جمود المواقف الخاصة بوقف إطلاق النار، استمر القتال بين إسرائيل وحزب الله، استنادا على إستراتيجيتين واضحتين، متطرفتين نسبيا، يمكن في إطارهما تصوّر توقيت نهاية القتال، هما:

1. أن حزب الله يُـدرك أن خياراته محدّدة. فهو لن يتمكّـن من هزيمة إسرائيل لكي تضطر إلى وقف القتال، لكنه يأمل في أن يرهقها عسكريا، على نحو يجعلها تدفع ثمنا عسكريا أو سياسيا مرتفعا لما تقوم به، بصورة تضطرها إلى قبول شكل من أشكال وقف إطلاق النار غير المشروط، الذي يريده منذ البداية، ليُـصبح "شبه منتصر". فقد أذى إسرائيل بشدّة وأثبت كفاءة قتالية رفيعة، واحتفظ بقوته أيضا بعد أن خاض معركة الأمّـة بشرف. ويقينا، سيدفع حزب الله ثمنا كبيرا لتلك الحرب من عناصره وتسليحه ودمار لبنان، لكنها إستراتيجية لأقل خسائر ممكنة، وربما تعتقد قيادته أنها يمكنها أن تدبّـر أمورها جيّـدا بعدها. فهناك أصوات في الشارع العربي تقرّر مسبقا أن حزب الله قد انتصر، بصرف النظر عن النتائج النهائية للحرب.

2. أن إسرائيل تعتقد منذ البداية أنها الطرف الأقوى الذي يمتلك خيار استمرار القتال أو وقف النار، وأن لديها مهمة محددة تعمل على تحقيقها بالقوة العسكرية، ويمكنها أن توقف القتال، إذا قُـدِّمت لها صيغة تضمن تحقيقها، وهي إنهاء تهديد حزب الله، مهما كان الثمن، لبنانيا أو إسرائيليا، وقد جرّبت في البداية ما اعتقدت أنه عملية أشبه "بالصدمة والرعب" من خلال استهداف بنية الدولة على نحو يؤدى إلى ضغط لبناني على حزب الله لإنهاء الموقف. وفى ظل فشل ذلك، تحاول قواتها، وِفق عمليات غير تقليدية، تدمير قوة حزب الله العسكرية عبر قصف جوي واشتباكات برية محدودة، مع "تنظيف" منطقة جنوب الليطاني (ومنطقة مجاورة شمالها) للمساومة بها سياسيا، بتسليمها لقوة دولية أو للجيش اللبناني، عندما تقرّر أن المهمة العسكرية قد انتهت، بعد فترة قدَّرها إيهود أولمرت بما بين 10 – 14 يوما.

إذن المسألة هنا واضحة، من الزاوية العسكرية. فإذا سارت الأمور وفقا للتصور الإسرائيلي، قد يبدأ العد التنازلي لتوقف أعمال القتال الرئيسية بعد 10 أيام على سبيل المثال، لكن التوترات المسلحة والاشتباكات العسكرية لن تنتهي بعد ذلك، إلا إذا قرّر حزب الله وقف القتال، وقد لا يفعل. أما إذا سارت التطورات وِفقا لسيناريو حزب الله، فإن القتال قد يتوقف في أي وقت، بمجرّد مواجهة إسرائيل خسائر لا تُـحتمل.

أربعة سيناريوهات متصورة

في مثل هذه الحالات، يظل وقف إطلاق النار Cease - Fire بمفهومه المحدّد المتعلق باتفاق الأطراف حوله، مرتبطا بأوضاع – وليس توقيتات – معيّـنة يمكن أن تؤدّي إلى إنهاء القتال رسميا، ويمثل كل منها سيناريو خاص توجد ملامح له فعليا، لكن أحدها سوف يتبلور مع الوقت تبعا للتطورات العسكرية، وهي غالبا كما يلي:

· هزيمة أحد الأطراف: وهو أكثر السيناريوهات تطرّفا: فالفكرة السائدة هي أنه في الحروب الحديثة، لا يوجد نصر حاسم أو هزيمة ساحقة، لكن جبَـروت القوّة قد يُـجبر طرفا ما على قبول وقف إطلاق النار بشروط الطرف الآخر، مع أو بدون مخرج كريم، وهو ما فعله الرئيس العراقي المخلوع صدّام حسين في حرب الكويت عام 1991 بعد تدمير العراق، وفعله ياسر عرفات في حرب لبنان عام 1982 بعد تدمير بيروت. فهناك حدّ معين للقدرة على احتمال الخسائر، قبل أن يقرر طرف ما أن يخرج من المعركة.

هذا السيناريو مثار بالنسبة لحزب الله، ففكرة هزيمة إسرائيل بصورة تضطرها إلى قبول "تصورات حزب الله" للحل بشأن الأسرى وشبعا والجنوب والسلاح وما يستجدّ، صعبة، وهنا، توجد تقديرات إسرائيلية – ينفيها حزب الله – بشأن تكبّـد عناصره المسلحة وأنظمته الصاروخية خسائر كبيرة، وربما يدخل تدمير بنية لبنان ضمن حسابات قيادات الحزب لتقرر وقف القتال في وقت ما. وهنا، يؤكّـد التيار الرئيسي في التحليلات، أن ذلك صعب أيضا، فقد يقرر الحزب السير في طريق النصر أو الشهادة، لكنه سيناريو.

· إرهاق الطرفين عسكريا: إن الأساس هنا هو أن الفكرة السائدة هي أن معظم "الحروب اللا متماثلة" تنتهي بدون منتصر أو مهزوم، وأنه لا يوجد مِـعيار محدّد أصلا للانتصار فيها. فالمعتاد هو أن عملياتها تستمرّ لفترة طويلة حتى يُـصاب الطرفان بحالة من الإرهاق العسكري، بفعل حجم الخسائر وعجز القوة وضغوط السياسة، ليتوقف أو يتجمد القتال كأمر واقع دون توافق، أو بتوافق على طريقة "تجرع السم"، التي قبِـل في ظلها الإمام الخمينى وقف القتال مع العراق عام 1988، والإرهاق العسكري، هو أحد الشروط الشائعة لقبول الطرفين وقف إطلاق النار.

المشكلة، أن الطرفين يُـدركان تماما أن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالا، وأن لُـعبة الحرب القائمة هي لعبة "عض أصابع"، ويحاول كل طرف أن يتجنّـب بشدة، كأولوية قصوى، استنزاف الطرف الآخر له من خلال مستويات تصعيد وتكتيكات قِـتال ستُـدرس فيما بعد، لكن بينما يمثل هذا السيناريو هزيمة بالنسبة لإسرائيل، من وجهة نظرها، فإنه يمثل بالنسبة لحزب الله انتصارا، وبالتالي، ستحاول إسرائيل تجنّـبه، وسيراهن حزب الله عليه، والنتيجة المحتملة غير واضحة.

· الملاذ السياسى الأخير: وهو السيناريو الثالث، الذي يمثل بشكل ما الوجه الآخر لما سبق. فإذا لم تتمكّـن إسرائيل من هزيمة حزب الله في ظل إتباعه إستراتيجية "الصمود"، وإذا وصلت العمليات العسكرية إلى حد إرهاق الطرفين، في الوقت الذي تعتبر قيادات الجانبين فيه أنها حقّـقت حدّا من المكاسب، كأن تخرج القوات الإسرائيلية حزب الله من جنوب الليطاني وتكبّـده خسائر كبيرة أو أن يكبّـدها حزب الله خسائر لا تُـحتمل بينما تتراجع قواته إلى الخلف، ربما يقبل الطرفان الحلول السياسية المطروحة في الوقت الحالي.

إن الصيغ المثارة حاليا لا تتعلق بفكرة "الهُـدنة"، وإنما باتفاق سياسي يقدم حلا مناسبا للطرفين. فوفقا لهذا السيناريو، سيترك مستقبل حزب الله للبنانيين، وبالتالي، لن يتم الحديث عن إنهاء الوجود أو نزع السلاح، وإنما التراجع بعيدا عن الحدود وعدم إطلاق الصواريخ مع انتشار قوات دولية أو قوات لبنانية في المنطقة الفاصلة، مع صيغة (ربما) أوسع لحل المشكلة فيما يتعلق بمزارع شبعا والأسرى اللبنانيين، على نحو يضمن حدّا من المِـصداقية والكرامة للطرفين، وهو سيناريو قائم بدرجة أو بأخرى.

يبقى أخيرا السيناريو الأكثر فظاعة، وهو سيناريو الكارثة، الذي تشهده عادة حروب لبنان، كما حدث عامي 1982 و1996، والذي يتوقّـف القتال كأمر واقع في ظله إثر "كارثة" ما من النوع الذي يتصور أن الحروب تفقد منطقها بفعلها لدى الجميع، وهو ما كان متصوّرا أن يحدُث بعد مقتل أكثر من 60 شخصا، معظمهم أطفال في قانا، لكن يبدو أنه إذا كان سيُـقَـدَّر لتلك الحرب أن تنتهي بسبب كارثة، فإن المسألة ستكون مأساة فوق قُـدرة العقل على الاحتمال.

في النهاية، فإنه أيا كان السيناريو الذي ستتوقف في إطاره تلك الحرب، فإنها سوف تنتهي في وقت ما. فالحروب لا تستمر إلى ما لا نهاية، لكنها يقينا سوف تترك أثرا لا يُـمحى من ذاكرة المنطقة، ولن تعود الأمور بعدها إلى ما كانت عليه.

المفارقة التي رصدتها مجلة تايمز الأمريكية في وقت مبكر، أنه قد يثور بعدها سؤال محيّـر هو: لماذا كانا يتقاتلان؟

د. محمد عبد السلام – القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.