Navigation

محاكمة صدام بين العدالة الناجزة و"العقل الشيطاني"

في الجلسة الأولى، أجاب الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتحد على أسئلة رئيس المحكمة رزكار محمد أمين Keystone

أثارت الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين العديد من التعليقات وردود الفعل داخل العراق وفي العالم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 أكتوبر 2005 - 10:02 يوليو,

ومع إجماع شبه عام على ضرورة إجراء المحاكمة لقائد ألحق كبير الضرر بشعبه وجيرانه إلا أن الإنتقادات تركزت على ما اتضح فيها من دلالات فاقعة تتصادم مع أبسط معايير العدالة.

بدأت محاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين، ثم في الجلسة الأولى نفسها، تم تأجيلها لمدة شهر آخر، وكأن المطلوب هو إرسال رسالة إلى ما يعنيه الأمر، بأن المحاكمة ليست أكثر من مجرد كتابة لشهادة وفاة صريحة لعهد الرجل الذي بات في ذمة التاريخ عمليا منذ سقوط بغداد تحت وقع دبابات الاحتلال في التاسع من أبريل 2003، ولكن الرسالة من حيث توقيتها ومضمونها تبدو سخيفة، بل وأقرب إلى المهزلة في نظر الكثيرين، ليس لأنها محاكمة لقائد أضر بشعبه وبأمته كثير الضرر، فهذا مبدأ لا خلاف عليه، ولكن لما فيها من دلالات فاقعة تتصادم مع أبسط معايير العدالة.

العدالة الناجزة.. المفقودة

تُـعد العدالة الناجزة واحدة من شروط النظام الديمقراطي، سواء في مبادئها وقيمها أو في إجراءاتها الشكلية أو في حدود عملها، وهو ما يتطلب قانونا واضحا تتم بناء عليه المحاكمات للمواطنين كما للمسؤولين، أيا كانت درجاتهم ومواقعهم، وشفافية في الإجراءات ووضوحا في الخطوات التي تتخذ بحق المتهمين أو لجلب الحق للمظلومين وإنصاف المضطهدين.

وإذا طبّـقنا أبسط شروط العدالة الناجزة على ما جرى في محاكمة صدام، فمن اليسير أن يخرج المرء بنتيجة أنها محاكمة فاقدة للشرعية بكل المعاني، فلا قانون واضح تخضع له إجراءات المحاكمة، ولا شفافية معلنة تصون حقوق المتهم والمدّعى معا، ومن ورائهما حقوق المجتمع ككل. فإذا كان القانون المعمول به للمحاكمة يعود إلى عهد صدام نفسه، فهذا اعتراف بشرعية الرجل كرئيس للبلاد، وأما إذا طبق قانون وضع في ظل الاحتلال وفقدان السيادة، فهو غير شرعي وفقا للقانون والأعراف الدولية، فلا احتلال له حق محاكمة من هزمهم.

والإشكالية هنا أن الإجراءات القانونية، سواء في رفع الدعوى أو الحق في الدفاع، ثم درجات التقاضي، وأخيرا جهة التنفيذ للأحكام، والتي تمثل جوهر العدالة، تبدو غائبة في حالة محاكمة صدام، أو على الأقل مشوشة. فمع أن هناك هيئة للدفاع عن الرئيس والمتهمين معه، فإن شفافية الإجراءات معها تخضع للأهواء، وليس لمحتوى القانون الذي هو غائب.

كما أن درجات التقاضي تبدو غير معترف بها، باعتبار أن المحاكمة ذات طبيعة خاصة، وأحكامها نهائية، وربما يقال هنا أنها خاصة لضرورات تعود إلى دور الرجل وطبيعة الاتهامات الموجهة إليه، وكذلك الحاجة إلى حسم الأمر مرة واحدة، وهي مبررات تعني أننا أمام محاكمة أقرب إلى تصفية الحسابات بين طرفين، منتصر ومهزوم، وليس محاكمة من أجل إقرار مبدإ العدالة الناجزة نفسها، التي لا تستقيم أي ديمقراطية إلا بها.

وفي هذا ما يضرب في الصميم كل ما يقال حول بناء نموذج عراقي للديمقراطية، يمكن تصديره إلى من حوّله من بلاد ومجتمعات. فإذا عز على نموذج كهذا أن يتضمن نظاما قضائيا رصينا وشفافا، فإنه بالتالي، يعد نموذجا للانتقام وتصفية الحسابات، وليس لتحقيق عدالة كانت مفقودة بالفعل.

ليس في العدالة الناجزة ما يحُـول دون محاكمة الرؤساء وكبار المسؤولين إن أخطَـأوا في حق شعوبهم، كما هو الحال مع صدام وكثير من رموز عهده البائد، بل فيها ما يفرض هذا، شرط أن تكون مكتملة الأركان، وإلا تحولت إلى عبء وخصم من النموذج الديمقراطي محل الإدعاء.

التوقيت .. والكيد السياسي

لا تبدو المحاكمة كما ظهرت في جلستها الأخيرة محل نقد لاعتبارات قانونية وشكلية وحسب، بل أيضا لاعتبارات مضمونية، إذ يحق للعراقيين وغيرهم أيضا أن يتشكّـكوا في توقيت المحاكمة، الذي يأتي بلا مبرر مقنع بعد أربعة أيام من الاستفتاء على وثيقة دستورية محل شكوك ورفض من قطاع كبير من العراقيين، بل يشكل مصدر قلق كبير لجيران العراق.

فهل جاء التوقيت من أجل إلهاء الداخل والخارج بما جرى في الاستفتاء على الدستور والتغطية على ما فيه من دلالات، لاسيما نسبة رفض عالية، قد لا تؤدي إلى إسقاطه بالضرورة، ولكنها تعبر عن تيار مهم يعتبر الدستور شِـركا لوحدة البلاد ومدخلا لتقسيمها؟ أم جاء عقد الجلسة الأولى تعبيرا عن ميزان القوى السياسي المعبر عن هيمنة فئة معينة على فئة أخرى؟ وهل جاءت الجلسة الأولى لتغطي على أول جهد عربي جاد وموزون يريد للعراق مصالحة ووفاقا حقيقيا يخرجه من مأزقه الآخذ في التفاقم والتصاعد كل دقيقة؟

فمثل هذه الأسئلة وغيرها تعني قطعا أن توقيت المحاكمة لم يكن بريئا أو مستندا إلى اعتبارات قانونية بحتة، بقدر ما كان مقصودا لأغراض أخرى تتعلق بالكيد السياسي بين الفئات العراقية وبعضها.

العقل الشيطاني

ربما نتج الكيد السياسي عن عقل شيطاني لا يريد للعراق والعراقيين أي خير، ومن يتأمل مشهد المحاكمة، يكتشف أن هذا العقل الخفي ولكنه النافذ والمسيطر في الشأن العراقي الآن، يعمل على تجسيد صورة أو حالة نمطية للعراق المحتل تعبّـر عن الانقسام المجتمعي والمفتت، والرغبة المتبادلة في الانتقام الأهلي.

فالمتهمون، كصدام وأركان حكمه، يمثلون السُـنة العرب المهزومين، والذين يُـراد لهم أن يكونوا رُموزا للاستبداد في السابق، وأصلا للعنف وتخريب العراق في الزمن الجاري.

أما الضحية، فهم الشيعة الذين كانوا مغلوبين على أمرهم في السابق، ولكنهم باتوا حُـكّــاما في اللحظة الراهنة بفعل الاحتلال.

وأما الحكم بينهما، فهو القاضي الكردي، رزكار محمد أمين الذي أعلن الأمريكيون عن إسمه فقط قبل نصف ساعة من بدء المحاكمة، وكأنه لا يوجد قضاة من فئة أخرى.

ورغم سخافة الاعتراض على أن يكون أي قاض عراقي من بين أكراد العراق، فإنه في حالة محاكمة صدام، يبدو بعيدا عن أي حصافة سياسية، بل تجسيدا لعقل شيطاني ينزع إلى تعميق الفوارق، وليس ترميمها.

ومن يتأمل صورة المحاكمة على هذا النحو، يُـدرك أن العقل الشيطاني يعمل على تعميق الفتنة الأهلية وإيصالها إلى أقصى درجاتها من الحدّة والرغبة المتبادلة في الانتقام. إنها وصفة تدفع بالعنف إلى أقصاه، وكما ضيّـعت معنى العدالة الناجزة، فإنها تضيّـع أيضا أي معنى يمكن أن يكون مدخلا للوفاق الوطني.

العقل الشيطاني على هذا النحو، هو مزيج من الاحتلال ورغبة الانتقام التاريخي والإفراط في الثقة في النفس، وفى حال كهذا، تبدو الأمور مرشحة إلى الأسوأ.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.