مصر تتحرك لاحتواء الأزمة في دارفور

وزير الخارجية السوداني مصطفى إسماعيل ونظيره المصري أحمد أبو الغيط أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقداه في الخرطوم يوم 31 يوليو 2004 Keystone

لوحظ نشاط دبلوماسي مصري غير معهود إُثر صدور قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بتحذير الحكومة السودانية من عواقب الأمور إذا ما تقاعست عن احتواء الأزمة الإنسانية في إقليم دارفور.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 أغسطس 2004 - 17:24 يوليو,

فما هي مبررات هذا النشاط، وماهي انعكاسات وعواقب تردي الأوضاع في دارفور على استقرار مصر؟

هذا النشاط له ما يبرره من زاويتين. الأولى، أن استقرار السودان يمثل مصلحة استراتيجية كبرى بكل معنى الكلمة لمصر، والثانية أن ترك السودان يواجه مصيره الذاتي في مواجهة قوى كبرى عاتية لها رؤيتها الخاصة للمنطقة ولا تعدم القدرة على تطبيقها بأي ثمن، سيحمل معه أثمانا باهظة على الاستقرار في مصر نفسها. ناهيك عن الترابط التاريخي والاجتماعي والإستراتيجي، الذي يربط مصر بالسودان، ولا يوجد نظير له بين مصر وأي بلد عربي آخر.

وفي حال جرت الدماء في عروق احتمال مجنون، أي شن عمل عسكري ضد السودان تحت أي ذريعة كانت، فهذه المرة لن يكون جنود الاحتلال بعيدين عن الأرض المصرية نفسها، كما أن تأثيراتهم، وهي كارثية قطعا جملة وتفصيلا، لن تقف عند حدود الأرض السودانية وحسب.

وما يجرى في العراق، من حيث تكاثر جماعات العنف العراقية وغير العراقية، بما فيها من جماعات مقاومة مشروعة، سوف يعيد تكرار نفسه سودانيا وإقليميا على نحو واسع، لاسيما وأن الجغرافية السودانية مع دول الجوار توفر إمكانيات ممتازة لمثل هذا الاستنساخ. ولن يكون مستبعدا أن يجد كثير من المصريين أنفسهم مدفوعين للعمل مع أشقائهم السودانيين للدفاع عن البلدين معا.

دروس من نيفاشا

تحـسّـب مصر لوضع يموج بالتفجر وعدم الاستقرار ومواجهات عسكرية غير محمودة العواقب، كدافع للحركة الدبلوماسية المصرية النشطة، يتكامل معه أمر أخر، يمكن تسميته بخبرة التعلم من مفاوضات ماشاكوس ونيفاشا(في كينيا) بخصوص تسوية الحرب الأهلية في الجنوب. وهي خبرة جديرة بالتأمل.

ففي حين جرت هذه المفاوضات تحت مظلة منظمة "الإيغاد" ومبدأ حق تقرير المصير للجنوب بعد فترة انتقالية، نأت مصر بنفسها عن هذه المفاوضات، ولو بصفة مراقب، التي دعيت إليها ولكنها رفضت. وكان الظن أن مثل هذا النأي سوف يعفي مصر من أي مسؤولية بالنسبة لاحتمالات انفصال السودان الذي تعتبره مصر خطا أحمر لا يجوز عبوره. لكن نتيجة المفاوضات جاءت محملة بأكثر من معضلة، وكلها تجعل خيار انفصال الجنوب بعد الفترة الانتقالية أمرا قريبا إلى حد كبير، الأمر الذي فرض على مصر إعادة نظر جذرية في أي استراتيجية تجاه السودان، وعدم الاكتفاء بإعلان المواقف والتحرك في دائرة محدودة.

نتيجة مفاوضات نيفاشا وما تنطوي عليه من مخاطر استراتيجية كبرى، أثارت لدى كثير من المثقفين والخبراء المصريين نوعا من النقد المباشر واللاذع لانطواء الدبلوماسية المصرية على الذات في شأن يخص مصر كما يخص السودان. وقدم البعض منهم نصائح واضحة إلى المؤسسات المعنية بأن يتم التعامل مع أي أزمة سودانية من خلال التفاعل المباشر مع الأزمة، والتنسيق مع كل الأطراف المعنية سودانيا وإقليميا ودوليا، وان يتم التخلي عن النظرة الأحادية وذات الصبغة الأمنية للعلاقة مع السودان، وأن يكون الجهد المصري في اتجاه السودان شاملا ومتوازنا بين المدني والدبلوماسي والأمني والأهلي والإنساني وهكذا.

الخبرة الناتجة عن ترك مفاوضات نيفاشا تجري بالطريقة التي جرت بها، ولم يكن فيها أي مشاركة عربية، قدمت الجانب السلبي الذي بدا مطلوبا بشده تجاوزه وعدم العودة إليه تحت أي ظرف. وفى المقابل بات المطلوب أن يكون هناك تحرك مصري واع ومتعدد الأبعاد. وما جرى في الأيام التالية مباشرة للقرار 1556 يمثل بعض هذا التحرك المصري الواعي بمخاطر ترك السودان وحيدا في مواجهة أزمة أكبر كثيرا من قدراته المنفردة.

مستويات التهدئة والاحتواء

إذا كان هناك عنوان بارز للتحرك المصري في أزمة دارفور، فهو التهدئة ونزع فتيل أي انفجار محتمل، خاصة وأن القرار 1556 مليء بالفخاخ السياسية والقانونية. وبالتالي حصر الأزمة وحلها في الإطارين السياسي والإنساني إقليميا وعربيا. وحسب كلمات وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، فإن المطلوب هو نزع أية أسباب قد تسهم في زيادة تصاعد المواقف الدولية لاسيما من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا ومن ورائهما استراليا. ومن ثم إفشال أي مسعى لوضع السودان تحت طائلة العقوبات الدولية أو أي عمل عسكري مجنون.

هذه التهدئة بدورها تعنى وفق الإدراك المصري التحرك على أربعة مستويات متكاملة، الأول منها يعنى بالتنسيق المباشر مع الحكومة السودانية لغرض تكثيف جهودها إنسانيا وأمنيا في الإقليم، والأهم التعامل الإيجابي مع القرار الدولي رغم كونه غير متوازن وبه الكثير من التعسف، بمعنى النظر إلى أي بند إيجابي والتمسك به.

والبند الأهم هنا هو منح السودان فرصة زمنية تستمر 30 يوما للقيام بإجراءات أمنية وإنسانية وسياسية. وبالرغم من أن المدة محدودة، فإنها تكفي من وجهة النظر المصرية للبدء وإثبات الجدية. ومن هنا جاءت رسالة الرئيس مبارك إلى نظيره السوداني عمر البشير من أجل التنسيق دوليا وإقليميا، وأيضا من أجل التأكيد المصري بأن أي موقف رافض كلية للقرار أو يتعامل معه في صورة الإعداد للمواجهة العسكرية أو التعبئة العامة أو رفع شعارات الجهاد، كما حدث بالفعل من بعض القيادات السودانية العسكرية، سوف يكون خطأ كبيرا، وسيوفر المبررات الأكبر للقوى الدولية لكي تصعد سياسيا وعسكريا معا.

إلى جانب التنسيق مع حكومة الخرطوم، ثمة مؤشرات على أن الدبلوماسية المصرية فتحت قنوات للتواصل مع قادة حركتي التمرد في دارفور، وهما العدل والمساواة وحركة تحرير السودان. والغرض من ذلك أكبر من مجرد التعرف على مطالب الحركتين بصورة مباشرة، فهناك أيضا محاولة توضيح مخاطر العمل على تعبئة تدخل دولي في شأن داخلي معقد كما هو الحال في دارفور، وبيان خطأ تصور أن الأمر سيكون مجرد أداة ضغط على الحكومة وحدها من جانب، وإضافة سياسية صافية للحركتين من جانب آخر. فضلا عن تجنب الوقوع في خطأ نيفاشا مرة ثانية، وترك قوى إقليمية أخرى تدير المفاوضات وفق تصورات وأولويات خطرة. ولا بأس في أن يكون التواصل المصري مع هاتين الحركتين مقدمة لاستضافة جولة من المباحثات مستقبلا مع الحكومة السودانية تحت رعاية مصرية وعربية.

محاولات للإقناع

أما المستوى الثاني فهو الحديث المباشر مع الولايات المتحدة لغرض حثها على استبعاد المنهج العقابي في التعامل مع أزمة إنسانية معقدة نجمت عن تراكمات سنوات عديدة. وحثها أيضا على التعاون مع الحكومة السودانية إنسانيا وسياسيا من أجل تيسير الوصول إلى صيغة مناسبة تنهي الأزمة الإنسانية وتمهد لحوار سياسي حقيقي بين الحكومة والمتمردين. والأهم من ذلك تبيان العواقب الوخيمة التي قد تنتج عن أي خيار عسكري قريب مما جرى ويجرى في العراق، واعتبار ذلك تهديدا مباشرا للأمن الوطني المصري، لاسيما وأنه سيفتح أبواب العنف على مصراعيه في منطقة مستعدة أصلا لمثل هذه الممارسات.

ويقال هنا إن اللقاء الذي جرى بين الرئيس مبارك وكولن باول في زيارته الأخيرة للمنطقة قد ركز أساسا على أزمة دارفور، وكانت الرسالة المصرية أن الأزمة إنسانية سياسية وإخضاعها لمنطق العقاب والعسكرة سيقود المنطقة إلى انفجار لن تسلم منه أمريكا، إضافة إلى نقل تعهدات سودانية رسمية بمزيد من الجدية إنسانيا وأمنيا في الإقليم.

أما المستوى الثالث فهو موجه للداخل، وله شقان: الأول التعامل مع أزمة دارفور إعلاميا باعتبارها قضية تهم مصر وتدخل في نطاق مصالحها المباشرة. والثاني فهو إفساح المجال لمؤسسات المجتمع المدني للقيام بإعمال إنسانية في دارفور، من قبيل السماح لنقابة الأطباء فرع الإسكندرية بإرسال فريق طبي لمدة ثلاثة أسابيع لإقليم دار فور، قام خلالها بإجراء العديد من العمليات الطبية وتوزيع الأدوية. وذلك جنبا إلى جنب مع قيام الهلال الأحمر المصري والقوات المسلحة المصرية بإرسال عدة طائرات محملة بمعونات إغاثية لأهالي الإقليم.

المستوى الرابع فيتعلق باتباع دبلوماسية نشطة عربيا من أجل توفير مساحة واسعة من الدعم الإنساني والسياسي لأهالي دارفور، ولتعزيز موقف الحكومة في مواجهة أي تدخل عسكري محتمل، وصياغة موقف عربي يرفض بقوة أي محاولات لحصار أو معاقبة السودان.

المستويات الأربعة لتحركات القاهرة تعنى أن الدبلوماسية المصرية باتت تدرك جيدا مخاطر الانكفاء على الذات. فحين تُـخلى مصر موقعا فسيعمد الآخرون لملئه، وهو ما لا يمكن تحمل عواقبه، خاصة في دارفور.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة