معركة الديمقراطية الحقيقية في المغرب

الملك محمد السادس يلوح بيديه لتحية مواطنين مغاربة من شرفة البرلمان في الرباط يوم افتتاحه للدورة البرلمانية الجديدة (14 أكتوبر 2005) Keystone

مع اقتراب موعد الإنتخابات البرلمانية لعام 2007، تمر الساحة السياسية في المغرب الأقصى بجملة من التطورات التشريعية والميدانية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 أكتوبر 2005 - 13:50 يوليو,

وتأتي المصادقة الأخيرة على قوانين الأحزاب وتجريم التعذيب لتضع الإطار التشريعي العام تمهيدا لظروف ممارسة ديمقراطية أفضل.

لا مجال للشك اليوم في أن الأجندة المغربية قد تمت برمجتها على تشريعيات 2007. لذلك يستعد صانع القرار ويُـعـد، فيما يعلنها الفاعل السياسي "معركة" الديمقراطية الحقيقية، وتتحول المؤسسة التشريعية، إلى الميدان الذي يشهد التمارين والتدريب على هذه "المعركة".

الإنتخابات التشريعية لعام 2007 ليست الأولى التي تجرى في مغرب محمد السادس، وليست الأولى التي تجرى وترسم الخريطة السياسية للمغرب الحديث، الذي يشهد تراجع دور السلطة في العملية الانتخابية، واتجاهها نحو الحياد المقبول من الأطراف المتنافسة، والذي يشهد أيضا بروزا علنيا للتيارات الأصولية التي احتلت مرتبة متقدمة في تشريعات 2002، والتي أثارت الكثير من النقاش، في مقابل ضعف ووهن يطبع العمل الحزبي بشكل عام مع تراجع تأثيره في الشارع المغربي.

فتح صفحة جديدة

لقد أدرك صانع القرار المغربي حجم وعمق ما يعرفه العالم من تطورات، خاصة في ميدان الديمقراطية والحريات العامة، وانتبه إلى الدور الذي يلعبه الخارج في هذه التطورات داخل كل دول العالم، لذا يحاول هذه الأيام أن يقود عملية التحول وينجزها "بإرادته"، دون أن يفرضها عليه فاعلون من الداخل أو من الخارج، ربما ببطء وبشيء من التعثر، لكنه يحاول، ومحاولاته تلقى استحسان وقبول الجميع، وإن اختلفوا في مطالبهم حول سرعة الانجاز ووتيرته.

كما أدرك صانع القرار المغربي أن الإعلام هو ركن من أركان الاستقرار، وأحد المقررات التي تحوز عليها الدول درجات سلبية أو إيجابية، فوسع هامشه، وترك للصحافة وللصحفيين حرية النقد التي وصلت إلى ما كان يوضع في المغرب في مكانة التقديس، دون أن يَـعتقل صحفيا أو يَـمنع صدور صحيفة.

وبما أن صانع القرار المغربي يريد فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الدولة والمواطن، دفع باتجاه طي صفحة الماضي الأليم، التي توصف مغربيا بسنوات الرصاص، والتي عرفت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

آثارُُ هذا الماضي واضحة، ولا أحد يستطيع إزالتها، لكن صانع القرار، يسعى لتحويل هذا الماضي إلى ماضٍ فعلا، وعِـبرة يتعلم منها الجميع من خلال إظهار الحقيقة وإعلانها عبر وسائل الإعلام الرسمية أو الكشف عن مصير المختفين، وجبر الضرر وتعويض الضحايا، إلا أنه حرص على الابتعاد عن الجلادين والمسؤولين، لأن منهم من لا زال يتحمل مسؤوليات كبرى في تدبير الشأن الأمني للبلاد، وأيضا لأن بنيات المجتمع السياسي في المغرب الجديد لا زالت هشّـة وغير راسخة.

ولضمان طي صفحة الماضي، وعدم كتابة مثيلات لها في التاريخ المغربي، يذهب صانع القرار والفاعل السياسي المغربي نحو تشريع القوانين الناظمة للحريات والعمل السياسي، حيث اشتغلت الحكومة المغربية منذ عدة سنوات على مثل هذه القوانين، وبعد وضع صيغتها الأولى، عُـرضت على الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لمناقشتها، وتم إبداء ملاحظات حولها، وأخذ بالكثير منها قبل أن تقدم بصيغتها شبه النهائية إلى البرلمان لمناقشتها وإقرارها.

مكانة الأحزاب بين الخطاب والممارسة

في الأسبوع الثالث من شهر أكتوبر، وهو الأسبوع الثاني من الدورة الخريفية للسنة التشريعية الرابعة، أقر مجلس النواب مشروع قانون مناهضة التعذيب ومشروع قانون احترام العلم والرموز الوطنية، وصادق عليهما بالإجماع، كما صادق بالأغلبية على مشروع القانون المنظم للأحزاب، الذي سيدخل حيز التطبيق بعد نشره بالجريدة الرسمية، والذي أصبح يُـعتبر الأرضية القانونية لتشريعات 2007، إذ على ضوئه ستوضع مدوّنة/ قانون الانتخابات.

وإذا كان قانون تنظيم الأحزاب قد حد نسبيا من دور وزارة الداخلية في تأسيس الأحزاب وتجميد أو توقيف نشاطها وترك ذلك للقضاء، وحوّل مراقبة حساباتها المالية من وزارة الداخلية إلى المجلس الأعلى للحسابات، (وقد جاء كل ذلك بناء على تعديلات طلبتها الأحزاب)، فإن تحديد نسبة الأصوات الانتخابية المؤدية لإلغاء الدعم، وبالتالي إلى حل الحزب، كانت محل خلاف بين مكونات البرلمان.

فبعد أن طالبت أحزاب برفع النسبة من 3%، كما كانت في المدوّنة القديمة، إلى 10% للحفاظ على وضوح الخارطة السياسية وعدم بلقنتها، فإن أحزابا أخرى، خاصة الصغيرة، تمسّـكت بالنسبة القديمة، لأنها تضمّـن تمثيلية الجميع، وأساسا لأنها تضمن لها الحضور في المؤسسة التشريعية.

ومع تأكيد الخطاب الرسمي المغربي على أهمية دور الأحزاب في الحياة السياسية في المملكة، إلا أن الأحزاب - وخاصة منها الديمقراطية المشاركة بالحكومة - تشكو على صعيد الممارسة اليومية، من تهميش دورها واستحواذ مؤسسة القصر على هذا الدور، وتذهب بالقول إلى أن جهات رسمية تسعى لإحلال "منظمات المجتمع المدني" محلها، لأنها لا تطمح بالمشاركة في صناعة القرار على غرار الأحزاب السياسية، وقد تكون هذه المسألة محور الفعل السياسي في المرحلة القادمة، لذلك ستكون مرحلة ما بعد تشريعات 2007 محكا حقيقيا لأطروحة كل طرف.

امتحان حقيقي

ويقول مسؤولون حزبيون لسويس انفو إن قانون الأحزاب الذي يؤكد على تشكيل الحكومة من طرف الأغلبية البرلمانية، يعني بالتأكيد إلغاء ما عرف مغربيا بوزراء السيادة، وأن الأحزاب بعد الانتخابات ستتمسك بأن يكون كل أعضاء الحكومة منتمين لأحزاب الأغلبية التي ستشكلها، وستتمسك أيضا بأن تلعب الحكومة، كمؤسسة، دورها كاملا، إن كان بتقوية مؤسسة الوزير الأول أو ممارسة الوزراء لكافة الصلاحيات التي يخولها لهم القانون.

لقد حفلت الصحف المغربية خلال الأشهر الماضية، خاصة الأسبوعية المستقلة منها، بتقارير وتحقيقات ومقالات حول التداخل بين مؤسسة القصر ومؤسسة الوزير الأول، وإشكالية استحواذ المستشارين في القصر على صلاحيات الوزراء الحكوميين.

وفي الهمس، لا يخفي المسؤولون الحكوميون هذا التداخل وهذا الاستحواذ، ويعيدون له بطء عمل الحكومة وفقدان الأحزاب المشاركة بها لمصداقيتها بين المواطنين.

وبعد إقرار قانون الأحزاب، وعلى أبواب تشريعيات 2007، يدخل المغرب في امتحان حقيقي لمصداقية ما يقوله الخطاب الرسمي من جهة، ومن جهة أخرى، ما يتم إقراره والمصادقة عليه في البرلمان من قوانين، وهو امتحان إذا ما تجاوزه المغرب بنجاح، فقد يضمن تطورا سياسيا يحتاجه البلد من أجل تنمية حقيقية.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة