Navigation

ما هو التأثير الذي قد تخلّفه الولايات المتحدة على السياسة السويسرية في الشرق الأوسط؟

من المرجّح أن يحتفظ الرئيس جو بايدن بالسفارة الأمريكية في مدينة القدس التي تم نقلها إلى هناك في عام 2018 من قبل إدارة سلفه ترامب، وهو قرار أدى إلى قطع الفلسطينيين للعلاقات مع واشنطن. Keystone / Abir Sultan

أثار وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض تساؤلات حول مدى فعالية الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هل ستستمر سويسرا في أخذ إشاراتها من السياسة الأمريكية في المنطقة أم من الممكن صياغة إستراتيجية خاصة بها كوسيط سلام؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 فبراير 2021 - 11:00 يوليو,

أعطت الإدارة الأمريكية الجديدة بعض التلميحات حول المنحى الذي ستسلكه في الصراع الطويل الأمد في الشرق الأوسط. وقال المسؤولون إن البلاد ستنقض كثير من الخطوات - وليس كلها - التي اتخذها سلف بايدن، وستدعم مرة أخرى حل الدولتين.

إلا أنّ انعدام الثقة بين الطرفين، كما كان الحال دائماً، كبير ولا سيّما بعد أربع سنوات من السياسات الأمريكية التي انحازت بشدة إلى المصالح الإسرائيلية في ظل دونالد ترامب. وكان القادة الفلسطينيون قد أشاروا إلى رغبتهم في وجود مشاركة دولية أكبر في عملية السلام، بغية التخلّص من الولايات المتحدة كوسيط وحيد.

وبكل المقاييس، يبدو أن السويسريين على استعداد للارتقاء إلى المستوى المطلوب؛ ففي زيارة للمنطقة في نوفمبر 2020، عرض وزير الخارجية، إينياتسيو كاسيس، مساعي بلاده الحميدة لتسهيل آليات الحوار الإسرائيلي الفلسطيني؛ علماً بأن سويسرا لطالما روجت لحل الدولتين.

ومع ذلك، لا تنم المرحلة عن تحضيرات قريبة لاستئناف المحادثات بين الطرفيْن. ووفقاً للخبراء، فإن الكثير مما يتعلّق بهذا الشأن، يتوقّف على قدرة بايدن على الذهاب إلى ما هو أبعد من مجرد إشارات رمزية نحو السلام.

تهميش الفلسطينيين

لدى الرئيس الأمريكي الجديد قائمة طويلة من السياسات "الترامبية" التي يجب إعادة النظر فيها؛ فقد أقرّ سلفه بأن القدس هي عاصمة لإسرائيل وبأن مرتفعات الجولان هي أراضٍ إسرائيلية، وقطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) - وكان يدير شؤونها آنذاك سويسري (ثم خلفه سويسري آخر)- والتي كانت ولا تزال تقدم المساعدة للاجئين الفلسطينيين، كما قام بإغلاق مكتب منظّمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ولعب دور الوسيط فيما يسمى باتفاقات أبراهام التي ترمي إلى تطبيع العلاقات بين دولة إسرائيل ودول الخليج.

كما دعم وأيّد بناء مستوطنات إسرائيلية جديدة في الضفة الغربية، وكان ذلك بمثابة خروج عن الموقف التقليدي للولايات المتحدة، كموقف معظم الدول، في اعتبار هذا النوع من الأنشطة انتهاكاً للقانون الدولي. وفي هذا الصدد، يصرح لوران غويتشيل، مدير معهد "سويس بيس" السويسري لأبحاث السلام قائلاً: "لم يكن هناك من دور للفلسطينيين في سياسة [ترامب] - لقد تم تهميشهم بالكامل".

كما شهدت سويسرا أيضاً منعطفاً في سياستها تجاه الشرق الأوسط خلال سنوات ترامب. ويقول غويتشيل، الذي يدرّس العلوم السياسية في جامعة بازل، إن ابتعاد الولايات المتحدة عن مسار المفاوضات كان يعني أيضاً تهميشاً للموقف السويسري التقليدي المتمثل في دعم الحوار والمساهمة في التوصل إلى نتيجة تفاوضية بين طرفيْ النزاع.

وتزامنت السنة الأولى لتولّي ترامب منصبه مع وصول كاسيس على رأس وزارة الشؤون الخارجية السويسرية في عام 2017. وبحسب غويتشيل، تميّزت فترة حكم السياسي الليبرالي الراديكالي، المقرب من اللوبي الموالي لإسرائيل في سويسرا، بنزعة أكثر محافظة للسياسة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن السويسريين احتفظوا بسفارتهم في تل أبيب بعد قرار ترامب لعام 2018 وتمسكوا برؤية حل الدولتين، إلا أن ما كان يجري على أرض الواقع كان يشير إلى أن بلد جبال الألب كان يأخذ الإشارات التي تحكم توجه سياستها من أمريكا.

في عام 2018 وفي تصريح مثير للجدل، اعتبر كاسيس أن الأونروا جزء من المشكلة، لأنها ومن خلال الحفاظ على مخيمات اللاجئين، تمنح هؤلاء الأمل في العودة إلى الأراضي الفلسطينية.

ويقول ريكاردو بوكو، خبير شؤون الشرق الأوسط في معهد الدراسات العليا للدراسات الدولية والإنمائية في جنيف: "كان كاسيس يكرر ما قاله [كبير مستشاري ترامب وصهره جاريد] كوشنر، لذلك كان يؤيد تماماً موقف ترامب".

كما تعرض كاسيس لانتقادات بسبب تصريحات أخرى أدلى بها، بما في ذلك الإشادة بالعلاقات السويسرية الإسرائيلية، وذلك بعد أسابيع فقط من مقتل عشرات الفلسطينيين في اشتباكات مع القوات الإسرائيلية على حدود غزة. وبحسب بوكو، فإن الوزير كان مجبراً على إيجاد حل وسط بشأن الصيغة الواردة في استراتيجية الشرق الأوسط لإدارته، والتي تكرر دعم حل الدولتيْن.

وفي مقابلات صحفية، تراجع كاسيس عن موقفه المؤيد لإسرائيل، قائلاًرابط خارجي لصحيفة " لو ماتان" Le Matin: "موقفي واضح ويتماشى مع استمرارية السياسة السويسرية". كما صرح أثناء زيارته للمنطقة في عام 2020 أن "العودة إلى القنوات الدبلوماسية أمر ملح"، وشجّع الطرفين على التفاوض مقترحاً جنيف كمدينة مضيفة للمفاوضات المستقبلية.

ومن الجدير بالذكر هنا، أن آخر محادثات جرت بين الفلسطينيين والإسرائيليين بوساطة أمريكية، كانت في عام 2014 وباءت بالفشل.

هل من دور لسويسرا؟

بوكو، على سبيل المثال، متشكك في قدرة السويسريين على التصرف: "لا يطمح كاسيس إلى أن يصبح وسيطاً في الصراع. فالهدف هو تطوير العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل".

ووفقاً لاستراتيجيتها في الشرق الأوسط، فإن أحد أهداف سويسرا - قبل عملية السلام - هو تحسين العلاقات الاقتصادية والمالية مع إسرائيل وعلى وجه التحديد "لزيادة استغلال الإمكانات في مجال الابتكار". وفي السنوات الأخيرة، تعاون السويسريون مع الإسرائيليين والفلسطينيين في العلوم والابتكار، والتي تعتبر "أدوات سياسية تساعد على تحقيق السلام والاستقرار"، بحسب ما صرح به كاسيس مؤخرا لصحيفة "لو تونرابط خارجي" التي تصدر بالفرنسية في جنيف.

ويعتبر غويتشيل، أن هذه الدبلوماسية العلمية بالكاد تشير إلى أن سويسرا تستثمر في القيام بعملية سياسية بناءة.

ويقول: "إذا كان من الممكن إحلال السلام في هذه المنطقة من الشرق الأوسط، لكان ذلك قد حدث منذ وقت طويل. إذا كانت سويسرا تريد أن تلعب دوراً [...] فيما يتعلق بإيجاد حلول سياسية للسلام، فعليها الامتناع عن التركيز فقط على مجال العلوم والتكنولوجيا".

كما أن أيّ فرصة لاستخدام مساعيها الحميدة لتسهيل الحوار بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني وبين الفصائل الفلسطينية نفسها، تعتمد أيضاً على استعداد الدول الأخرى للقيام بخطوات، وماهية هذه الخطوات في هذا الشأن. وفي اجتماع لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة انعقد في أواخر يناير 2021، قدّم الفلسطينيون طرحاً في مقاربة حل النزاع متعدد الأطراف، داعين إلى عودة ما يسمى باللجنة الرباعية للوسطاء (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا) كما اقترحوا عقد مؤتمر دولي للسلام.

ويضيف غويتشيل: "إذا كانت هناك إمكانية لإعادة تفعيل قنوات للتواصل بين الجانبين، مع وجود التزام مناسب من نوع ما، فيُمكن لسويسرا عندئذ أن تحاول لعب دور ما". وعلى الرغم من أن الدولة السويسرية "ليست الفاعل الأكثر أهمية في هذا السياق"، إلا أن موقعها كضامن لاتفاقيات جنيف ووسيط سابق للحوار بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية يضعها في خانة المرشّح الجيّد من أجل القيام بمحاولة بناء جسور بين أطراف النزاع.

ويستطرد قائلاً: "لكن سويسرا لا يُمكنها القيام بهذا الدور إلا من خلال إطار عمل يفضي إلى ذلك".

سياسة أمريكية تقتصر على الرموز السياسية؟

ولكن وكما يبدو، هناك القليل من التوقعات بأن أمريكا، التي تظل الوسيط الأهم في عملية حل النزاع، ستحاول إعادة بدء المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويذهب أحد الخبراء في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، الأستاذ دوف واكسمانرابط خارجي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، إلى حد القول إن أي محادثات في ظل الظروف الحالية "محكوم عليها بالفشل".

ويعترف وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين بنفسه خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ بأنه لا توجد احتمالات قصيرة المدى للتوصل إلى حل الدولتين.

ويقول بوكو إن المعطيات على أرض الواقع تجعل من الصعب الاعتقاد بخلاف ذلك: إسرائيل تمضي قدماً في بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، حيث يؤكد "قانون الدولة القومية" لعام 2018 أن "الحق في ممارسة تقرير المصير القومي [في إسرائيل] يتفرّد به الشعب اليهودي "، مما يترك العرب الإسرائيليين محاصرين بسبب التمييز المنهجي.

لكن الكثير من الأمور تعتمد أيضاً على موقف الرئيس الأمريكي إزاء التطورات في الأراضي المحتلة وإزاء إعلان إسرائيل سيادتها على مرتفعات الجولان، يقول بوكو: "إذا وافق بايدن على ما يجري في الضفة الغربية [بناء المستوطنات]، فسيكون ذلك بمثابة نهاية [الآفاق بشأن] الحل سياسي".

في اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبعد أيام فقط من تنصيب بايدن، حذرت الولايات المتحدة كلا الجانبين من "الخطوات الأحادية التي تجعل رؤية حل الدولتين أكثر صعوبة، مثل ضم الأراضي، والنشاط الاستيطاني [و] التحريض على العنف". لكن الولايات الأميركية أكدت أيضاً أنها ستحتفظ بالاتفاقات الموقعة في عهد ترامب لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، إلى جانب "دعمها الثابت لإسرائيل".

وفي نهاية الأمر، يتوقّع بوكو أن بايدن، وهو نفسه مؤيد لإسرائيل، سيرسل "عدداً من الإشارات التي ليس لها أهمية على الصعيد السياسي". وعلى الرغم من أنه من المرجح أن يُبقي على السفارة الأمريكية في القدس - وهي نقطة حسّاسة يستنكرها الفلسطينيون - يخطط الديموقراطي لاستعادة العلاقات مع الفلسطينيين من خلال إعادة بدء المساعدات الإنسانية وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، البعثة الدبلوماسية الفلسطينية، في واشنطن.

لكن فيما يتعلق بالملفات الأخرى، فإن الطريق إلى التقدّم بشأنها ما تزال معالمه أقل وضوحاً؛ فقد أعربت الإدارة الجديدة عن استعدادها لإعادة النظر في الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، والذي عارضته إسرائيل بشدة وتخلّى عنه ترامب في عام 2018. وبحسب ما ورد من تقارير، فقد اختار بايدن من أجل مقاربة هذا الملف كمستشارين له، المسؤولين السابقين الذين ساهموا خلال إدارة باراك أوباما في صياغة الاتفاق النووي.

قد يحتاج بايدن أولاً إلى حل الخلافات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - الذي سيخوض انتخابات عامة في مارس - بشأن قضية إيران وكيفية حل الصراع مع الفلسطينيين. كانت تربط الرجليْن علاقة عمل جيدة في السابق، لكن الرئيس الأمريكي انتظر عدة أسابيع بعد توليه منصبه للاتصال بالزعيم الإسرائيلي - وهي علامة على احتمال وجود علاقات أكثر برودة بينهما، كما يعتقد بعض المراقبين. نتنياهو، من وجهة نظر غويتشيل، كان لديه "دعم غير مشروط" من ترامب والذي من غير المرجح أن يستمر في عهد بايدن.

هناك أيضاً اعتبارات محلية يجب أخذها بعين الاعتبار، بما في ذلك جمهور الناخبين الإنجيليين الموالين لإسرائيل والذي سيحتاج بايدن إلى التودد له ومراعاته، وكذلك الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي حول كيفية التعامل مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

يقول غويتشيل: "سيحرص بايدن على عدم تفاقم التوترات داخل بلاده. أفترض أن معالم سياسة أكثر لباقة ستظهر، وإذا كان من الصعب في الوقت الراهن تحديد توجهاتها بدقة، إلا أنه من المؤكد أن هذه السياسة ستتضمن تعديلات تأخذ منحى الحلول الوسطية بشكل أكبر مما كانت عليه في السنوات الماضية".

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.