Navigation

مـعـركـة قانـون الأسرة في الجزائر

لا يُجادل الإسلاميون والوطنيون والعلمانيون في أهمية تغيير ما يُعرف بـ "المادة المجنونة" في قانون الأسرة الجزائري التي ترمي بالأم المطلقة وأبنائها في الشارع بدون حماية أو موارد swissinfo.ch

يعتبر قانون الأسرة الجزائري في صيغته الحالية مكسبا ناقصا بنظر الإسلاميين والمحافظين بشكل عام، وكارثة ومأساة برأي العلمانيين والمعادين للإسلاميين بشكل خاص.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 سبتمبر 2004 - 17:17 يوليو,

وكان هذا القانون الذي تستعد الحكومة الجزائرية لتحويره قد سـن في عام 1984 أي في عـز سلطة الحزب الواحد حينها، حزب جبهة التحرير الوطني.

بمجرد انتهاء الانتخابات الرئاسية في التاسع من شهر أبريل الماضي، اعتقد الكثيرون بأن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بنزعته الانفرادية في الحكم، سيعمد إلى فرض كل التوجهات التي من شأنها أن تجعل الجزائر دولة علمانية صرفة. غير أنه ترك الخيار لجميع مكونات الطبقة السياسية كي تحسم في كيفية تغيير قانون الأسرة المستمد "أكثره" من الشريعة الإسلامية، فكان أن حدثت مفاجآت هائلة.

في واقع الأمر، لا يختلف القانون الجزائري في مجمله عن القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية المعمول بها في أكثر البلاد العربية والإسلامية، غير أنه يزيد عليها باجتهادات مثيرة للجدل تتعلّـق مثلا بموضوع المطلّـقة ذات الأولاد. ففي الوقت التي يضمن لها الدين الإسلامي ولأبنائها بيتا ونفقة محترمة، ينص القانون الجزائري، وبشكل سافر، على طردها وأولادها إلى الشارع، ولا يلزم والدهم بأي شيء.

الحقيقة أن الإسلاميين الجزائريين الذين يدافعون عن قانون الأسرة الحالي لم يكن لهم دخل في سنه، لا من قريب و لا من بعيد، لأن أغلبهم كانوا في السجن خلال عام 84، بمن فيهم أغلب القيادات الحالية المشهورة، مثل الشيخ عبد الله جاب الله زعيم حركة الإصلاح الوطني.

ومن الناحية النظرية البحتة، لا يُجادل الإسلاميون والوطنيون والعلمانيون في أهمية تغيير ما يُعرف بـ "المادة المجنونة" التي تجعل من الأم المطلقة وأبنائها، مأساة على العائلة والمجتمع تلبية لرغبة الرجل في إعادة الزواج، دون ضوابط محكمة. غير أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبحكم العلاقة اليومية بالطبقة السياسية فهِـم أن تغيير هذه المادة أمر واجب، ولابد من الإنصات إلى صوت الحق.

وهنا، يبدأ الإشكال في فهم الحرب الشعواء التي اندلعت بسبب القانون لسبب مرتبط بإعلان بوتفليقة عن رغبته في تحسين أوضاع المرأة الجزائرية وحمايتها من الأوضاع المزرية التي تعيشها.

بشكل دقيق، يمكن التأكيد على أن التلويح بتغيير قانون الأسرة انطلق في العام الأخير من انتهاء عُـهدة بوتفليقة الأولى، فأعجب بخطابه العلمانيون وأوجس الإسلاميون منه خيفة، نظرا لأن بعض أقطاب المعادين للإسلاميين .. من مستشاري الرئيس.

"أبو حنيفة" يفاجئ .. الإسلاميين

وبمجرد فوزه بالانتخابات الرئاسية، وبنسبة كبيرة تقارب 85% من الأصوات، شكّـل بوتفليقة لجان عمل تدرس تغيير قانون الأسرة على أساس التغيّـرات التي حصلت داخل المجتمع الجزائري في الفترة الماضية، وفي ظل وجوب الاستناد على الشريعة الإسلامية كمرجع للتشريع والاعتماد على المذاهب الإسلامية "كلها" للبحث عن أفضل الحلول.

لم يُصدق الإسلاميون ما جرى. فكما اعتمد نابليون بونابارت على فقه الإمام مالك لاستنباط بعض الأحكام القانونية في ميدان التجارة والبيع، اعتمد العلمانيون داخل اللجان على فقه الإمام أبي حنيفة النعمان لسنّ القانون الجديد. وفوجئ الإسلاميون بطريقة الاعتماد على فقه أبي حنيفة لإسقاط شرط الولي في الزواج، فاقترح المشرّعون العلمانيون إعطاء حق اختيار الزوج للزوجة دون حضور وليّـها أو اختياره ابتداء من سن التاسعة عشرة.

وعلى هذا الأساس، تتوجه الفتاة مع من تحب وتختار إلى دار البلدية، وتطلب من الدولة تقييدها في سجلات المتزوجين، وما على الأولياء، آباء وإخوانا وأعماما، إلا القبول بما قامت به الفتاة التي يجب أن تُـعتبر راشدة بحكم أهليتها في القانون المدني الجزائري.

ويقول الشيخ عبد الرحمن شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لسويس إنفو: "هذا تزوير واضح للفقه الحنفي، لأن أبا حنيفة وضع شروطا كي تزوج البكر "الكبيرة" نفسها. فمن ذلك، أن عليها أن تختار عدلها، وهو ما يعني في الوقت الحالي أن تختار الطبيبة طبيبا وليس ممرضا، فلو اختارت ممرضا، كان الحق كي يفسخ عقد الزواج".

ويضيف الشيخ شيبان: "يقصي الاقتراح القانوني الجديد أي دور للقضاء، لأن الفقه الحنفي وباقي المذاهب الإسلامية تقحم القضاء في الحفاظ على اختيار المرأة لزوجها. فلو فرضنا أنها أحبت رجلا وأرادت الزواج منه ثم رفض أهلها، كان لها أن تتوجه للقضاء الذي يجب عليه تزويجها ممن تحب، إذا كان وليّـها يرفض الرجل لأسباب تافهة وغير مقنعة".

رد فعل فوري

لكن القضاء أُقحم في مشروع القانون الجديد بشكل مغاير، حيث اقتُـرحت مادة لتغيير الأسلوب المعتمد لتعدد الزوجات، نظرا لأن القانون الحالي يشير إلى إمكانية زواج الرجل من ثانية وثالثة ورابعة دون قيود تُـذكر. فقد اقترح في التعديل، أن يتزوج الرجل من ثانية، بعد أن تقبل الأولى في رسالة توجهها إلى القاضي الذي عليه أن ينظر في أهلية الرجل للزواج من الثانية، وهل بإمكانه الوفاء بالحقوق المادية لكليهما.

وساند هذه الاقتراحات حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه رئيس الحكومة أحمد أويحيى، وأضاف زميله عبد القادر إمساهل في الحزب والحكومة، الوزير المنتدب لدى وزير الخارجية المكلف بالعلاقات الإفريقية، مطالبته بإقرار التعديلات في كل لقاءاته مع الصحافة، في الوقت الذي نادى فيه الهاشمي شريف، زعيم التيار اليساري المتطرف بإلغاء تعدد الزوجات نهائيا.

لقد شارك الإسلاميون في لجان إعادة صياغة القانون، غير أن أمرا دُبّـر بليل، جعلهم يفاجأون عند العودة من العطلة الصيفية بأن غيرهم كتب خلافا لما قيل ويحاول إجبار الجزائريين على اتّـباعه.

لم يقل بوتفليقة شيئا، واستند الناس في المقابل على تصريحاته السابقة التي أطلقها داخل وخارج البلاد، وهي في مجملها تنتمي إلى لغة "ذات اللّـسانين". فهو من أنصار حرية المرأة المتنورة في أوروبا والولايات المتحدة، ومن أنصار المرأة المتحررة المحترمة لتقاليدها في وديان وقرى الجزائر.

واعتبر المراقبون أن قانون الأسرة سيشكل الضربة القاضية للإسلاميين والوطنيين والمحافظين بشكل عام بعد أن تراجعوا في معركتهم للدفاع عن اللغة العربية أمام اللغة الفرنسية. لذلك كان رد فعلهم عنيفا وقد يتسبّـب - إذا ما لم يتم نزع فتيل الأزمة - في مشاكل هائلة للرئيس بوتفليقة.

البداية تمثلت في إعلان حركة مجتمع السلم الإسلامية التي يتزعمها أبو جرة سلطاني (خلفا للشيخ محفوظ نحناح)، أن تواجد حركته داخل الحكومة "في مهب الريح". وقال قياديون بارزون في الحركة بأن الشيخ نحناح قبل وفاته أوصاهم بعدم تعديل قانون الأسرة، لأنها "خطوط حمراء لا يمكن التفاوض عليها مع الدولة" حسب روايتهم.

الخطوط الحمراء

ومعروف أن حركة مجتمع السلم كانت عضوا فاعلا خلال الانتخابات الرئاسية الماضية، وهي عضو بارز في الائتلاف الرئاسي الذي يضم جزءا من جبهة التحرير الوطني بزعامة وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي بزعامة رئيس الحكومة أحمد أويحيى.

أما المشكلة الثانية، التي قد تكون أخطر من الأولى، فتتمثل في اتفاق حركة مجتمع السلم مع حركة الإصلاح الوطني التي يتزعمها الشيخ عبد الله جاب الله مع جزء كبير من نواب حزب جبهة التحرير الوطني في البرلمان على معارضة القانون بشكله الحالي، إذا ما عُـرض للتصويت.

أما خارج مجلس النواب، فقد حدثت المعجزة (!). فبعد أن اتفقت حركتا مجتمع السلم والإصلاح، انضمت إليهما "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" وكل الزوايا الصوفية من كافة أنحاء البلاد، وهم العمود الفقري لبوتفليقة في كل المناطق الداخلية، حيث يعود أكبر الفضل إليهم في إيصاله مرة ثانية لقصر الرئاسة في المرادية.

لا عجب في وصف ما حدث بأنه معجزة، لأن اتفاق جمعية العلماء المسلمين السلفية التوجه والزوايا الصوفية الكارهة لها، لم يحدث إلا خلال الحرب التحريرية ضد فرنسا ما بين عامي 1954 و1962 من القرن الماضي، الأمر الذي يعني أن هناك خطوطا حمراء لا ينبغي تجاوزها مهما كانت قوة الرئيس ورغباته، كما نتج عن هذا الوضع أن أجل بوتفليقة عرض المشروع على مجلس الوزراء، وهو أمر له دلالاته الكبيرة.

ويتفق مراقبون في العاصمة الجزائرية على أنه قد يتم تمرير التعديلات المقترحة على قانون الأسرة عبر الإبقاء على شرط الولي في الزواج، وعدم إلغاء أو تقييد تعدد الزوجات في مجتمع 75% من نسائه المستعدات للزواج، "عوانس". غير أن الظلم اللاحق بالمرأة المطلقة وأولادها سينتهي وسوف يسن قانون يجبر الزوج على التفكير مرتين قبل أن يُـطلّـق زوجته وله معها أولاد، لأن بيته الذي يسكن فيه، و لو كان ميراث أجداده، سيتحول لها ولأولادها بشكل آلي.

يبقى في الأخير، أن حرب العلمانية مع المحافظين والإسلاميين لم تنته بعد، وقد أثبتت معركة قانون الأسرة الأخيرة أنها حرب لا رحمة فيها، وتماما كما هي لعبة "الجودو"، عندما يحاول أحد الخصمين إسقاط منافسه على ظهره، فهناك من يعتمد على المسك من الخارج، وهناك من يحاول مسك الخصم من الداخل، ويا ويح من سقط على .. ظهره!

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.