Navigation

مفارقات المشهد العراقى .. نمطان للبناء والمواجهة

فيما ينعقد "المؤتمر الوطني" في بغداد، تستمر المواجهات في النجف بين مقاتلي "جيش المهدي" والقوات الأمريكية مدعومة بالحرس الوطني العراقي رغم الوساطات Keystone

مع كل يوم يفرز المشهد العراقى ديناميات جديدة لم تكن متوقعة، لا من حيث الحدة ولا من حيث عمق التناقض. فمع كل خطوة تشيع قدرا من الأمل فى "عراق جديد"، يتراجع الوضع الامنى خطوات إلى الوراء.

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 أغسطس 2004 - 15:08 يوليو,

وما بين الأمن المتراجع والسياسة الساعية إلى الأمام بخطى متعثرة أحيانا، وواثقة أحيانا أخرى، يتشكل أحد أكبر المشاهد العراقية تصادما بين عناصره الذاتية.

من خلال نظرة عابرة على مجريات الأحداث، يبدو المشهد العراقى مشتملا على عدد من الاتجاهات الكبرى ذات الدوافع المختلفة والمرامى المتناقضة بشأن الحاضر والمستقبل على السواء. وكل من هذه الاتجاهات يسير حسب ديناميات خاصة به، ويبدو أنها عصية على التلاقى السلمى مع الاتجاه الآخر.

فمن عملية سياسية تهدف إلى بناء دولة وفق أسس جديدة، ومواجهات عسكرية حادة بين قوات الاحتلال وميليشيا المهدى بقيادة زعيم الدينى الشاب مقتدى الصدر فى النجف الأشرف، إلى عمليات عنف ومقاومة ضد العراقيين أنفسهم بدعوى قبولهم التعامل مع مؤسسات الاحتلال، وعنف موجه الى قوات الاحتلال متعددة الجنسيات فى العديد من المدن والمواقع العراقية، إلى حديث رسمى غامض أحيانا، واكثر من واضح أحيانا أخرى حول تدخلات من دول الجيران لاسيما إيران فى الشأن العراقى الداخلى، إلى بعض مكونات المجتمع المدنى الباحث عن دور لم يألفه من قبل، فضلا عن عناصر أخرى يختلف وزنها بين الحين والآخر، ولكنها جميعا تقول أن ثمة عراق قيد التشكل والتكون وان مفارقاته اكبر من عناصره المتجانسة.

اتجاهان أو نمطان

هذه العناصر بدورها تعكس اتجاهين كبيرين يحددان طبيعة الصراع الجارى فى العراق. أول هذين الاتجاهين يتعلق بالعملية السياسية التى تتقدم ببطء، ووفق جدول زمنى مُعلن منذ 15 نوفمبر 2003، وقوامها بناء نظام سياسى جديد يعتمد مبادئ التوافق العام بين العناصر الأساسية للمجتمع العراقى.

وأخر تجليات هذه العملية هو المؤتمر الوطنى الذى يفترض انه ينوب عن المواطنين العراقيين فى تكوين البرلمان المؤقت، الذى سيقوم بدوره ببعض مهام إشرافية ورقابية على الحكومة العراقية إلى حين إجراء الانتخابات المقررة فى يناير 2005.

أما الاتجاه الثانى فهو اتجاه المقاومة العسكرية، او لنقل رفض الاحتلال بعنف ومواجهته مباشرة. وآخر تجليات هذا الاتجاه، المواجهة العسكرية الجارية فى النجف الأشرف، وحول أماكن دينية مقدسة للعراقيين ولغيرهم، والتى تقترب من كونها حربا حقيقية لم يشهدها العراق إبان أسابيع الغزو الثلاثة ما بين 20 مارس إلى 9 إبريل 2003.

نمط التعامل السلمى

الاتجاهان يعكسان بدورهما عقليتين متناقضتين، أو لنقل نمطين فى أسس التعامل مع الواقع العراقى وما فيه من مفردات جديدة.

العقلية الأولى، أو نمط التفكير الأول يعنى بالتعامل السلمى مع واقع الاحتلال، وتوظيف ما فى هذا الواقع من فرص، ليس بالضرورة لإنهاء الاحتلال نفسه، بقدر توظيف وجوده لإعادة بناء العراق نفسه. ولا يختفى فى إطار هذا النمط هدف إنهاء الاحتلال بأسرع وقت ممكن، ولكن يتدخل فيه ما يمكن أن نسميه بفقه الضرورات، الذى يقوم على التغاضى عن تحقيق بعض الأهداف التى يمكن تأجيلها إلى حين، نظير تحقيق أمور وأهداف تبدو اكبر وأهم، ولكن دون التنازل عن الأهداف المؤجلة، والتى يتصور انه يمكن تحقيقها فى ظل ظروف مستقبلية تكون مواتية اكثر.

ووفقا لهذا فالأهم لدى هؤلاء هو إعادة بناء العراق، فى ظل الاحتلال الذى يرونه تواجدا ضروريا إلى حين، على أن تكون المطالبة برحيله لاحقا. ولا يقتصر هذا النمط من التفكير على السياسيين المحترفين، أو الذين جاءوا مع الاحتلال نفسه، أو الشخصيات الساعية إلى قدر من السلطة والنفوذ، وإنما يدخل فيه أيضا رجال دين كبار من السنة والشيعة معا، يعطون الأولوية للمواجهة السلمية، ويرون أن المواجهة العسكرية فى ظل الظروف العراقية الراهنة فيها تبديد للموارد البشرية والمادية على السواء، ويقولون إنها سوف تعطى مبررا لبقاء الاحتلال فترة أطول، على عكس ما يمكن تحقيقه إذا اجتمع العراقيون على أسلوب المواجهة السياسية.

شرعية مشكوك فيها

وإذا كان رجال الدين الذين يؤيدون مثل هذا الأسلوب، وبما لهم من نفوذ معنوى ودينى، يمكنهم التأثير على حركة جزء من الشارع العراقى، دون أن يتهموا بأنهم موالون للاحتلال أو صنيعة منه، فإن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة للسياسيين الذين يقبلون التعاون المباشر مع الاحتلال فى أى موقع تنفيذى أو أمنى أو سياسى.

والثغرة الاهم هنا تكمن فى حجم الشرعية المشكوك فيه الذى يحيط بهذه العملية ككل، سواء من حيث الخطة العامة أو الجهات المنفذة. إذ لا يمكن تجاهل أنها شرعية مؤسسة على الاحتلال نفسه، الأمر الذى يجعل بناء العراق، وهو هدف مهم فى حد ذاته، يبدو بناء مصمما وفق استراتيجية أمريكية وليست استراتيجية عراقية قلبا وقالبا.

لكن المتعاملين وفقها يرون أنها مجرد مرحلة انتقالية، تتيح بدورها للديناميكية العراقية أن تتبلور وتتشكل وأن ترى النور، ثم بعد ذلك سيكون لكل حادث حديث. وهم بهذا يدفعون عن أنفسهم أى اتهام بالإخلال بحق الوطن فى الحماية والسيادة، ويعتبرون أن ما يفعلونه هو الطريق الأقل كلفة لاستعادة الوطن وسيادته واستقلاله وموارده.

علاوى نموذجا

يبدو النموذج الأهم والأبرز هنا الدكتور أياد علاوى رئيس الحكومة المؤقتة، ودون التقليل من قدر أى سياسى عراقى آخر، فإن علاوى يطرح من خلال رئاسته للحكومة المؤقتة مشروعا لإعادة بناء العراق، عبر الانخراط الكامل فى العملية السياسية الجارية التى صممها الاحتلال أو على الأقل وافق عليها.

ومن بين عناصر هذا المشروع، أن تستعيد الدولة العراقية مؤسساتها وقدرتها على الأداء الفاعل، وان لا ينازع هذه المؤسسات أى جهة أخرى لا فى مجال الأمن أو فى مجال السياسة، وأن يتم التخلص من جماعات العنف غير العراقية، وان تتشكل السلطة العراقية وفق صيغة المركزية القوية والمسيطرة على مفاصل الحياة السياسية فى البلاد، وان تصبح هذه السلطة المركزية بؤرة انصهار كل مفردات المجتمع العراقى، بما يقود إلى الحفاظ على العراق بلدا موحدا، حتى ولو كان متنوعا فى عناصره المجتمعية وتشكيلاته السياسية الفرعية.

ومن يتأمل الخطاب السياسى لعلاوى فى أزمة المواجهة مع جيش المهدى بقيادة السيد مقتدى الصدر مطلع أغسطس والتى امتدت حتى بدء أعمال المؤتمر الوطنى العراقى فى الخامس عشر منه، يلمس بقوة عمق الإيمان بأن نجاح هذا المشروع مرتبط أساسا بأن تنخرط فيه كل العناصر المؤثرة فى الحياة العراقية، وأن يكون انخراطهم سياسيا وليس عسكريا، وان يتعاملوا مع الآخرين وفق قاعدة المساواة وليس الاستعلاء أو الانفراد مسبقا بميزات معينة، وقبل كل هذا أن يقبلوا الواقع العراقى الجديد بمفرداته الجديدة حتى ولو كانت سيئة السمعة كالاحتلال مثلا.

اتجاه مناقض

على النقيض تماما يتبلور الاتجاه الثانى، اتجاه المقاومة والعنف. وفى داخله لا يوجد التجانس الذى قد يظنه البعض.

فالمقاومون أنفسهم ليسوا من عجينة واحدة، فيهم العراقى الذى يدافع عن سيادة وحرية بلده عن حق واقتناع وتضحية، وفيهم من ينازل الأمريكيين فى ارض عربية ومسلمة كتعبير عن المنازلة الدائمة والأبدية بين "قوى الإيمان" و"قوى الكفر الصليبية"، وفيهم من يصفى حسابات لصالح قوى إقليمية.

والمؤكد أن خريطة المقاومة والعنف فى العراق ليست موحدة فى أهدافها أو فى قياداتها الميدانية، ويغلب عليها طابع مناطقي بالدرجة الأولى، كما أنها لم تستطع بعد أن تتحول إلى حركة مقاومة وطنية عراقية تذود عن الوطن ككل.

ومن هنا تبدو المواجهات، رغم كونها موجهة فى شق منها نحو قوات الاحتلال، مرشحة للتراجع والتوقف لاعتبارات محلية صرفة.

حركة المهدى وقائدها مقتدى

فى ظل هذا السياق العام تبرز حركة جيش المهدى، وقائدها الشاب مقتدى الصدر، والتى تشكل التعبير الأبرز عن المواجهة العسكرية مع الاحتلال في الآونة الأخيرة. وهو ما يعود الى الطابع الجماعى، حيث هناك قوات شبه مدربة وتبدو مسلحة بصورة معقولة، والمواجهة المباشرة على الأرض وما فيها من كر وفر. وفى الأخير القدرة على استقطاب عناصر متعطشة للقتال وحمل السلاح من أماكن أخرى فى العراق.

ومع ذلك فإن طابعها المذهبى، والمتعلق بحماية أماكن مقدسة لدى الشيعة تبدو بارزة وذات مغزى. فمقتدى الصدر يعتبر نفسه قائدا، أو مشروع شهيد فى أسرة قدمت الكثير من الشهداء فى ظل النظام السابق، يدافع عن الدين والمذهب والأماكن الشيعية المقدسة والوطن.

وفى خطابه العام يبدو الاحتلال مصيبة يجب أن تزول بالمواجهة المباشرة، وان لا مهادنة معه، ثم ليترك العراق للعراقيين أنفسهم يفعلوا فيه ما يشاؤون وما يستطيعون. وهو خطاب يمثل فى مجمله حرجا عاما للقيادات والمرجعيات الشيعية التى توافق على النمط السلمى فى المواجهة والتغيير.

ثـغـرات

لا يخلو خطاب مقتدى الصدر من ثغرات، لعل أبرزها أن المواجهة مع الاحتلال تبدو مصممة من أجل هدفين أساسيين؛ الأول يتعلق بحماية الأماكن المقدسة للشيعة، بما فيها من قدرة على الشحن المعنوى والمذهبى والدينى، والثانى بأن تمنح وضعية خاصة للحوزة الدينية فى إدارة الأماكن المقدسة والمدن الشيعية.

الهدفان مهمان، لا يمكن التهوين منهما ومن مشروعيتهما، ولكنهما لا يخلوان من تناقض مع هدف بناء سلطة مركزية قوية ومسيطرة، ثم إن حماية الأماكن المقدسة من لدن الحوزة يعنى أنها يجب أن تكون مسلحة، وليس هناك من قيادة شيعية مسلحة إلا مقتدى الصدر وأنصاره.

والمحصلة العملية هنا أن القبول بهذا الهدف يعنى أن تخضع باقى الحوزات والمرجعيات إلى هيمنة مقتدى الصدر وأنصاره، وفى كلا الهدفين لا يوجد مشروع لمقاومة من أجل درء الاحتلال وبناء دولة عراقية جديدة، كما أن الشيعة العراقييين أنفسهم ليسوا موحدين وراء هذين الهدفين، خاصة وان منهم من يرى فائدة اكبر فى اتباع المنهج الأول.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.