تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مقتل الزوابري..هل سيضعُ حدّا للعنف في الجزائر؟

اكد قائد المنطقة العسكرية الاولى في البليدة جنوبي العاصمة الجزائرية انه تم التعرف على جثة عنتر الزوابري اولا من طرف عناصر سابقين في الجماعة الاسلامية المسلحة ثم تم التأكد من هويته بأخذ بصماته.

(Keystone)

يبدو ان عام 2002 لن يكون سوى حلقة جديدة في مُسلسل الرعب الذي تعيشه الجزائر منذ سنوات. فبعد المذابح المُتتالية والمواجهات العنيفة بين القوات الجزائرية والجماعات المسلحة خلال الايام القليلة الماضية، أُظهرت قوات الامن يوم السبت للصحافة جُثة زعيم الجماعة الاسلامية المسلحة عنتر الزوابري الذي قتلته امس في منزل ببلدة بوفاريك جنوب الجزائر العاصمة. موجة العنف الجديدة تتزامن مع استعداد البلاد للانتخابات التشريعية.

وكانت الجماعة الإسلامية المسلحة ذات توجهات التكفير والهجرة التي كان يتزعمها عنتر الزوابري قد قتلت مؤخرا أكثر من أربعة وعشرين مواطنا ذبحا أو رميا بالرصاص، مُعلنة بذلك أنها مصرة على نهجها في ذبح المدنيين، في وقت لم يجد فيه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أي حل للمشاكل الاجتماعية الخانقة التي ترجمتها نقابات العمال بإضرابات لم يبسق لها مثيل. ولم تُبد السلطات بشأنها قلقا كبيرا، تماما كما أبدت ذلك حيال تواصل الأزمة في بلاد القبائل.

وأجمع المراقبون أن قرية سيدي لخضر التي تقع في ولاية عين الدفلى 220 كلم جنوب غرب الجزائر، هي القرية الأولى في قائمة الموت التي أعدتها الجماعة الإسلامية المسلحة، لأن قرية سيدي لخضر، قرية كافرة يجب تصفيتها، على حسب المقاييس الفكرية التي تستند إليها الجماعة الإسلامية المسلحة.

وعلى ضوء هذه المقاييس، ذُبح أكثر من أربعة وعشرين شخصا، ولكن يُضيف مُعظم المتتبعين بأن الاتكال في تفسير ما جرى للضحايا، على أنه نتاج فكر مُعوج، لا يكفي وحده لتفسير ما يجري...

فهذه هي أول مذبحة تُسجَّل مع مطلع العام الحالي، وهي على بُعد أربعة أشهر فقط من الانتخابات البرلمانية التي ستُنظم في شهر يونيو حزيران المقبل. فالمذبحة وسيلة من وسائل التعبير عن رفض تنظيم الانتخابات، كما أنها تتزامنت وبشكل لافت، مع طلبات أخرى لرفض الانتخابات "عبر تأجيلها"، من قبل تيارات سياسية مُعادية للإسلاميين إلى النخاع، بل و جعلت قوام صراعها السياسي سحق الإسلاميين.

بوادر عام دموي اضافي..

وقد تشاءم الكثيرون بمقتل أزيد من أربعة وعشرين مدنيا، لأن ذلك معناه قدرة حقيقة للجماعات المسلحة بتنفيذ عملياتها، دليل ذلك، قتل الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يتزعمها حسن حطاب، لحارسين بلديين في منطقة القبائل، وقد يعني هذا أيضا عاما دمويا آخر ينضاف إلى سنوات الدماء التي استمرت أحد عشر عاما.

بطبيعة الحال، لا يتفق الإسلاميون المسلحون على ذبح المدنيين كوسيلة من وسائل التعبير أو الاحتجاج السياسي، فهناك الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يتزعمها حسن حطاب، لا تنتهج ذبح المدنيين وسيلة في صراعها مع السلطة، وتُقاتل في نفس الوقت من يذبح المدنيين، أي جماعة التكفير والهجرة التي يتزعمها عنتر زوابري، والتي يُسميها، الجماعة الإسلامية المسلحة.

بيد أن الخلاف بين الإسلاميين لم يمنع من تقاطع أهدافهم المتناقضة مع أعدائهم من الشيوعيين مثل الحزب الديموقراطي الاجتماعي الذي يتزعمه الهاشمي شريف، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي يتزعمه سعيد سعدي، وكلاهما يُعارض تنظيم الانتخابات، مثل الإسلاميين المسلحين، بل ودعا سعيد سعدي إلى مرحلة انتقالية جديدة سماها إعادة تأسيس الجزائر.

عُنف مُتصاعد في ظل احتجاجات غير مسبوقة للنقابات المستقلة

ويتزامن هذا الوضع الشاذ مع حملة غير مسبوقة للنقابات المستقلة التي تحتج في كل مكان تقريبا، على السياسات الاقتصادية للحكومة، وتُريد زيادة الأجور وإيقاف عملية تفكيك التعريفة الجمركية بعد الاتفاق مع الاتحاد الأوربي. كما تُعارض عملية تسريح ما يُقارب مليون عامل في الأشهر المقبلة تماشيا مع خطط سابقة وضعتها السلطات بالتنسيق مع البنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية.

أما الذي استغرب له الكثيرون، فهو الصمت المُطبق الذي يُبديه الرئيس الجزائري، إلا في القليل النادر؛ يُجيب بعضُ المقربين من أصحاب القرار: " لو افترضنا أن الرئيس أجاب على كل ما يجري، وبعفوية، فإن ذلك قد يُؤدي إلى خسارة سياسية كبيرة بالنسبة له، لأن هناك جزءا مما يجري هو في شكل حملة شخصية عليه، والجزء المتبقي يستغله أيضا المعارضون له، في شكل هجوم غير مُباشر، مُكمل للحملة الأولى".

ولكن كيف يُمكن تفسيرُ استمرار التعفن في بلاد القبائل؟ هل هي حملة ضد الرئيس أيضا؟ أم أنها حملة أججها "البعض" قبل أشهر، ثم انقلبت عليهم بعد اشهر أخرى لتصب في خانة الانتصارات السياسية المشهودة للرئيس الجزائري الذي تمكن من إنهاء شبه حقيقي لسلطات التيارات السياسية في بلاد القبائل، ولم يعد للقبائل العروشية أي دور لدى أوساط المواطنين القبائل، رغم استمرار رفع شعارات اعتماد اللغة البربرية إلى جانب اللغة العربية.

تعارضُ المصالح والافكار يُمزق البلاد

هناك تفسير يُشبه الإجماع ويستند إلى إقرار فكرة أن السلطات الجزائرية بمن فيها الرئيس الجزائري نفسه، لا تملك أي حل للمشاكل الاقتصادية التي تُعاني منها الجزائر. ولكن الاختلاف قائم حول ماهية وسبب تجمع المشاكل التي وضعت البلاد على فوهة بركان وفي وقت قياسي جدا.

وهذا يعني أن النقابات المستقلة ستستمر في إضراباتها وستشتد الإضرابات. ولكن هل ستبقى مستقلة في تحركاتها؟ أم ستُستغل من قبل المعارضين للرئيس أو الموالين له؟

علما أن عنف الجماعات المسلحة سيكون برأي الكثيرين، في موقع المُعطى الثابت الذي نجده كيفما قلبنا أوجه المعادلة الجزائرية.

وهناك تفسير يبدو أنه أقرب إلى الواقعية ويستند إلى فكرة تعارض المصالح والأفكار داخل مُكونات المجتمع الجزائري. فالإسلاميون المسلحون والسياسيون لهم برنامجهم الخاص، والمعارضون لهم من العلمانيين لهم برنامجهم أيضا. كما أن لباقي التيارات السياسية برامجها، بالإضافة إلى الرئاسة وباقي أصحاب القرار في الجزائر وطبقات الشبان العاطلين عن العمل والقبائل وأصحاب المال والقائمة تطول...

وتعارض المصالح قد بلغ أوجه، والجميع يُعبر عن أفكاره وبوسيلته الخاصة، قد تكون بذبح المدنيين أو قتل قوات الأمن أو بالإضراب أو باستغلال الذبح أو القتل أو الإضراب، أو بالمناورة السياسية عبر الضغط على المنافس بثقل ما يحمله من أسلحة، لتنقلب عليه. والبعضُ يعزو هذه الصفة إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

أما ما يبدو من تقاطع المصالح بين أصحاب الأفكار المتناقضة ما هو إلا تشابه لا يعني بأي شكل اتفاقهما. ولكن المؤكد أن مسؤولية الرئيس الجزائري كبيرة جدا، حتى لو افترضنا أنه يُطبق مبدأ الضغط على الخصوم عبر وزنهم الثقيل، لأن ضحايا الأزمة الجزائرية، من قتلى و بطالين ونساء وأطفال وشيوخ وشباب من دون مستقبل، يُعدون بمئات الألوف ولا يُجيز استعمال هذا الأسلوب.

ثم إن احتمال انقلاب الخصم عبر وزنه الثقيل، وهو في الجزائر "ثقيل جدا"، كفيل برفع حجم الخسائر والضحايا إلى أرقام خيالية. وقد يزيد الشك في أن مغرب العرب، يُشبه مشرقه، حيال القاعدة السوداء المُتبعة والتي تقول: "خسرنا الحرب والأرض، ولكننا لم نخسر الحزب والسلطة القائمة".

هيثم رباني - الجزائر

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×