Navigation

Skiplink navigation

ملف المساجين: هل يتحرر من الحسابات الضيقة؟

يعتقد كثيرون أن القرار النهائي في ملف المساجين الإسلاميين يظل بيد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي swissinfo.ch

منذ أن تخلت الأطراف السياسية والجمعوية عن مخاوفها أو تحفظاتها السابقة، أصبحت البيانات المطالبة بإطلاق سراح المساجين الإسلاميين في تونس لا تحصى ولا تعد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 يونيو 2005 - 16:40 يوليو,

لكن البيان الذي صدر بتاريخ 30 ماي، ويحمل أكثر من ثلاثين توقيعا سبق لأغلبهم على الأقل أن انتموا لحركة النهضة وتحملوا مسؤوليات تنظيمية فيها، جاء مختلفا عن البيانات السابقة..

البيانات المطالبة بإطلاق سراح المساجين الإسلاميين في تونس أصبحت لا تحصى ولا تعد منذ أن تخلت الأطراف السياسية والجمعوية التونسية عن مخاوفها أو تحفظاتها السابقة، وأصبح هذا الملف يندرج ضمن أولويات أغلب مكونات الحركة الديمقراطية في البلاد.

لكن البيان الذي صدر بتاريخ 30 مايو الماضي، ويحمل أكثر من ثلاثين توقيعا من أشخاص سبق لأغلبهم على الأقل أن انتموا لحركة النهضة وتحملوا مسؤوليات تنظيمية فيها، جاء مختلفا عن البيانات السابقة في دلالاته وخلفياته.

إنه يتنزل في ظرف اتسعت فيه رقعة الاختلاف العلني بين كوادر الحركة حول كيفية إدارة هذا الملف، ملف المساجين. وقد كشفت المناقشات التي دارت (أساسا) داخل شبكة الأنترنت عن وجود تباينات عميقة بلغت حد تبادل الاتهامات ومطالبة قيادة الحركة بالاستقالة.

ولعل موضوع المساجين يخفي في طياته أزمة أعمق تراكمت عبر سنوات التيه التي عاشتها الحركة منذ زلزال التسعينات الذي قلب أوضاعها رأسا على عقب، وأخرجها من دائرة الفعل طيلة المرحلة الماضية.

دلالات سياسية

حرص أصحاب البيان على لفت النظر إلى كونهم "مجموعة متحررة من رواسب الحزبية الضيقة". وهذا لا يعني فقط أن المبادرة التي قاموا بها ليست صادرة عن أي هيكل من هياكل حركة النهضة، بل توحي العبارة بـأن هناك مسافة تفصلهم عن التنظيم وقيادته وحساباته وتسمح لهم بأن يتعاملوا مع المسألة بأكثر موضوعية و "مسؤولية".

ومن بين الموقعين على البيان وجهان يستوقفان كل مراقب مطلع على شئون الحركة الإسلامية التونسية. أولهما المحامي عبد الفتاح مورو، الذي كان يعتبر الرجل الثاني في الحركة قبل أن ينسحب منها مع قياديين آخرين هما الفاضل البلدي وبن عيسى الدمني، على إثر تصاعد التوتر بين النهضة والسلطة، وحدوث انزلاق سياسي وتنظيمي خطير كانت من بين نتائجه حادثة باب سويقة الشهيرة.

وقد حاول يومها أن ينقذ ما يمكن إنقاذه عن طريق السعي لتأسيس حزب جديــد ذي مسحــة "ليبرالية"، غير أن التطورات التي تلاحقت فيما بعد ألقت بظلالها على كامل الحياة السياسية بالبلاد، وجعلته يقرر الابتعاد كليا عن الشأن العام لمدة خمسة عشر عاما بعد أن تلقى ضربة موجعة جدا.

أما الشخصية الثانية فهو الدكتور زياد الدولاتلي الذي غادر السجن قبل بضعة أشهر فقط باعتباره كان من بين قياديي الحركة. ورغم أنه قد عرف باعتداله، وإيمانه بالحوار مع السلطة إلا أن ذلك لم يشفع له، حيث بقي رهن الاعتقال منذ عام 1990.

على مستوى المضمون يتميز نص البيان بعدد من الدلالات السياسية. أولها نبرته التفاؤلية وأسلوبه الإيجابي في الحديث عن السلطة. وإذا كان البعض من داخل "النهضة" وخارجها قد قلل من أهمية إطلاق سراح عدد من المساجين في دفعات متباعدة، فقد اعتبر أصحاب البيان ذلك " خطوات شجاعة ".

وفي مقابل تشكيك بعض أعضاء حركة النهضة وكوادرها في نوايا السلطة، دعا أصحاب البيان كل "من لا يزال في نفسه شيء من الريبة والتردد إلى دفع بوادر هذا الانفراج الوطني إلى الأمام" وإلى "الابتعاد عن كل الأقوال والأعمال التي من شأنها تعكير أو عرقلة تنقية الأجواء" وتجنب "المهاترات الهامشية".

وبالرغم من إصرار قيادة الحركة على عدم الفصل بين ملف المساجين وملف الحركة المرتبط بدوره بمجمل مطالب الإصلاح السياسي، فقد ركز البيــان على "الطابع الإنساني" لقضية المعتقلين، وتعمد الموقعون أن يكتفوا بالمطالبة بالعفو عليهم دون تقييد ذلك بالعفو التشريعي العام الذي يعلمون بأنه لن يحصل في ظل الأوضاع وموازين القوى الراهنة.

واعتبروا أن الأولوية حاليا يجب أن تعطى للجانب الإنساني، الذي إن تحقق سيوفر المناخ الملائم ليس فقط لإدارة الحوار حول الجوانب السياسية، ولكن أيضا لإجراء "تقييم حقيقي للماضي و مراجعة أخطاء تجربة العمل السياسي لكل الأطراف" مثلما جاء في نص البيان، وهذا يعني دعوة ضمنية لممارسة نقد ذاتي انتظره البعض فترة طويلة.

وبذلك يكون أصحاب هذه المبادرة قد قرروا وضع ثقلهم إلى جانب التيار المتنامي داخل تنظيم حركة النهضة وخارجه الذي عبر عن رفضه للغة التصعيد السياسي، ودعا إلى عدم رهن ملف المساجين بحسابات يراها الكثيرون وهمية أو غير واقعية، في ظل العجز البالغ الذي أصاب جسم الحركة وشل قيادتها المتمركزة خارج البلاد.

السلطة: معالجة أمنية وأخرى سياسية

ما يثير حيرة المتابعين لملف المساجين الإسلاميين في تونس، هو حرص السلطة على أن تبدو وكأنها غير معنية بالجدل الدائر داخل صفوف النهضويين. بل إن تجدد الحملات الأمنية ضد بعض مظاهر التدين، وإصدار أحكام مرعبة على عدد من الشبـــان الذين ذكر محاموهم ومنظمات حقوق الإنسان بأن لا علاقــة لهم بالإرهــاب، تعطي حجــــة لدى من يوصــفون بـ" المتشددين" الذين يطالبون تيار "الواقعية السياسية" بتقديم مؤشرات ملموسة على جدية السلطة وحسن نيتها.

هذه اللامبالاة التي تتظاهر بها الجهات الرسمية جعلت البعض يعتقد بأن السلطة مكتفية إلى حد الآن بأسلوب المناورة من أجل مزيد تفتيت جسم الحركة وتيئيس عناصرها ودفعهم إلى عزل القيادة التاريخية أو على الأقل تهميشها.

لكن في مقابل ذلك لا يمكن إنكار حصول تغيير، ولو نسبيا خلال الأشهر الأخيرة في كيفية تعاطي النظام مع هذا الملف.

فبالإضافة إلى إطلاق سراح دفعة هامة من كوادر الحركة خلال شهر رمضان الماضي، تساهلت السلطة مع تحركات وتصريحات القياديين السابقين علي العريض وزياد الدولاتلي اللذين شملهما العفو الأخير. يضاف إلى ذلك قرار إنهاء عقوبة السجن الانفرادي الذي عانى منه عديد المعتقلين لمدة سنوات طويلة.

كما تردد خبر لم يقع نفيه من قبل السلطة أو "النهضة" حول استقبال سفير تونس في برن لوفد قيادي من حركة النهضة. ورغم استبعاد حصول لقاء آخر في جنيف بمشاركة رئيس الحركة راشد الغنوشي (حسبما ورد في العدد الأخير من مجلة "كلمة" الألكترونية)، إلا أن هذا الأخير الذي ترفض السلطة أن تتعامل معه مباشرة سبق له أن قبل رفع السماعة والاتصال بقصر قرطاج، غيرأن المحادثة الهاتفية التي سعى إليها "البعض" وتمت برمجتها مسبقا لم تتم لاعتبارات لا تزال مجهولة.

كل ذلك يوحي بوجود من يدفع من داخل السلطة نحو "التخلص" من ملف المساجين، الذي أصبح يشكل عبئا ثقيلا على النظام بعد أن كاد الجميع في الداخل والخارج أن يجمعوا على وصف ذلك بالمظلمة التي يجب أن يسدل عليها الستار.

ويريد هذا الاتجاه أن يتم تجاوز الورطة بطريقة تخدم النظام، وتجعله في موقع القوة وصاحب اليد العليا. ويكون ذلك باتباع أسلوب القطرة قطرة، أي إطلاق سراح بقية المساجين عبر دفعات. وفي كل مرة يقع تحسس ردود فعل المعنيين مباشرة بهذا الموضوع، وكلما جاءت الردود إيجابية ومباركة للسلطة اعتبر ذلك مؤشرا على تكيف الإسلاميين مع الأمر الواقع، وتجاوزهم لخطاب الثقة والتصعيد ومنطق الثأر.

كما يرفض هذا التيار أي ربط بين ملف المساجين الذين "سيقع إطلاق سراحهم لاعتبارات إنسانية" وبين الحديث عن تسوية سياسية لحركة النهضة، التي لا يزال النظام يعتبرها غير موجودة، ويصنفها ضمن الحركات الإرهابية. وبناء عليه يريد أصحاب هذا الطرح إنهاء ملف المساجين بدون تكلفة سياسية.

أما أصحاب النظرة المعاكسة، فلا يزالون متمسكين بالمعالجة الأمنية، ويرون بأن إطلاق سراح المساجين الإسلاميين سيفتح الباب أمام عودتهم إلى الساحة، وسيفقد السلطة ورقة طالما استعملتها داخليا وخارجيا، مما سيعزز من "مخاطر عدم الاستقرار السياسي"، حسب اعتقادهم.

ويعتبر هؤلاء أن دعوة الأطراف السياسية الوطنية وضغوط المنظمات الدولية، في هذا الاتجاه لا يشكل عاملا كافيا من شأنه أن يبرر تخلي النظام عن سياسة القبضة الحديدية، خاصة وأن الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الحكومة الأمريكية لم تمارس ضغوطا جدية في هذا الاتجاه، رغم اعتقادها بأن ملف المساجين التونسيين "ملف سياسي"، وإقرارها بأن حركة النهضة "ليست حركة إرهابية".

وبناء عليه يحاول أصحاب "المعالجة الأمنية" إثارة مخاوف صاحب القرار حتى لا "يعجل" في تسريح بقية المعتقلين. بمعنى آخر لا يقر هؤلاء بوجود مشكلة حقيقية، ولا يعتقدون بأن النظام في حاجة إلى اتخاذ عدد من الإجراءات لتحريك الوضع السياسي وإخراجه من الجمود الراهن، ولا يرون أن مسألة المساجين تعتبر في مقدمة الأوراق التي يمكن استثمارها في هذا السياق.

أي تأثـيـر؟

في ظل حالة التجاذب داخل السلطة حول هذا الملف، وحتى لا يتواصل انفراد من يصفهم البعض بـ "المتشددين" داخل حركة النهضة بإدارة الصراع السياسي مع السلطة على حساب استمرار معاناة المئات من المعتقلين (سارع بعض هؤلاء نحو إطلاق النار على المبادرة وأصحابها)، ونظرا لعدم تمكن قوى المجتمع المدني من دفع السلطة نحو تغيير سياستها الخاصة بالإسلاميين لاعتبارات معقدة، فكر الموقعون على بيان 30 ماي في أن يحولوا "بارقة الأمل" إلى اختيار جدي، وأن يخرجوا القضية من دائرة "المناورة السياسية" إلى تعديل جوهري في العلاقة بين الطرفين.

تحدوا في ذلك رفقاء الأمس، ولم يلتفتوا إلى أوساط المعارضة الاحتجاجية التي تتابع باستغراب وحيرة الجدل العاصف بين النهضويين حول موضوع "المصالحة"، حيث يتساءل بعضهم: المصالحة بين من ومن؟ واين هي شروط ومقومات هذه المصالحة المفترضة؟.

والسؤال الآن: هل ستكون لمبادرة هؤلاء التأثير الذي يتطلعون إليه؟. هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، خاصة وأن ذكرى عيد الجمهورية أصبحت على الأبواب (25 يوليو)، وهي تعتبر أقرب المناسبات التقليدية التي عادة ما تتخذ فيها إجراءات العفو على بعض المساجين..

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة