تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من سيحكم العراق.. وكيف؟

طفل عراقي يتطلع إلى أسلحة تركتها القوات العراقية وهي تنسحب من القتال

(Keystone)

كانت إحدى المقولات المفضلة للرئيس صدام حسين، مقولة القائد الفرنسي نابليون، أن "التاريخ يكتبه المنتصرون".

ويبدو أن تاريخ العراق ما بعد صدام ستكتبه الولايات المتحدة، على الأقل خلال المرحلة الانتقالية نحو قيام حكومة عراقية منتخبة.

لم ينجح اجتماع جورج بوش وتوني بلير في إيرلندا في تغيير الإصرار الأمريكي على الانفراد بالقرارات المصيرية في عراق ما بعد صدام، رغم تصريح بوش بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة سيتولى إعادة الخدمات الضرورية والأساسية في العراق، وسيكون للأمم المتحدة "دور حيوي" في مجال المساعدات الإنسانية.

وفيما كان بوش وبلير يحددان مستقبل العراق في بلفاست، كانت طلائع السلطة الأمريكية المكلفة بإدارة شؤون العراق قد وصلت بالفعل إلى ميناء أم قصر لتنظيم عمليات المساعدات الإنسانية وشؤون الصحة والتعليم في جنوب العراق تحت إشراف مكتب إعادة البناء والمساعدات الإنسانية الذي أنشأته وزارة الدفاع الأمريكية، وعينت الجنرال الأمريكي المتقاعد جي غارنر مسؤولا عنه، وسيساعده عراقيون لم تكن لهم صلة بكبار المسؤولين في حزب البعث العراقي، وربما يستعين بأعضاء من سبعة عشر فريق عمل عراقي شكلتها الحكومة الأمريكية من معارضين في الخارج منذ عام للتخطيط لمستقبل العراق.

وقد يستغرق الإشراف الأمريكي على إدارة الشؤون العراقية أكثر من ستة أشهر كما توقع نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفوفيتز. وقد لا يتمكن العراقيون من حكم أنفسهم بأنفسهم قبل مرور عامين كما يتوقع احمد الشلبي رئيس المؤتمر العراقي الموحد، والذي يحظى بمساندة وزير الدفاع الأمريكي وصقور الحرب في البنتاغون، وقد دخل جنوب العراق لأول مرة منذ أكثر من أربعين سنة بعيدا عن بلده التي عاد إليها على أسنة الرماح الأمريكية بمرافقة سبعمائة من مقاتلي المعارضة العراقية، ويطالب بموقع متميز في أي حكومة عراقية.

ورغم أن كبار المسؤولين الأمريكيين نفوا أي احتمال لوصول الشلبي إلى منصب رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، قالت بعض المصادر إنه سيكون مستشارا للحاكم العسكري الأمريكي للشؤون المالية، مما حدا بالدكتور حسين إبيش مدير قسم الإعلام باللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز إلى التساؤل عن مدى مصداقية الإدارة الأمريكية العسكرية للعراق التي ستجمع، على حد قوله، بين الجنرال غارنر المعروف بولائه الحميم لإسرائيل والذي أصدر بيانا في عام 2000 يدعمها في تصديها لما وصفه بالعنف الفلسطيني، وبين الدكتور أحمد الشلبي الذي صدر ضده حكم في الأردن بالأشغال الشاقة لمدة 22 سنة بتهمة اختلاس أموال البنك الذي كان يترأسه في عمان.

ومما يثير الشبهات كذلك أن ممثل المؤتمر العراقي الموحد في واشنطن انتفاض قنبر صرح للمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي بأنه سيكون من الممكن إقامة علاقات طيبة بين العراق وإسرائيل في ظل نظام الحكم الجديد في عراق ما بعد الحرب، لأن المشكلة كانت بين صدام حسين وإسرائيل وليست بين الشعب العراقي والدولة اليهودية!

انفراد أمريكي!

وأمام التمسك الأمريكي بإعادة رسم الخريطة السياسية للعراق وفق ما يراه صقور الحرب من اليمين المحافظ الجديد بقيادة مساعد وزير الدفاع بول وولفوفيتز، ووكيل الوزارة للشؤون السياسية دوغلاس فايث أحد أشد أنصار حزب الليكود الإسرائيلي في الحكومة الأمريكية، يعود شد الحبل السياسي والدبلوماسي من جديد إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد طالب الرئيس الحالي للجمعية العامة للأمم المتحدة جان كافان بدور سياسي رئيسي للأمم المتحدة في عراق ما بعد الحرب، والمساهمة في التحول بالنظام السياسي في العراق نحو الديمقراطية.

كما دعا خافيير سولانا مسؤول الشؤون السياسية للاتحاد الأوروبي إلى الاستجابة لرغبة المجتمع الدولي ككل في تكليف الأمم المتحدة بدور أوسع في إعادة بناء العراق. وسيجتمع الرئيس الروسي بوتين مع نظيره الفرنسي شيراك والمستشار الألماني شرودر للتأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة في العراق.

وقد طالب السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن العضو البارز بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي بتدويل التعامل الأمريكي مع عراق ما بعد الحرب، لضمان مشاركة المجتمع الدولي وتوفير الشرعية لما يتم اتخاذه من إجراءات في العراق، خاصة فيما يتعلق بالسلطة الانتقالية وتشكيل الحكومة العراقية في نهاية المطاف.

توزيع مغانم الحرب

تفيد كل المؤشرات الصادرة عن الحكومة الأمريكية والكونغرس باعتزام منح الشركات الأمريكية الأولوية في عقود إعادة بناء ما خربته الحرب في العراق. القطرة الأولى كانت منح سبع شركات أمريكية عقود المرحلة المبدئية لإعادة إعمار المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء بقيمة ستمائة مليون دولار.

وقد برر مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية آندرو ناتسيوس ذلك بأن تمويل تلك المشروعات يأتي من المساعدات التي طلبها الرئيس بوش من الكونغرس لإعادة إعمار العراق. ولذلك، ستقتصر المنافسة على الشركات الأمريكية وفقا لقانون المساعدات الخارجية الأمريكية، ولكن قد يمكن استخدام استثناء يتيح للشركات الأمريكية الفائزة بعطاءات إعادة الإعمار منح ما يصل إلى نصف الاعتمادات لشركات أجنبية بعقود فرعية.

غير أن مجلس النواب الأمريكي صوت بأغلبية 414 صوتا مقابل 12 على قرار يحظر منح أي شركة فرنسية أو ألمانية أو روسية أو سورية أي عقود من الأموال المخصصة لإعادة إعمار العراق، معاقبة لها على معارضتها لشن الحرب. وتمت كذلك دعوة كبار الشركات الأمريكية ومسؤولين من الحكومة الأمريكية لحضور مؤتمر لإعادة إعمار العراق سيعقد في واشنطن يوم 5 مايو القادم.

وقال المسؤولون عن المؤتمر، إن تكاليف إعادة بناء ما خربته الحرب في العراق يتراوح بين 25 و100 مليار دولار. وتشكو الشركات الأوروبية، بل وحتى البريطانية والأسترالية، من أن الولايات المتحدة تفضل شركات أمريكية لها علاقات وثيقة بالساسة الأمريكيين وتتعامل مع العراق على أنه أصبح محمية أمريكية، على حد قول المتحدث باسم إحدى الدول في الاتحاد الأوروبي .

الأقربون أولى بالمعروف!

وتضم قائمة الشركات الأمريكية المستفيدة من توزيع مغانم الحرب شركة هالي بيرتون التي كان يرأسها نائب الرئيس ديك تشيني حتى عام 2000، مما حدا برسام الكاريكاتير في صحيفة واشنطن بوست إلى رسم صورة لمجلس الحرب بحضور القادة العسكريين الأمريكيين والرئيس بوش ونائبه تشيني، الذي بدأ يضع على مسرح العمليات شاحنة عليها اسم شركة هالي بيرتون، فقال له الرئيس بوش: تمهل قليلا ليس الآن؟


ومع أن مسؤولا كبيرا في حكومة الرئيس بوش أكد أن خطة إدارة شؤون العراق تتضمن وزارة للبترول ضمن الحكومة الانتقالية التي سيتم تشكيلها فيما بعد، فإن اجتماعا لمجموعة العمل العراقية التي شكلتها وزارة الخارجية الأمريكية من معارضين عراقيين في الخارج، من بينهم السيد فاضل الشلبي الوكيل السابق لوزارة البترول العراقية، الذي وافق على الدعوة لإنهاء احتكار الحكومة العراقية لإنتاج وتصدير البترول وفتح المجال أمام خصخصة قطاع البترول وانتهاج أسلوب المشاركة مع شركات البترول العملاقة، وهو أسلوب يضمن لتلك الشركات هامشا ضخما من الأرباح. وعلى المدى البعيد، ينتظر أن تعقد اتفاقيات المشاركة مع شركات أمريكية ضخمة مثل إكسون موبيل، وشيفرون تكساكو بمنافسة دولية مع شركتي شل وبريتيش بتروليام البريطانيتين.

وتوصل اجتماع مجموعة العمل العراقية الخاصة بالطاقة والبترول إلى أن الهدف النهائي للسياسة البترولية في عراق ما بعد الحرب، ينبغي أن يكون الحصول على أكبر عائد من تصدير البترول العراقي، وأنه إذا أرادت منظمة الأوبك الحفاظ على العراق كعضو فيها، سيتعين عليها أن تسمح للعراق بتخطي حصة الإنتاج المقررة له.

وعلق السيد ليو درولاس الخبير في مركز دراسات الطاقة العالمية على ذلك بقوله: "إذا تمت خصخصة قطاع البترول العراقي وأصبح هدفه إنتاج أكبر قدر من البترول خارج الحصة المقررة، فإن مصير منظمة الأوبك سيصبح في مهب الريح" .

وقال خبير آخر، إن بترول العراق سيصبح بمثابة حصان طروادة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث ستشجع واشنطن عراق ما بعد الحرب على إغراق سوق البترول العالمي بمزيد من البترول العراقي، بحيث يصل سعر البرميل إلى 18 دولارا، وهو مستوى كفيل بحفز النشاط في الاقتصاد الأمريكي وإخراجه من الركود الحالي.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×