من هم المتمردون وكيف تتعامل معهم أمريكا؟

مسلحون مناهضون للقوات الأمريكية والحكومية ينتشرون في شوارع الرمادي التي تبعد 70 كيلومترا عن العاصمة بغداد (تاريخ الصورة: 9 مارس 2005) Keystone

أعلن كبار المسؤولين في الجيش الأمريكي في شهاداتهم أمام الكونغرس أن حركة التمرد في العراق لم تنحسر على عكس ما حاول الإيهام به نائب الرئيس ديك تشيني..

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 يوليو 2005 - 16:33 يوليو,

من جهته، أصدر المعهد الأمريكي للسلام دراسة أعدها أماتزيا بارام، توصّـلت إلى تصنيف جديد ودقيق لمن يوصفون بالمتمردين في العراق.

أعلن كبار المسؤولين في الجيش الأمريكي في شهاداتهم أمام الكونغرس أن حركة التمرد في العراق لم تنحسر كما حاول نائب الرئيس ديك تشيني أن يصوّرها وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.

جاء ذلك في وقت أظهرت فيه أحدث استطلاعات الرأي العام الأمريكي أن 58% من الأمريكيين ليسوا راضين عن أداء الرئيس بوش في إدارة الحرب في العراق، ورد الرئيس بوش بخطاب ربط فيه بين ما وصفه بالإرهابيين في العراق وبين الحرب الأمريكية على الإرهاب.

فمن هم هؤلاء الذين تصفهم أمريكا بالمتمردين في العراق، ويصفهم بوش بالإرهابيين، وكيف تتعامل أمريكا معهم؟

من سـيء إلى أســوأ

مع ذكرى مرور عام على نقل السلطة في العراق إلى حكومة عراقية، رغب الرئيس بوش في احتواء حالة من التشاؤم لم يسبق لها مثيل في الشارع الأمريكي منذ بدء الحرب على العراق قبل أكثر من عامين. فربط بين الحرب الأمريكية على الإرهاب والحرب ضد حركة التمرد في العراق، التي وصف المشاركين فيها بالإرهابيين، وطرح لاءاته الثلاث: لا للانسحاب من العراق، ولا لزيادة حجم القوات المريكية في العراق، ولا لتحديد جدول زمني للانسحاب. وأكّـد الرئيس بوش أن تحديد مثل ذلك الجدول سيوفّـر للإرهابيين الفرصة للانتظار إلى ما بعد الانسحاب ليحققوا أهدافهم، وسيكون ذلك خطا كبيرا.

ولم يفلح الرئيس بوش في تغيير توجه الرأي العام الأمريكي، حيث أظهر استطلاع للرأي ان 70% ممن تابعوا الخطاب لم يقتنعوا بمنطق الرئيس في إدارة الحرب في العراق، كما تعالت أصوات الديمقراطيين في الكونغرس للتشكيك في محاولة بوش الرّبط بين الحرب في العراق والحرب على الإرهاب، والتدليل على ذلك بأن ما شهده العراق من تجمعات لإرهابيين أجانب لم يحدث إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق.

وأعلن السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بعد عودته من العراق بأن حركة التمرد في العراق تحتفظ بنفس المستوى من القوة التي كانت عليها في العام الماضي، بل زادت معدّلات هجماتها والخسائر التي توقعها، بحيث تراوح عدد هجماتها الأسبوعية بين 60 و70 هجوما، فيما تدّعي إدارة الرئيس بوش وجود 168 ألفا من الجنود العراقيين المدربين والمؤهلين للتعامل مع الوضع الأمني المتدهور بسبب حركة التمرد.

وشكك بايدن في صحة ذلك الإدعاء وقال، إن قوات الأمن العراقية لا تقوى على مواجهة حركة التمرد، رغم الدعم الذي تقدمه قوات التحالف لها، ونبه السناتور الديمقراطي إلى القصور الهائل في عملية إعادة بناء العراق، واستشهد على ذلك بأنه تم إنفاق 6 مليار دولار فقط من 18 مليار خصصها الكونغرس لإعادة بناء العراق، وبلغت نسبة الإنفاق على تدريب وتأهيل القوات العراقية 40% من المليارات الستة، فيما بلغت البطالة معدلات تتراوح بين 40 و50%.

ومع ارتفاع أرقام الخسائر الأمريكية من جرّاء هجمات حركة التمرد لتصل إلى قتيلين يوميا في المتوسط، أظهر استطلاع أجرته صحيفة نيويورك تايمز أن 60% من الأمريكيين أصبحوا يعتقدون بأن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ بالنسبة للولايات المتحدة في العراق، مما جعل نسبة 59% من الأمريكيين يُـساندون الانسحاب من العراق.

من هم المتمردون وماذا يريدون؟

للإجابة على هذا التساؤل أصدر المعهد الأمريكي للسلام دراسة أعدها أماتزيا بارام، توصّـلت إلى أن تعريف المتمردين في العراق يستوجب التطرق إلى ما يُـريدون تحقيقه، ومن هذا المنطلق خلّـصت إلى النتائج التالية:

أولا، التمرد السُـني يعود إلى عدد من الانتماءات الرئيسية المناهضة للولايات المتحدة وللحكومة العراقية، وعضوية حزب البعث أو روابط سابقة مع نظام صدام حسين، والالتزام القوي بالإسلام، والانتماء القبلي والحرص على المصالح والقيم القبلية.

ثانيا، تمرد الضباط السابقين في الجيش وقوات الأمن العراقية وأعضاء حزب البعث الذين فقدوا امتيازاتهم في ظل الحكومة العراقية الجديدة، والشعور بالهوان من جراء العيش تحت الاحتلال الأجنبي، بل واحتمال سيطرة النفوذ الشيعي لفترة طويلة على الحكم في العراق دفع هؤلاء إلى حمل السلاح والمشاركة في حركة التمرد.

ثالثا، تمرّد رجال القبائل السُـنية بسبب فقدانها لموارد مالية أساسية من عمليات التجارة غير المشروعة عبر الحدود بسبب الوجود العسكري الأمريكي.

رابعا، التمرّد المستند إلى الانتقام من قيام القوات الأمريكية بقتل أقارب للمتمردين في عمليات، خاصة تلك التي فتح فيها الجنود الأمريكيون النار على مدنيين عراقيين غير مقاتلين.

خامسا، تمرد العراقيين السُـنة الذين تحوّلوا من عضوية حزب البعث إلى حركة الإخوان المسلمين في العراق، وبتأثير خاص من كتابات محمد أحمد الراشد.

سادسا، تمرد المنتمين إلى الجماعات الإسلامية السلفية والوهابية.

سابعا، التمرد الذي ينضوي تحت لواء المقاتلين الأجانب المتسللين من خارج العراق.

وتوصلت دراسة معهد السلام الأمريكي إلى أنه رغم أن جانبا كبيرا من المتمردين في العراق ضِمن الجماعات السلفية الوهابية جاءوا كمقاتلين من الخارج في إطار حركة عالمية للجهاد، فإن غالبية أعضاء جماعات التمرد الإسلامية التوجّـه هم من المواطنين العراقيين، كما أن الكشف عن انتهاكات الجنود الأمريكيين لحقوق السجناء العراقيين في سجن أبو غريب وفّـرت المزيد من التأييد لحركة التمرد والمقاومة ضد القوات الأمريكية.

وخلصت الدراسة إلى أن حركة التمرد السُـني داخل العراق يمكن تقسيمها إلى مجموعتين، إحداهما يمكن أن تتوصل إلى مصالحة مع الحكومة العراقية لتأمين المصالح المشروعة للعراقيين السُـنة، والمجموعة الأخرى سترفض أي تقارب مع الحكومة العراقية، وتضم الإسلاميين السلفيين والوهابيين والبعثيين السابقين الذين لا يتوقعون مستقبلا لهم تحت نظام الحكم الجديد. ونبّـهت الدراسة إلى أن معظم العراقيين السُـنة يرون أن الحكومة العراقية الحالية ليست حكومة شرعية.

الاتصالات مع المتمردين وكيفية التعامل معهم

وبعد ان أقر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بصحة التقارير الصحفية، التي أفادت بأن مسؤولين عسكريين أمريكيين أجروا لقاءات سرية مع عدد من قيادات السُـنة المتعاطفين مع المتمردين في العراق خلال الشهر الماضي بهدف وقف نزيف الدم من الجانبين، والاستماع إلى مطالب المسلحين والمتمردين، أشار مؤخرا إلى أن الضباط الأمريكيين كانوا بلقاءاتهم تلك يسهِّـلون للحكومة العراقية فُـرص الاتصال مع من تريد إقامة علاقات معهم من بين عناصر التمرد المسلح، إلا أن تلك الاتصالات لم تصل بعد إلى مستوى التفاوض حول وقف حركة التمرد التي توقّـع رامسفيلد أن تستمر لمدة قد تصل إلى عشرة أعوام.

وسارع الجنرال جورج كيسي، القائد العام لقوات التحالف في العراق إلى وصف المحادثات مع المتعاطفين مع حركة التمرد بأنها جزء من إجراءات بناء الثقة، وحث المنشقين على تأييد جهود الحكومة في بناء عراق جديد. لكن الدكتور أنتوني كوردسمان، خبير شؤون الشرق الأوسط في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن قال لسويس إنفو، إن التعامل مع الوضع المتدهور في العراق يقتضي التعامل مع جذور حركة التمرد، وأسباب تعاطف البعض معها وطرح من جانبه أربعة حلول تساعد في هذا الصدد:

أولا، تشكيل حكومة عراقية واسعة التمثيل تضم كافة القوى السياسية والفئات العرقية، وتحرص على توفير حوافز حقيقية للسُـنة ليقبلوا على المشاركة فيها.

ثانيا، بدء عملية سياسية من خلال دستور جديد للعراق يمنح السُـنة قوة سياسية معقولة، ونصيبا مناسبا من ثروات العراق، وحماية ملائمة لحقوق السُـنة، شأنهم في ذلك شأن الشيعة والأكراد وباقي الطوائف والأعراق.

ثالثا، الإسراع في خُـطى تدريب القوات العراقية لتُـصبح قادرة بالفعل على تسلّـم مهام حفظ الأمن والنظام من قوات التحالف، كي ينعم العراقيون بما يحتاجونه ويستحقّـونه من مناخ آمن، يمكن للحكومة العراقية من خلاله ممارسة سيادتها الكاملة.

رابعا، البحث عن سُـبل لضمان توفير الكفاءة لعملية إعادة بناء العراق من خلال المساعدات الأمريكية دون الإهدار الهائل الجاري حاليا، والمستند إلى ضمان تدفق مئات الملايين من الدولارات إلى المقاولين والشركات الأمريكية والأجنبية، وضرورة نقل تخطيط استخدام هذه المساعدات للعراقيين أنفسهم لكي يشعروا بأنهم سادة مصيرهم الاقتصادي مع توفر الشفافية اللازمة للحيلولة دون الفساد.

ونبه كوردسمان إلى أن الحلول المقترحة ليست كفيلة بالقضاء على حركة التمرد في العراق، ولكنها توفر فرصة معقولة لخلق مناخ يمكن فيه انحسار التمرد، وكذلك تقليص الوجود العسكري الأجنبي على التراب العراقي بشكل يُـسهم في تقليص التأييد والتعاطف مع حركة التمرد.

وأكد الخبير الاستراتيجي الأمريكي لسويس إنفو أن اللقاءات بين عسكريين أمريكيين وزعماء عراقيين مساندين لحركة التمرد ليست جديدة، بل بدأت مع بداية التمرد، وعندما تشكلت الحكومة العراقية الجديدة في أبريل الماضي، تابعت اللقاءات مع تلك الشخصيات العراقية المتعاطفة مع المتمردين وأسفرت عن قناعة بأن هناك حوافز عديدة لكثير من قادة السُـنة الذين ساندوا التمرّد للتحوّل إلى مساندة الحكومة العراقية، وأشار إلى أن الحكومة العراقية تعقِـد لقاءات مع شخصيات من السُـنة لا تنتمي للنظام السابق، ولا للمسلحين الأجانب من أتباع أبو مصعب الزرقاوي أو الجماعات الإسلامية المتطرفة التي وصلت إلى حد اتهام الشيعة بأنهم مارقون عن الإسلام.

فشل راديو سوا وقناة الحرة

وتطرق الدكتور كوردسمان في لقائه مع سويس إنفو إلى توصية أخرى اشتملت عليها دراسته الأخيرة التي أعدها عن كيفية مواجهة الوضع في العراق، وتتعلق التوصية بجهود الدبلوماسية العامة الأمريكية.

وقال فيهذا السياق، إنها وقعت في خطأ أساسي بالاعتماد على الشعارات و"البروباغندا"، ولم تف بالاحتياجات المعرفية الأساسية للمواطن العراقي الذي يريد التعرف على النوايا الحقيقية للولايات المتحدة في العراق، والتأكّـد من أن القوات الأمريكية لم تذهب إلى العراق لتبقى، وأنها سوف تنسحب بمجرد تمكّـن الحكومة العراقية وقوات الجيش والشرطة من السيطرة على الوضع الأمني، وأنه ليست هناك نوايا أمريكية لإقامة قواعد عسكرية ترسِّـخ الوجود العسكري الأمريكي في العراق، أو أن الولايات المتحدة تطمع في الاستيلاء على ثروات العراق النفطية.

وقال كوردسمان، إن كل تلك الاحتياجات لا يمكن تلبيتها بالحديث بشكل عام عن ضرورة التحول الديمقراطي في العالم العربي، أو بإطلاق أبواق الدعاية والبروباغندا، مثل راديو سوا وقناة الحرة الأمريكيين والإيهام بأنهما قدّما خدمة جديدة للدبلوماسية العامة الأمريكية بمزج الموسيقى العربية بالموسيقى الأمريكية و"الرّوك آند رول" والبرامج المدبلجة، وتقديم ما يُـسمى بالقِـيم الأمريكية التي واصلت الشعوب العربية الاطّـلاع عليها لعشرات السنين من خلال إذاعة صوت أمريكا ومن شبكات التليفزيون الأمريكية، التي تصل منذ سنوات للمشاهد العربي، بل واطلع العرب على القِـيم الأمريكية من خلال قنواتهم الفضائية.

وأشار كوردسمان إلى أنه تأكّـد عبر جولاته المتعاقبة للعواصم العربية من عدم صدق ادعاءات المسؤولين عن راديو سوا وقناة الحرة حول الانتشار الواسع لهما بين الجماهير العربية، وخاصة في العراق، وقال: "إنهما لا يتمتعان بذلك الانتشار الجماهيري في العالم العربي، وليس لهما أي وقع أو تأثير، وكان من الأجدر استخدام الأموال الطائلة التي أهدِرت في الإنفاق على المحاولة الفاشلة لراديو سوا وقناة الحرة في تمويل برامج أكثر جدوى، يقوم بها متخصصون في الدبلوماسية العامة في السفارات الأمريكية للتعامل بعمق مع احتياجات الجماهير العربية للتعرف على الكيفية التي ستساعد بها أمريكا طموحات الشعوب العربية في التحول الديمقراطي، سواء في العراق أو في مصر أو غيرها"، حسب قوله.

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة