Navigation

من يعيد تأهيل حماس؟

إسماعيل هنية الذي اختارته حركة المقاومة الاسلامية (حماس) لتولي منصب رئيس الوزراء الفلسطيني مخاطبا وسائل الإعلام في مخيم الشاتي للاجئين في قطاع غزة يوم الجمعة 17 فبراير 2006 Keystone

شكل انتصار حماس فى الانتخابات الفلسطينية ورطة ومأزقا مركبا لكل الأطراف دون استثناء.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 فبراير 2006 - 15:01 يوليو,

فهناك الذين فرحوا لهذا الانتصار وهللوا له .. وهناك الذين انزعجوا منه ووجدوا فيه خيبة كبيرة وكابوسا لا حدود له.. وصنف ثالث تعامل بـ "واقعية" مع الواقع الجديد.

شكل انتصار حماس فى الانتخابات الفلسطينية ورطة ومأزقا مركبا لكل الأطراف دون استثناء، للذين فرحوا لهذا الانتصار وهللوا له من الفلسطينيين أو غيرهم، وأيضا للذين انزعجوا منه ووجدوا فيه خيبة كبيرة وكابوسا لا حدود له، خاصة وراء الحدود فى اوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل.

وربما جاز لنا أن نضع بين هؤلاء الفرحين جدا والمنزعجين كلية صنفا ثالثا تعامل بواقعية على مضض أحيانا أو مواءمة مع واقع فرض نفسه بكل قوة ولا قابلية لرده على أعقابه.

صنف ثالث

هذا النصف الثالث تواصل مع حماس وفى باطنه هدف المساعدة على إعادة تأهيلها كهدف أقصى، أو تقديم النصائح السياسية والدعم المعنوى والنصح بالمرونة كحد أدنى. وبينهما استمرار التواصل معها كباب خلفى لتواصلها مع غيرها من عواصم القرار الاقليمية والدولية.

من بين هؤلاء تبرز مصر والأردن عربيا، بما لهما من علاقات مفتوحة مع كل أطراف الصراع، كما تبرز موسكو التى حرصت على توجيه دعوة لقادة حماس السياسيين للقاء معهم فى موسكو مطلع مارس المقبل اعترافا منها بالوضع الجديد فى الأرض الفلسطينية، حتى ولو تشكلت الحكومة الجديدة من ممثلى حماس وحسب، طبقا لتأكيدات وزير الخارجية الروسى لافروف.

وبالرغم من أن فرنسا تبدو غير قادرة على الانخلاع من الموقف الأوروبى الضاغط على حماس والمطالب لها بالانصياع التام للشروط الإسرائيلية حتى تحظى ببعض الرضى الاوروبى من حيث التواصل السياسى والمعونات الاقتصادية، فإنها ـ أى باريس ـ قد تفهمت الدعوة الروسية لقادة حماس ومن قبل لقاءات قادة حماس فى دول عربية عدة، لاسيما وأن الرئيس الروسى قد برر هذه الدعوة بأنها مسعى لمساعدة حماس على تحسين علاقاتها مع الأسرة الدولية وان تتخلى عن موقفها الرافض الاعتراف بإسرائيل. وهو ما اعتبرته فرنسا يصب لصالح الموقف الأوروبي من حيث الجوهر، وإن اختلف معه فى الأسلوب.

مستويات إعادة التأهيل

إذا تحدثنا عن إعادة التأهيل لحماس، سنجد أن لها معان عديدة، او لنقل مساحة واسعة وممتدة من التحركات، قمتها أن تقبل حماس بالشروط الإسرائيلية والأمريكية المعلنة نظير لا شئ تقريبا، فلا اعتراف بها ولا قبول لممثليها فى مائدة المفاوضات المفترضة نظريا، و لا اعتبار لمطالبها بشأن التسوية وتصحيح بعض أخطائها.

المهم فقط أن تقدم التنازلات نظير معونات ستقدم للسلطة وربما بشروط من بينها ألا تستفيد منها أى وزارة يقوم عليها مسئول من الحركة. وبذلك يكون هذا النوع من التأهيل نوعا من الانتحار السياسى لحماس بين الفلسطينيين، سواء انتخبوا ممثليها، او لم يفعلوا.

أما أقل مستويات إعادة التأهيل شأنا فهو أن تقبل الحركة بعد أن تشكل الحكومة وتقود المجلس التشريعى بأن تظل ملفات المفاوضات والعلاقات مع إسرائيل فى يد فريق المفاوضين السابق من فتح، دون اعتراض، وان تمرر ما يصلون مع الجانب الإسرائيلى إليه إن توصلوا إلى شئ.

أو بمعنى آخر ان تترك تحفظاتها على ما فات من اتفاقيات، وان تفعل الأمر نفسه فى أى اتفاقيات جديدة. وهو ما يشبه تطويع إرادة حماس فى الشئون الخارجية، على أن يترك لها مساحة مناسبة من التصرف فى الشئون الداخلية.

وما بين الحدين يمكن لحماس أن تعكف على إصلاح الداخل الفلسطينى وأن تبدى رأيها بدون حدة أو تتمسك به فى القضايا الخارجية كذلك، لاسيما فى العلاقة مع إسرائيل، وفى المسائل الأمنية.

خطط عقاب إٍسرائيلية

هذه الأشكال والمستويات من تعامل حماس مع ملفات الخارج والداخل مطروحة نظريا، والتى يميل إلى كل منها طرف بذاته فى الإطارين الاقليمى والدولى، تختلف مع تلك الخطط التى باتت تعلنها حكومة أيهود أولمرت وقوامها الاستمرار فى عزل حماس تماما دوليا، ومعاقبة الشعب الفلسطيني عبر حصاره اقتصاديا وماليا ومنع الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل، بل والتفكير فى وقف إمدادات الطاقة، والتهديد بإعادة اجتياح العديد من المناطق والبلدات التى تم الانسحاب منها فى أوقات سابقة.

وهى سياسة تجد تأييدا أمريكيا ومشاركة فى التنفيذ، استنادا إلى مقولة أن حماس حركة إرهابية تريد تدمير الدولة العبرية ولا يجوز التعامل معها، حتى ولو جاءت إلى السلطة عبر طريقة ديمقراطية لا شائبة فيها.

إشارات مرنة من الحركة وتعنت إسرائيلي

الحركة من جانبها، وعلى لسان كثير من قياداتها، تبدى الكثير من الإشارات بأنها تتفهم تماما ماذا يعنى وضعها الجديد. صحيح أنها لن تتنازل عن مبدأ المقاومة ولن تفرط فى سلاحها بسهولة ، لكنها تنظر بواقعية إلى ما يحيط بها، فلا إمكانية لتجاوز الاتفاقيات السابقة التى توصلت إليها السلطة، ولكن سيكون من الصعب ترك الأمور على عواهنها إذا كانت هناك اتفاقيات جديدة. ولا إمكانية أيضا لعدم التعامل مع إسرائيل كأمر واقع، كما قال موسى أبو مرزوق نائب رئيس الحركة، تماما كما هو التعامل مع الاحتلال كأمر واقع دون إسباغ أى شرعية عليه كما قال إسماعيل هنية المرشح بقوة لرئاسة الحكومة الجديد.

وفى الإطار ذاته يتم الإفصاح عن ضرورة تفعيل بنود اتفاق القاهرة الموقع فى مارس العام 2005، لاسيما مبدأ عضوية حماس فى منظمة التحرير الفلسطينية، التى اعترفت بإسرائيل، ويظل لها حق التفاوض معها، وبما يحل إشكالية الحركة فى مسألة الاعتراف بإسرائيل.

المعنى هنا أن الكثير من تصريحات قادة حماس والمصاغة بقدر عال من الدقة والوضوح، كلها تبشر بنوع من المرونة السياسية،الاستعداد للتجاوب مع بعض المتطلبات، بشرط أن يكون لذلك مردود على حقوق الشعب الفلسطينى وسعيه نحو التحرر وإقامة دولته المستقلة.

وفى المقابل من مرونة تتبدى خطوة خطوة، يتبلور موقف إسرائيل الرافض بقوة لكل ما له صلة بحماس وبحقها فى تشكيل الحكومة كما تقضى الأعراف الديمقراطية.

وهو رفض يجد جذوره فى حسابات الانتخابات التشريعية الإسرائيلية فى مارس المقبل، والقائمة أساسا على مزايدات حول من يمكنه أن يسدد للفلسطينيين بحماس كما بغيرها المزيد من الضربات والإهانات والإذلال والتجويع والحصار وباقى المفردات المعتادة فى قاموس الاحتلال الاسرائيلى.

كما أنها غير مقبولة جملة وتفصيلا من قبل الراعى الاول لإسرائيل الولايات المتحدة التى قرر الكونجرس فيها تشريعيا يقضى بمنع التمويل المباشر عن السلطة الفلسطينية إذا شكلت حماس الحكومة الجديدة.

أسس إعادة التأهيل

فى هذا السياق العام، تبدو مواقف الساعين لمساعدة حماس على تأهيل نفسها بما يلائم وضعها الجديد قائمة على دعامتين جوهريتين.

الاولى أن حماس جاءت إلى السلطة بتفويض شعبى غير قابل للتشكيك أو التراجع. وبالتالى فالتعامل معها هو نتيجة منطقية لكل من يحترم إرادة الشعب الفلسطيني. والثانية أن الوقوف مع حماس فى وضعيتها الجديدة لا يعنى بالضرورة قبول كل رؤيتها للصراع مع إسرائيل، بقدر ما يعنى تبصيرها بمتطلبات هذه الوضعية بما فى ذلك تغيير بعض القناعات التى تصلح لموقف المعارضة ولكنها لا تتسق إلا بنسب أقل مع وضعية المكلف بإدارة والدفاع عن حقوق شعب بأكمله فى ظل ظروف معقدة وآخذة فى مزيد من التعقيد.

ويمكن أن نضيف ثالثا أن الرشادة السياسية والتحسب من الانعكاسات السلبية للانقلاب على حماس أو معاقبة الشعب الفلسطيني ككل بما فى ذلك إغلاق كامل لأبواب العملية السياسية وفتحها على مصراعيها لدورة عنف لا قبل للمنطقة بها، يفرضان جذب حماس إلى العمل السياسى وتغليبه على العمل العسكرى.

هذه الأسس تعكس قناعة بأن حماس فى موقعها الجديد ضمن أبنية السلطة والتزاماتها فى الداخل والخارج، لن تكون كحماس فى موقعها القديم كقطب معارض يحقق شعبية جارفة نتيجة أخطاء الغير من جانب وتمسكه بالمقاومة من جانب آخر، وبراعته فى التواصل الخدمى مع فقراء الشعب الفلسطيني من جانب ثالث، مع التزام بالنزاهة من جانب رابع.

وامتدادا لهذه القناعة تبرز دعوة الرئيس مبارك والرئيس الروسى بوتين بضرورة إعطاء حماس فرصة مناسبة لكى تعيد ترتيب أوضاعها وفقا لوضعها السياسى الجديد، مع استبعاد كل ما يصب فى دائرة العقاب الجماعى للشعب الفلسطينى كله، أو يقدم رسالة خاطئة للشعوب العربية والإسلامية فى وقت تتأجج فيه مشاعر الغضب ضد تصرفات غربية عديدة.

د. حسن ابوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.