Navigation

مواجهات فرنسا .. سقوط النماذج الجامـدة!

سيارات تعرضت للحرق في أحد أحياء العاصمة الألمانية برلين يوم 7 نوفمبر 2005: المخاوف من انتشار الحريق إلى خارج فرنسا لا زالت قائمة Keystone

يتابع الأوروبيون بتوجس المواجهات المستمرة بين جيل الشباب وقوات الأمن في أحياء الاسمنت الفرنسية، حيث اضطرت السلطات تفعيل قوانين تعود إلى الخمسينات لفرض حظر التجوال فيها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 نوفمبر 2005 - 09:01 يوليو,

وفيما تكثر التساؤلات حول مسببات انفجار دوامة الاعتداءات والعنف واتساعها إلى أكثر من مدينة، تظل الإجابات غائمة ومحدودة.

ويتساءل كثيرون حول مسببات انفجار دوامة الاعتداءات والعنف واتساعها إلى أكثر من مدينة، وإن كانت الدوافع نفسها كامنة في مختلف المدن الأوروبية، وغالبيتها تضم ملايين السكان المنحدرين من أصول مغاربية وتركية وإسلامية، ولا يخفي البعض خشيتهم من انتشار "انتفاضة" أحياء الاسمنت الفرنسية إلى دول الجوار.

وتجري المقاربات (من طرف الخبراء والباحثين والساسة) علّـها تقود إلى وجود وصفة العلاج للقطيعة التي فصلت جزءا من المجتمع الفرنسي، بعد تهميشها على مدى عقود في أبراج الإسمنت المسلح. وقد تكون الوصفة، إن وجدت، لقاحا ضد القطيعة الكامنة في المدن الكبرى الأوروبية.

إفلاس ميثاق الجمهورية

لقد انفجر جيل المهاجرين في فرنسا في وجه أقطاب السياسة الفرنسية، والمرشحين لقيادة أعلى المناصب فيها، في مقدمتهم وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، الذي تجاهل تأثير الكلمة ووقعها في نفوس هؤلاء الفرنسيين الذين لم يجدوا مكانهم في المدينة الحديثة.

وتتجاوز الأزمة الحالية حدود الخطاب السياسي، إذ هيمنت عليه في كل يوم طموحات نيكولا ساركوزي وصراعه المعلن ضد رئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان تمهيدا لمعركة الرئاسة المرتقبة عام 2007.

وتذكّـر الأزمة المراقبين للشأن الاجتماعي الفرنسي وللأوضاع الاجتماعية في الساحة الأوروبية ككل، بأن أجيالا تنحدر من أصول مغاربية وإفريقية لم لم تعد تقبل بالبقاء على هامش المدينة، حيث البطالة تنخر العائلة الواحدة للجيل الثالث على التوالي، وتصل في بعض الأحياء الفقيرة إلى معدل 40%، وتتراكم مشاكل الفشل المدرسي، وانعدام فرص المساواة، حتى بالنسبة للذين يحملون شهادات جامعية، الذين لا يجدون مواطن عمل، ولا زال بعضهم يُـرفض لأنه يحمل إسما عربيا أو مسلما. وبذلك، يتساوى الطالب الذي فشل في المدرسة مع الذي تفوّق حتى النهاية ويلتقيان في الشارع.

وتذكر تحقيقات ميدانية، أجرتها منظمات متخصصة، أن أرباب العمل يرفضون طلبات الوظيفة التي يحمل أصحابها أسماء عربية وإسلامية. وقد تعززت الظاهرة في ظل المناخ الذي ولدته العمليات الإرهابية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وهي ظاهرة تتجاوز حدود فرنسا، حيث اعترفت وكالات التوظيف في بروكسل مثلا أن المؤسسات تطالبها عدم تزويدهم بكوادر ينحدرون من البلدان العربية والإسلامية. وهذه الحقيقة الثقافية والإجتماعية قد تكون ضمن مسببات فشل السياسات الإدماجية التي سلكتها فرنسا على مدى العقود الماضية.

وتستند الحكومات الفرنسية إلى ميثاق الجمهورية الذي يحظر تعبير الطائفة أو المجموعة العرقية أو الدينية داخل الحيز الوطني. لذلك، كان رد الطبقة السياسية بمختلف أطيافها سلبيا، على سبيل المثال تجاه تعبيرات الحجاب لدى الطالبات من أصل مسلم.

فشل الأنموذج الطائفي

لكن الفشل الفرنسي لا يمثل حالة فريدة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يأتي الانفجار الجديد بعد الهزات الخطيرة التي ترتبت عن العمليات الإرهابية التي أدمت إسبانيا وهولندا عام 2004 وبريطانيا في صيف عام 2005.

وبينما تمثل إسبانيا دائما، مثل إيطاليا، بلد العبور بالنسبة للكثير من المهاجرين الذين يقصدون شمال الاتحاد الأوروبي، فان سياسة كل من هولندا وبريطانيا تميّـزت على مرّ الأعوام بقدر كبير من "التسامح"، لأنها تفسح المجال أمام الجاليات المهاجرة بتنظيم بعض مظاهر حياتها الاجتماعية وتقاليدها الثقافية، من دون حاجة لتراخيص المؤسسات العلمانية للدول.

إلا أن أحداث العامين الأخيرين دلّـت على أن الإدارة الذاتية للشؤون الثقافية والدينية لم تكن دليل تسامح بقدر ما هي - حسب وصف عالم الاجتماع الهولندي بول سكيفر - "دليل لا مبالاة المجتمع المضيف بتواجد الجاليات الأجنبية إلى أن أتت الصدمة"، وتمثلت في اغتيال المخرج تهيو فان غوغ على يد شاب هولندي من أصل مغربي ضاق ذرعا بمشاهد فيلم "الإذعان"، التي صورت امرأة تصلي وتتذرع إلى الله وهي في ثوب إباحي، ويقصد الفيلم "خضوع" المرأة في الإسلام، ولم يتردد المخرج عن كتابة آيات من القرآن الكريم على جسم المرأة شبه العارية.

وأثار الاغتيال ردّة فعل قطاعات من الهولنديين، تجسّـدت في إضرام النار في ما لا يقل عن 20 مؤسسة دينية وتربوية إسلامية. واعتبر عالم الاجتماع بول سكيفر أن "بعض أفراد الجالية الإسلامية تجاوزوا الخطوط الحمر، وأن ما حدث كان دليل اهتزاز نظام الاندماج الاجتماعي على أساس تواجد الطوائف جنبا إلى جنب، وكشفت أزمة اغتيال المخرج فان غوغ هشاشة جسور الحوار والتبادل بين طوائف المجتمع الهولندي"، على حد قوله.

وقد ينسحب الاستنتاج نفسه على بريطانيا التي اهتزت بتفجيرات 7 يوليو 2005، وصدمت بما كشفته التحقيقات من أن مدبري العمليات الانتحارية كانوا بريطانيين مسلمين ولدوا في المملكة المتحدة، وينحدرون من أصول إسلامية باكستانية، شأنهم شأن الشاب الهولندي الذي ينحدر من أصل مغربي واغتال المخرج فان غوغ.

ويعكس الفشل البريطاني والهولندي، مثل إخفاق فرنسا، صعوبات حل المشاكل التي تعانيها فئات الشباب الأوروبيين الذين ينحدرون من أصول إسلامية وعربية، وهم يواجهون معضلات البطالة والهوية والتهميش الثقافي.

الحل الوسط البلجيكي

لكن الصورة تبدو أقل سوادا في نظر البلجيكيين، حيث تسود اليقظة من عدوى انتفاضة الغيتو الفرنسي. ويتحدث محفوظ رمضاني، النائب في برلمان بروكسل عن تشابه الأوضاع في الأحياء الشعبية في أوروبا "في مشاكل ارتفاع البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و35 عاما، واتساع دائرة الفقر في الاتحاد الأوروبي بشكل عام، وسوء ظروف السكن بالنسبة للفئات ذات الدخل الضعيف".

لكن الانفجار حدث بشكل واسع ومذهل في فرنسا دون غيرها من البلدان الأوروبية، حتى وإن شهد بعضها مناوشات "معزولة"، حسب قوات الأمن، في ألمانيا وبلجيكا وهولندا.

ويرى النائب رمضاني (وهو من أصل تونسي)، بأن بلجيكا قد شهدت توترا خطيرا في بعض الأحياء الشعبية في مطلع الثمانينات، لكن السلطات "لم تخل المكان، بل واجهت المشكلة عبر تشجيع النسيج "الجمعياتي" لاستيعاب الشباب الذي يعاني صعوبات الإقصاء الاجتماعي".

ويعد إقليم بروكسل لوحده 450 جمعية تعمل في صفوف البلجيكيين المنحدرين من أصل أجنبي، والمهاجرين غير الأوروبيين. ويرى محفوظ رمضاني بأن الجمعيات تشكل "شباك الأمان من الهزات الاجتماعية الخطيرة". ويتميز الوضع الاجتماعي في بلجيكا عن الحالة المفاجئة في فرنسا بظاهرة تواجد الفئات الاجتماعية ذات الدخل الضعيف في وسط المدن، وبشكل خاص في بروكسل أين تنعدم أبراج الأسمنت.

ويرى رمضاني بأن "فرنسا وضعت المهاجرين في أحياء بعيدة عن وسط العاصمة، ووجدوا أنفسهم في غيتو عرقي من دون نسيج جميعاتي". ويلاحظ المراقبون "اختلافا نوعيا" بين الأوضاع في كل من فرنسا وبلجيكا يتمثل "في أهمية التمثيل السياسي والنيابي للسكان البلجيكيين من أصل أجنبي"، حيث تصل نسبة النواب الذين ينحدرون من أصول غير أوروبية إلى 10% من مقاعد المجالس البلدية لإقليم العاصمة. ويعد برلمان بروكسل 17 نائبا من أصل غير أوروبي من إجمالي 89 نائبا، هم أعضاء برلمان إقليم العاصمة البلجيكية".

ويفضل العاملون في حقل الهجرة في بلجيكا "أنموذج الحلول الوسط" الذي تقوم على أساسه التوازنات في البلاد تقليدا، بين الفلامنكيين والفرانكفونيين وتباعا مع الجاليات المقيمة منذ أجيال.

ولاحظ جمال اكازبان، العضو في بلدية مولنبيك الشعبية وسط بروكسل، بان "السكان يرون ويلمسون انخراط المسؤولين والنشطين من أصول غير أوروبية في الحياة السياسية والاجتماعي، مقارنة مع ضعف التمثيل في فرنسا". ويعتقد محفوظ الرمضاني من جهته أن "الأنموذج الفرنسي القائم على ميثاق الجمهورية، وعدم الاعتراف بخصوصية الآخر قد أفلس. كما أن الأنموذج القائم في أساس الطائفة في كل من هولندا وبريطانيا ينمي الفكر الطائفي لدى الأوروبيين الجدد، ويعاني أيضا من هشاشة الجسور التي تربط بين الجاليات، مثلما دلّـت على ذلك العمليات الإرهابية وردود الفعل العرقية والثقافية".

وقد يبدو وضع "حلول الوسط" في بلجيكا أفضل من التجارب الأخرى التي كثيرا ما تم تقديمها في السابق على اعتبار أنها نماذج سياسة اجتماعية موفقة، إلا أنه لا يمثل وصفة كاملة يمكن اعتمادها بمثابة الأنموذج الأوروبي، وذلك بالنظر إلى ارتفاع معدلات البطالة في الأحياء الفقيرة، وانعدام تكافؤ الفرص بين البلجيكيين من أصل أوروبي والبلجيكيين من أصل مغاربي وتركي.

غياب التصور الأوروبي

وتعد أوروبا الغائبة الأكبر في هذه الأزمة التي تثير مخاوف الملايين. ويبدو صمت الإيطالي فرانكو فراتيني، عضو المفوضية الأوروبية (الهيكل التنفيذي للإتحاد)، والمسؤول على ملف الهجرة والشؤون الداخلية مثيرا في ظل الأحداث الجارية، بعد أن كان كثير الحديث والأوراق على مدى الشهرين الماضيين.

لقد قدم فراتيني - منذ توليه المنصب - أكثر من ورقة عَـرض فيها مقترحاته لتشديد الرقابة على الحدود الخارجية، ودعم إجراءات استئصال التطرف في الأحياء التي تسكنها جاليات إسلامية، لكنه صمت في السابق عن انتهاكات أبسط الحقوق الإنسانية للمهاجرين غير الشرعيين، في مركز ترحيلهم في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وخاصة خلال محاولات تسللهم إلى سبته ومليلية.

ويمكن القول أن طول صمته - رغم كثر الأسئلة الموجهة إليه من طرف الصحافيين - تمثل دليلا آخر على انعدام التفكير الأوروبي المشترك في مستقبل ملايين المواطنين الأوروبيين الذين يعانون من التمييز في فرص التدريب والعمل والسكن.

نورالدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.