تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مُوسى لا يمتلكُ عصا سحرية

تطوير الجامعة هو نتاج تفاعلات عربية سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية معا، وتلك بدورها اكبر من مهمة شخص بعينه أيا كانت قدراته

(Keystone)

مع اقتراب عقد القمة العربية في بيروت، وكما هو الحال في قمم سابقة، يثور الحديث حول إصلاح الجامعة العربية وتطوير أدائها حتى يمكنها مواجهة التحديات المختلفة التي تحيق بالعالم العربي. ومنذ أن عين عمرو موسى أمينا عاما للجامعة ومثل هذه التساؤلات اكثر إلحاحا من ذي قبل..

فالرجل تسلم منصبه الجديد في مايو من العام الماضي بعد حوالي ثلاثة أشهر من إعلان مصر ترشيحه للمنصب بعد انقضاء المدة الثانية للامين العام السابق د. عصمت عبد المجيد. ومنذ اللحظة الأولى عَوًل الكثيرون على كفاءة عمرو موسى الشخصية من أجل إعادة بناء وهيكلة الجامعة لتتناسب مع التطورات الجارية عربيا ودوليا من ناحية، ولكي تتفاعل بصورة اكثر فاعلية مع المنظمات الإقليمية الأخرى، التي ولدت بعدها بعقود طويلة لاسيما في آسيا، ولكنها سبقتها من حيث الفاعلية والحضور الإقليمي والدولي.

كان المثير في ذلك أن هؤلاء قد استندوا إلى ما اعتبروه خصائص شخصية عمرو موسى، التي تمزج بين الحضور والديناميكية والبُعد القومي والإحساس الدائم بالحاجة إلى التطوير، إضافة طبعا إلى ما يمكن وصفه بالإنجازات والتطويرات المؤسسية التي لحقت بوزارة الخارجية المصرية والتي طبقها حين كان وزيرا للخارجية المصرية ولمدة تقارب 11 عاما متصلة.

هذا العاملان، السمات الشخصية وتطويرات وزارة الخارجية المصرية، مثلا السند الأساسي للتكهنات بأن الجامعة العربية في عهده ستكون مختلفة عما كانت عليه في عهد سابقيه، وأنها ستتحول إلى منظمة إقليمية عصرية وفاعلة تنافس في حضورها وأدائها المنظمات الإقليمية المناظرة.

وجاءت أفكار عمرو موسى نفسه التي طرحها في جلسة ترشيحه أمام القمة العربية التي عقدت في عمان العام الماضي، والتي كشفت امتلاكه تصورا عاما لتطوير دور الجامعة العربية، لتزيد من زخم تلك التكهنات، ولتجعل في الآن نفسه محاسبة الأمين العام الجديد للجامعة وفقا لما يمكن أن يفعله في هذا الصدد مقارنة بأفكاره وطموحاته هو.

ماذا فعل عمرو موسى؟

والآن ونحن على أبواب القمة الثانية، يطرح التساؤل نفسه، ماذا فعل عمرو موسى للجامعة؟ وهنا نشير إلى أن الوثيقة المنسوبة لعمرو موسى بشأن تطوير الجامعة تتضمن أفكارا كلية وليست تفصيلية، وتبدأ بالإشارة إلى بعض نقائص ومعوقات العمل العربي المُشترك مثل: تناثر آليات العمل العربي المشترك، وضعف التنسيق بين كافة عناصر المنظومة، والازدواجية، وضعف التأثير الفعلي للجامعة، والجهل بالإنجازات بسبب قصور الإعلام العربي، وانهيار الثقة في منظومة العمل العربي المشترك.

وتشير الرؤية المطروحة إلى أن تطوير الجامعة يجب أن يمتد ليشمل محاور عدة، من بينها الأمانة العامة لكي يتناسب دورها مع مبدأ دورية انعقاد القمة، وتطوير كافة أنظمة الوكالات المتخصصة، وبما يؤدى إلى حماية المصالح القومية ومواكبة المستجدات الإقليمية والدولية. وتذهب الرؤية إلى تحديد سبعة منطلقات للتطوير وهي:

* تحديد أهداف واقعية للعمل العربي المشترك، وتلافى الازدواجية، وصياغة خطط تنفيذية للإستراتيجيات التي يتم الاتفاق عليها، والمرونة، والشفافية والوضوح، ووجود مشروعات محددة، وإعادة النظر في سياسات التوظيف.

* ويتضمن التطوير العناصر التالية: اختيار شخصيات تسمى المفوض العربي في مجالات بعينها مثل حقوق الإنسان وحوار الحضارات والتفاعل الثقافي وتسوية المنازعات ونظام الأمن الجماعي وعلاقة الجامعة بمنظماتها المتخصصة وهكذا، وإعادة هيكلة الأمانة العامة، وإعادة ترتيب العلاقات بين عناصر المنظومة في شكل واضح مع تحديد المسئوليات المختلفة، وتكليف مبعوثين أو معاونين لمعاونة الأمين العام في مجالات بعينها، وإجراء تقييم دوري لعناصر المنظومة، واستخدام التقنيات الحديثة، وإعداد موازنات واقعية، ودراسة وإمكانية التمويل الذاتي في المنظمات العربية.

"الجامعة العربية ثاني اضخم منظمة بعد الامم المتحدة"

وللوهلة الأولى يظهر أن المطروح يتعلق بالكليات التي يصعب إيراد الخلافات بشأنها، وتبقى التفاصيل التي لم تظهر بعد في صورة موثقة يمكن الاعتماد عليها من أجل تقويم ما جرى. وطبقا لعمرو موسى نفسه في آخر تصريحاته الصحفية (الأهرام 22/3/2001) فان "هذه هي المرة الأولى التي نعمل فيها على أن تنقلب الجامعة العربية إلى جهاز متخصص وعلى أسس عصرية. فالجامعة العربية هي منظمة ضخمة وتعد الثانية في ضخامتها بعد الأمم المتحدة، وبها 25 منظمة عربية متخصصة واتحادات مهنية ومجالس وزارية عديدة. وهذه المنظومة الهائلة منضبطة سياسيا. أما الناحية الاقتصادية فلم يتم تقدم ذو شأن حتى الآن، وكذلك في النواحي الاجتماعية والثقافية وغيرها".

ويضيف عمرو موسى "الحمد لله إنني تمكنت خلال الشهور القليلة الماضية من طرح اوجه القصور وبدء التعامل معها وبالتالي تحقيق بعض الإنجازات العاجلة لجهة ضبط الأمور والعمل بالأمانة العامة إلى حد لا بأس به، والسير في الهيكلة بسرعة وطرح تصور جديد ومستقبلي لعدد من المجالس الرئيسية للعمل العربي مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ودعوة جميع رؤساء المنظمات العربية إلى الاجتماع معي كمجلس يضم الأمين العام وكل المديرين أو الأمناء العامين للمنظمات العربية ووضع تصور لكيفية التنسيق في إطار مع المنظومة الكبيرة، وضبط موضوع الإنفاق والميزانية بالإضافة إلى ميكنة الجامعة العربية، كما أن الميزانية أصبحت تدفع الآن بطريقة اكثر تنظيما، كما اصبح مقر الأمانة العامة مستعدا لاستقبال الرؤساء في أي قمة يتقرر عقدها، واسهم عدد كبير من رجال الأعمال العرب والفنانين العرب بتبرعات لتجديد المقر ولمست روحا طيبة للغاية لإعادة دور الجامعة سواء من حيث الشكل أو المضمون".

معنى ذلك أن هناك خطوات بدأت بالفعل من أجل هيكلة دور الجامعة، لكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت حتى تظهر التأثيرات والنتائج، مع الوضع في الاعتبار أن فترة العمل لعمرو موسى كأمين عام لم تتجاوز عشرة أشهر فقط. ومع ذلك يظل هناك تساؤل مشروع حول تقييم هذه الخطة على المدى البعيد.

مقومات التقويم

والواقع أن أي محاولة لتقييم أداء الجامعة العربية لابد أن تأخذ في اعتبارها ثلاثة عناصر أساسية على النحو التالي:

1 ـ أن عمرو موسى، شأنه شأن الأمناء العامين السابقين للجامعة، وشأنه شأن الأمناء العامين للمنظمات الإقليمية والدولية الموجودة في العالم كله، هو موظف دولي عام، له صلاحيات محددة تحكمه المواثيق المنشئة لهذه المنظمة أو تلك، وبقدر ما يكون هناك تفويض من حيث السلطة والصلاحيات تحددها الدول الأعضاء للامين العام، بقدر ما يكون له القدرة على الفعل وإجراء التغييرات الإدارية والتنظيمية والمالية المناسبة.

ومن هنا فإن تصور قدرة عمرو موسى على إحداث تغييرات جذرية في أداء الجامعة سواء في فترة وجيزة أو في كل فترته فيه مبالغة ونظرة غير واقعية، وفيه أيضا تجاوز لمعاني الإنصاف التي يجب أن تسود أي محاولة للتقييم.

2 ـ إن عمرو موسى والجامعة نفسها لا يستطيعان تجاوز معادلات سياسية ومعنوية استقرت في الخبرة العربية الجماعية لعمل الجامعة إلا بعد فترة طويلة وبعد تعاون جماعي من أجل تغيير هذه المعادلات. والمقصود هنا أن تغيير تلك المعادلات، مثل التمسك بمبدأ السيادة للدول، وعدم تنازل الأعضاء عن جزء من اختصاصاتها ولو في المجالات الفنية للمنظمة الإقليمية كما هو الحال مثلا في التجربة الأوروبية، وتمسك غالبية الدول الأعضاء بدور المظلة للجامعة في القضايا السياسية والاقتصادية وليس دور الجهة / المنظمة القومية القائدة، والتمسك بمبدأ الإجماع عند إقرار القرارات، والنظر إلى دور الأمانة العامة للجامعة كجهة إدارية وحسب، كل ذلك يجعل من تغيير إعادة هيكلة الجامعة مسألة تتطلب ما هو اكثر من مجرد أفكار حتى ولو كانت صحيحة 100%، أي تتطلب تغييرا في الذهنية العربية الجماعية المتعلقة بالعمل المشترك نفسه.

3 ـ أن الجامعة العربية عرفت في مسيرتها أدوارا عدة، وعرفت تحديات عدة اقتربت كثيرا من حد الإطاحة بوجودها نفسه، وهو ما برز جليا في الفترة التي لحقت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية مارس 1979، ثم المقاطعة العربية لمصر حتى عام 1989، كما برزت بصورة اكثر وضوحا في الفترة اللاحقة لقيام العراق بمغامرته العسكرية ضد الكويت أغسطس 1990 وما تلاها من أحداث جسام ما زالت تلقى بظلها السلبي على العلاقات العربية العربية ومن بينها دور الجامعة نفسه. ولعل تعبير الحفاظ على بيت العرب الذي تم صكه إبان التسعينات ( طوال عهد د. عصمت عبد المجيد)، كان الهدف منه التعبير على أن الأولوية ليست لتطوير الجامعة، بل هو مجرد الحفاظ على بقائها كمظلة كبرى سياسية ومعنوية يجتمع العرب تحتها وحولها حين الضرورة. وهو ما يبدو قد تغير، إذ الأمر يتعلق الآن بتنشيط الدور وتفعليه وليس مجرد وجوده، أي التحول من الرمز إلى الفعالية.

هذه العناصر الثلاثة تعني أن من المبكر جدا الوصول إلى نتيجة حاسمة أو شبه حاسمة لما فعله أو لما يمكن فعله عمرو موسى بالنسبة للجامعة، ومن ناحية أخرى أن تطوير الجامعة هو نتاج تفاعلات عربية سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية معا، وتلك بدورها اكبر من مهمة شخص بعينه أيا كانت قدراته. ومن ثم يتبقى التطوير الممكن ليس في تحويل الجامعة إلى منظمة إقليمية بالمعنى الذي تبرزه مثلا التجربة الأوربية، وإنما كمنظمة إقليمية تقوم بواجبها في حدود المسموح به عربيا، ولكن بدرجة أعلى من الفعالية والجدية.

د. حسن أبوطالب – القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×