Navigation

Skiplink navigation

نـفـوذ الجيش التركي.. يتـراجع

رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان مرفوقا بكبار قادة الجيش التركي (تاريخ الصورة: 2 أغسطس 2004) Keystone

في منتصف شهر أكتوبر الماضي، وزّعت رئاسة الحكومة التركية، على عادتها اليومية، برنامج استقبالات رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان.

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 نوفمبر 2004 - 14:53 يوليو,

وقد ورد ضمن نص البرنامج، "استقبال الجنرال يغيت ألبوغان، أمين عام مجلس الأمن القومي"...

كان لهذا الخبر دلالة طريفة وعميقة، ليس لأن أردوغان يستقبل يغيت، بل لأن الأخير ليس جنرالاً، بل سفيرا سابقا لتركيا في أثينا.

لقد اعتاد الأتراك على رؤية وتحسس الحضور العسكري في كل القضايا العسكرية والاقتصادية والسياسية، بل وحتى في كل تفاصيل حياتهم اليومية، وطريقة لبسهم وربما نومهم.

غير أن ثلاثة أحداث جوهرية كسّـرت طُـغيان نفوذ المؤسسة العسكرية في تركيا، وأتاحت انتقال البلاد من حُـكم العسكر المُـقنع إلى حكم دعامته القانون والشفافية.

الحدث الأول، هو امتناع تركيا عن المشاركة في الحرب الأمريكية على العراق ما أثار غضب البنتاغون وأربك مخططاته العسكرية الأولى، محمّـلاً العسكر التركي مسؤولية "عدم الاضطلاع" بدوره. فكان رفع الغطاء الأمريكي الشهير عن المؤسسة العسكرية التركية، التي كانت تتحرك في الماضي في الخارج وفي الداخل، بتغطية كاملة من واشنطن.

الحدث الثاني، هو وصول حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي بمفرده إلى السلطة، وبدعم شعبي كاسح يُـعيق أية محاولة من جانب العسكر لإفشال تجربة الإسلاميين الجُـدد الذين فتح وصولهم إلى السلطة الطريق أمام إمكانية تحقق الحدث الثالث، وهو تسريع خطى الإصلاح السياسي في الداخل على طريق العضوية في الاتحاد الأوروبي.

حماية الديمقراطية وفقا للإرادة السياسية

وإذا أضيف لذلك عامل الدعم الأمريكي للتوجهات المعتدلة لحزب العدالة والتنمية، وحاجة واشنطن لمثل هكذا "نموذج إسلام معتدل" في مرحلة "الشرق الأوسط الكبير"، أصبح بإمكان رجب طيب أردوغان ورفاقه أن يمضوا قُـدماً باتجاه تعزيز مدنية الدولة وتنظيفها من الحضور العسكري، فألغِـيت محاكم أمن الدولة، وأُلغيت عضوية العسكر في الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون، وفي مجلس التعليم العالي.

ومن بعد ذلك، قلّـصت صلاحيات مجلس الأمن القومي وزيد عدد أعضائه المدنيين، وكانت الذروة في تعيين السفير يغيت ألبوغان، أول مدني، أميناً عاماً لمجلس الأمن القومي. وتوالت خطوات تغيير طبيعة دور المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالسياسة.

ومع أن كبار الجنرالات لا يزالون يدلون بآراء سياسية من وقت لآخر، إلا أن رئيس الأركان الجنرال حلمي أوزكوك أدلى قبل مدة قصيرة بحديث يُـعلن فيه أن مهمة القوات المسلحة، حسب القانون، هي حماية الجمهورية والديمقراطية، لكن ذلك يكون وفقاً لما تقرره "الإرادة السياسية"، أي الحكومة.

ورغم اعتراض العسكر على بعض الطلبات، بل والإملاءات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، إلا أن الحكومة والبرلمان يقومان بدورهما في تجاوز مُـعظم الخطوط الحُـمر المرسومة سابقاً من جانب العسكر في أكثر من قضية.

ومع التغيرات الجغرا- سياسية الجذرية التي يشهدها المحيط المباشر لتركيا، فإن وثيقة الأمن القومي التركي تتعرّض الآن لإعادة النظر. فتخرج سورية من كونها تهديداً، وربما تخرج اليونان كذلك، وقد يُـعاد النظر في تعريف الإرهاب الأصولي الذي كانت وثيقة 1997 قد وضعته في المرتبة الأولى من التهديدات.

تراجع قياسي للحضور العسكري

أكثر من ذلك، إن تغيير طبيعة التهديدات وخروجها من مفهوم الدفاع التقليدي إلى المفهوم الأمني، سيطرح إعادة النظر في بنية القوات المسلحة ودورها، وما سيحتمل ذلك من تقليص النفقات والتسلح.

على صعيد آخر، هناك أيضاً تطوران يشيران إلى تراجع الحضور العسكري في الحياة السياسية.

الأول، هو الاجتماع الأول من نوعه الذي دعا إليه أمين عام مجلس الأمن القومي مع الصحافة يوم 30 نوفمبر 2004، ويُـراد له أن يتحول تقليداً مرّتين في السّـنَة، بحيث ينفتح مجلس الأمن القومي على الرأي العام، فلا يعود "سراً" أو "مُحَـرماً". وقد دعيت للمرة الأولى صحف إسلامية إلى هذا الاجتماع، في ظل توجه أردوغان إلى أن يتحول مجلس الأمن القومي إلى مؤسسة لإنتاج الفكر، كما هو الحال في دول الغرب.

أما التطور الثاني، فهو إلغاء دائرة "العمليات النفسية" في المجلس وإتلاف ملفّـاتها التي لا يوجد منها سوى نسخة واحدة، والتي توثق لعدد هائل من العمليات والأشخاص والمؤسسات. ومع أن مثل هذا الحدث خلق دهشة ومطالبة بفتح كل الملفات، ومحاسبة المسؤولين عن العديد من التجاوزات والأخطاء بحق الناس، إلا أن هذا العمل غير المسؤول جاء للدلالة على خشية أوساط عسكرية مما قد تنتظره من مساءلة في ضوء حكم القانون في مرحلة التقارب وبدء المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما لم يكن يفكّـر أحد فيه،ول للحظة واحدة قبل سنوات خلت.

لا يمكن لبلد يتجذر فيه الحضور العسكري أن يتمدين بـ "مسحة رسول"، لكن الخطوات التي أُنجزت حتى الآن وخلال مدة قياسية (أقل من سنتين) لتحجيم دور العسكر في السياسة والحياة العامة في تركيا، وصلت إلى نقطة اللاعودة التي ستحسمها نهائياً قمة كوبنهاغن في 17 ديسمبر الجاري في حال حدّدت لتركيا موعداً لبدء مفاوضات العضوية.

د. محمد نورالدين - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة