تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج!

رأس تمثال معدني للرئيس العراقي السابق مُلقى في شارع قريب من ساحة الفردوس وسط بغداد يوم 10 أبريل 2003

(Keystone)

يتابع العرب بوجوم وحيرة صور النهب والسلب التي تنقلها الفضائيات من بغداد والبصرة والموصل ويتساءلون في حيرة: لماذا يحدث هذا؟

لكن المتأمل في حقيقة الأوضاع داخل البلدان العربية وما يعيشه سكانها من كبت وقمع يجد بعض التفسير لما يحدث في العراق هذه الأيام.

بعد كل نكبة أو نكسة أو كارثة تحل بالعرب تنتظم طوابير اللطم والنواح لجلد الذات أو لندب الحظ العاثر أو للتفلسف بحثا عن المؤامرات التي حيكت بليل ضد الأمة.

لكن هذه المرة – وعلى عكس ما حدث في عام 1948 و1967 و1982 – يُبدي العرب أقدارا متفاوتة من التعامل "الموضوعي" و"العقلاني" مع ما يحدث في العراق على الرغم من شدة الصدمة وهول الفاجعة.

إذ لا بد هنا من الإشارة إلى أن ملامح "السيناريو- الخطة" الذي وُضعت لبناته الأولى في عهد الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغن والذي طـُوّر في ردهات مراكز الأبحاث في واشنطن بعد أشهر قليلة من سقوط جدار برلين والذي أطلقت هجمات 11 سبتمبر آلية تنفيذه كانت معروفة للجميع أي لكل من يقرأ ويُتابع.

بل يمكن القول بشيء من الثقة أن الكيفية التي تفكك بها النظام العراقي لم تكن بعيدة جدا عن توقعات وتصورات النخبة السياسية – والمعارضة منها بوجه خاص - في العالم العربي، على الرغم من استمرار محاولات المغالطة والتعمية من جانب حشد من وسائل الإعلام الرسمية والأوساط الشبيهة بها.

ما بين الدولة والنظام

قبل اندلاع الحرب، دافع كثيرون باقتناع شديد عن مقولة بدت منطقية إلى حد كبير تتلخص في أن العراق دولة عريقة تضرب بجذورها في التاريخ والحضارة وأن النظام الذي أسسه حزب البعث لن يكون في نهاية المطاف أكثر من صفحة وحيدة من سجل مديد حافل ستُطوى بسرعة عند سقوط رموزه وعلى رأسهم صدام حسين، لكن مؤسسات الدولة الرئيسية وخاصة الإدارة والخدمات الحيوية للسكان لن تُصاب بالشلل أو بالسكتة القلبية، حسب رأيهم.

كما عوّل آخرون على تجذّر الشعور الوطني والقومي المتعارف عليه في صفوف غالبية العراقيين من أجل ضمان استمرار الحد الأدنى من سير الحياة الطبيعية في مؤسسات البلاد الخدمية ومرافقها، استنادا إلى تصورات بدت منطقية أو مبررة.

لكن ما حدث في الأيام الأخيرة سـفـّه بعنف وقسوة شديدين كل هذه المقولات. ومع تعدد الأطروحات لمحاولة فهم ما يجري، يرى البعض أن المسألة بدت - ظاهريا - مستعصية على الفهم والإستيعاب لأن الرسميين العرب والنخب المؤدلجة صدّقوا أوهامهم وأصرّوا منذ فترة طويلة على رفض التعاطي مع الحقائق الخطيرة التي لم تكن خافية بالمرة.

في هذا السياق، تكفي العودة إلى مطالعة الأدبيات الصادرة عن كل الأحزاب والمجموعات والشخصيات المعارضة العربية بمختلف توجهاتها (في العراق وفي كل البلدان العربية بدون أي استثناء) للتأكد من أن ما حصل كان في حكم المتوقّع، فالأمر لا يتعلق بتنبؤات منجمين أو بتخمينات عـرّافين بل بحصيلة مأساوية لكنها منطقية لمقدمات معروفة.

فقد بـحّـت أصوات المعارضين للأنظمة العربية بمختلف أصنافهم وتوجهاتهم والمفكرون المستقلون والمراقبون داخل البلدان العربية وخارجها بالتحذير منذ فترة طويلة من المصير الخطير الذي ينتظر العرب حكومات وشعوبا إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه من قمع وكبت وانغلاق وتفاوت طبقي وتمييز اجتماعي، لكن صرخاتهم ضاعت أدراج الرياح.

إذ "نجحت" الأنظمة التي حكمت البلدان العربية منذ خروج القوات الأجنبية المحتلة من أراضيها في منتصف القرن الماضي في إيجاد قطيعة جذرية بينها وبين شعوبها وتمكنت بعد حوالي نصف قرن من ممارسة الحكم من نسف قيم أساسية مثل "المصلحة العامة" أو الإرتباط بـ "الوطن" أو الولاء لـ "الدولة" أو "الأمة".

نفس الأسباب .. نفس النتائج

قد يرى البعض مبالغة كبيرة في هذا الإدعاء وتجنيا على الحقائق، لكن الواقع اليومي يقدم العديد من الأدلة على صحته. فالأرقام المخيفة للعقول العربية المهاجرة من بلدانها إلى أمريكا الشمالية وأوروبا أو التنامي المطرد لأعداد الشبان الساعين بشتى الوسائل للوصول إلى شواطئ الضفاف الشمالية للبحر الأبيض المتوسط على متن قوارب الموت، أبلغ مؤشر على ما بلغته الأوضاع من تعفن وتأزم وانسداد.

لقد أدت عشريات طويلة من القمع المنهجي الرهيب لكل نفس أو صوت معارض في البلدان العربية ومن احتكار السلطة ووسائل الإعلام وكتم الأنفاس ومن انتشار الفساد بشتى أنواعه وافتقاد الثقة في مؤسسة العدالة إلى حدوث استقالة جماعية مخيفة من طرف النخب وعموم المواطنين. كما دفع احتكار فئات محدودة جدا وأقليات حزبية أو عائلية أو مصلحية لدواليب الحكم ولمفاصل الإقتصاد والتجارة فيها إلى انكفاء الجميع على الذات أو على ارتباطاته الجهوية والعشائرية والعائلية من أجل ضمان المصالح الشخصية والآنية.

وفي المحصلة، أشاعت هذه الأوضاع ما يمكن وصفه بثقافة "النفاق" و"التملق" و"الإنتفاع" التي لا تهدف إلا إلى تحصيل المكاسب بمختلف أنواعها، وترتبت عليها قطيعة واسعة بين الأغلبية الساحقة من الناس وبين كل ما له ارتباط بالحكم والسلطة والشأن العام ومصالح الوطن.

ولأن المجال لا يتسع للخوض في التفاصيل الدقيقة لمجمل الآليات والتفاعلات التي أدت إلى هذا الوضع الكارثي، يُمكن القول باختصار إن الأغلبية الساحقة للمؤسسات القائمة في الدول العربية تحولت منذ فترة إلى "قلاع فارغة" حسب مصطلح ابتكره المعارض التونسي الدكتور منصف المرزوقي في أوائل الثمانينات.

فقد أصبحت الأحزاب السياسية والمجالس البرلمانية والمؤسسات القضائية والتنظيمات النقابية والشبابية والنسائية ومثيلاتها مجرد طواحين هواء تجتر الكلام وتنفذ أوامر المُمسكين بزمام الحكم وتُبارك ما يُقرّر لها في الدوائر العليا، لكن دون أن تتمكن من إقناع أي كان داخل البلاد أو خارجها بجدية ما تقول أو تفعل.

محاولة للتبرير

واليوم، يبرّر بعض العراقيين أعمال السلب والنهب الجارية في بلادهم مثل السيد ثامر سُبع الجُملي (وهو مواطن سويسري من أصل عراقي) الذي قال لسويس إنفو: "إنني أتفهّم العراقيين الذين لديهم شعور بالثأر من كل رموز السلطة .. هي تقريبا عملية انتقام من السلطة التي حرمتهم من أبسط الوسائل المعيشية..". لكن آخرين يرون أن ردّة الفعل الأولى التي صدرت عن أغلبية العراقيين إثر زوال نظام الرئيس صدام حسين لم تكن لتأتي مغايرة مهما كانت ألوان الأعلام المرفوعة فوق الدبابات والمدرعات التي زحفت من كل حدب وصوب باتجاه ساحة الفردوس وسط العاصمة بغداد في التاسع من أبريل!

فقد بلغ القهر والتبرّم والضّيق واليأس بالناس حدّا سوّغ للعديد من المعارضين تبرير كل شيء بما في ذلك تأليب القوى الإستعمارية على أوطانهم من أجل التخلص من النظام القائم. وعلى الرغم من تأكيد العديد من العراقيين أن الأمر لا يتعلق إلا بفئة ضالة محدودة جدا إلا أن أعمال النهب والسلب والتخريب المتعمد للممتلكات العامة والخاصة وللمستشفيات والجامعات والوزارات في البصرة وبغداد والموصل وغيرها أبلغ دليل على أن قطاعات من الشعب قد فقدت أي ارتباط حقيقيي بشيء آسمه "الوطن".

ومع أنه لا مفرّ من الإعتراف بأن الحالة العراقية تمثل تكثيفا شديدا لمظاهر الأزمة المتعددة الأبعاد التي تُعاني منها الدول العربية بدرجات متفاوتة وبأنها ترتبط بحصيلة مأساوية لفترة طويلة جدا من الحروب المنهكة والحصار الإقتصادي القاسي، إلا أن ما حدث في الأيام الأخيرة كشف للعالم أجمع عن الـدّرك الذي وصلت إليه الأوضاع في العراق وفي البلدان العربية بالتبعية و"وضع الأنظمة في ورطة حقيقية" على حد قول الدكتور منصف المرزوقي في تصريحات خاصة لسويس إنفو.

فقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن مجرد زوال القبضة الحديدية التي تُحكم بها الشعوب العربية سيفجّر - بشكل أو بآخر - موجة من ردود الفعل الرهيبة التي تمثل نتاجا منطقيا للتراكمات التي ظلت مكبوتة لفترة طويلة في صدور الناس بسبب الخوف الشديد من إرهاب الدولة وقمع أجهزتها وبطش أعوانها.

إنها الورطة!

ومع أن هذه الظاهرة ليست خاصية عربية أو عراقية (حيث شُوهدت تصرفات مماثلة إثر انهيار الأنظمة الشمولية في إفريقيا وروسيا وبلدان أوروبا الشرقية وغيرها)، إلا أنها تضع الحكومات العربية ومعارضيها والشركاء الرئيسيين للبلدان العربية في الغرب منذ الآن في مواجهة مأزق مركّـب.

فالدول الغربية عموما والولايات المتحدة تحديدا ليس لها سجلّ ناصعٌُ فيما يتعلق بالتشجيع على قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية. فواشنطن التي لم تتردد في الإطاحة بالقوة بالرئيس الشيلي المنتخب سلفادور أليندي المعارض لسياساتها في أمريكا اللاتينية، لم تُحرّك ساكنا ضد صدام حسين منذ وصوله إلى السلطة في عام 1979 وإلى حين إقدامه على غزو الكويت على الرغم من اطلاعها الدقيق على أساليب قمعه البشعة لمواطنيه. فواشنطن مستعدة لدعم ديمقراطيات شكلية في أحسن الحالات، لكنها لن تقبل قيام أنظمة تمثل قوى شعبية منتخبة تتمسك باستقلال القرار الوطني أو بمعاداة إسرائيل مثلا.

من جهة أخرى، يرى عدد من المعارضين العرب من بينهم الدكتور المرزوقي أن الديكتاتوريون الذين يحكمون البلدان العربية أصبحوا متأكدين – لأسباب متعددة - من أن نهايتهم قريبة ويضيف: "القضية قضية وقت فقط لأن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج" حسب تعبيره. لذلك "لم يتبق لهم إلا الإختيار بين نهاية مماثلة لنهاية صدام حسين أو بين التفاوض على تداول سلمي للسلطة مع المعارضة الوطنية" حسب قوله.

من ناحيتهم يخشى المعارضون الديمقراطيون العرب من التشويش الذي يُحدثه الخطاب الأمريكي الحالي حول الديمقراطية على تحركاتهم لأنه "أصبح مقترنا في أذهان الناس بالإمبريالية والإستعمار الجديد" على حد تعبير مُـحاورنا الذي يرى أن "التحدي المطروح الآن على الديمقراطيين العرب لا يقتصر على فرض الديمقراطية على الديكتاتوريات القائمة بل على الإستعمار الجديد أيضا".

.. لكن هذه قصة أخرى!

كمال الضيف - سويس إنفو

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×