تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

نهايـــــة النظــــام العــــربي!

إلى أي مدى سيذهب مبضع الجراح الأمريكي في "جسم" الخرائط العربية؟

يوجد شبه إجماع على أن الحرب الأمريكية على العراق ستؤدي إلى حدوث زلزال حقيقي في المنطقة العربية سيطيح بالكثير من المسلمات السابقة.

لكن ما يسمى بـ"النظام العربي" قد يصبح المرشح الأبرز في قائمة ضحايا الوضع الجديد الذي تعول عليه واشنطن لإحداث التغيير الذي تخطط له في المنطقة العربية.

في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة في القيام، بما أسماه كولن باول وزير الخارجية الأمريكي "إعادة تشكيل الشرق الاوسط بما يتناسب مع المصالح الأمريكية"، جاء الفشل الواضح لكل من قمتي "شرم الشيخ" العربية و"الدوحة" الإسلامية ليثير غابة من الأسئلة.

- هل يمكن أن تسفر الحرب على العراق عن العبث بخرائط المنطقة، وليس فقط بأنظمتها؟

- هل سيبقى النظام الإقليمي الشرق أوسطي الراهن (الذي ورثته الولايات المتحدة من الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية بُـعيد الحرب العالمية الثانية وحرب السويس 1956) على قيد الحياة، أم ستجري عليه تغييرات جذرية قد تقلبه رأسا على عقب؟

- كيف تطل أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر على القوس العربي – الإسلامي الممتد من سهول آسيا الوسطى إلى شواطئ الخليج العربي مرورا بصحارى إفريقيا الشمالية، ووفق أية شروط سيجري العمل على دمج هذا القوس في منظومة العولمة والنظام العالمي؟

- وفوق هذا وذاك، هل أصبح العرب "الرجل المريض" الجديد في القرن الحادي والعشرين، كما كانت الدولة العثمانية "رجل أوروبا المريض" طيلة القرن التاسع عشر؟

المبضع الأمريكي ..!

هذه الأسئلة "الوجودية"، إذا ما صح التعبير، في محلها تماما لسببين أساسيين:

الأول، أنه إذا ما كانت الحربان العالميتان، الأولى والثانية، في حقيقتهما حربا أهلية أوروبية واحدة، وإذا ما كانت الحرب العالمية الثالثة (الباردة) حربا من داخل الحضارة الغربية المسيحية بين الكتلتين البروتستانتية- الكاثوليكية والاورثودكسية، فإن الحرب العالمية الرابعة ضد الإرهاب بدأت وستنتهي في "قارة" الشرق الأوسط الإسلامية التي باتت تشمل بالإضافة إلى العالم العربي، وللمرة الأولى منذ مائتي عام، هضبة القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وبعض مناطق جنوب آسيا.

والسبب الثاني، هو أنه لم يعد في وسع الغربين، الأمريكي والأوروبي، إهمال عملية إدماج الشرق الأوسط في النظام العالمي، بعد أن أثبتت العمليات الانتحارية في واشنطن ونيويورك أنه كلما زاد إهمال العرب وتهميشهم، كلما زاد خطرهم على الأمنين الأمريكي والعالمي. لكن كيف يمكن أن يتحقق هذا الادماج؟

ينبغي التذكير هنا بأن الولايات المتحدة أصبحت بعد 11 سبتمبر دولة "مُـراجعة"
(Revisionnist) في الشرق الأوسط (أي دولة رافضة للأمر الواقع). بيد أن وضعية المراجعة هذه لا تزال مدار جدل عنيف في أوساط النخبة الأمريكية الحاكمة أو القريبة من أصحاب القرار.

وعلى سبيل المثال، في حين تدعو جهات في وزارة الخارجية الأمريكية إلى استبدال نظام صدام حسين بنظام مركزي بعثي آخر (مع إضفاء تلاوين من الليبرالية الاقتصادية والدستورية وحكم القانون عليه)، تتعالى أصوات محافظة أخرى تدعو إما إلى "بلقنة" العراق أو إلى "أفغنته".

وبرغم أن لبنان وسوريا ودول الخليج وغيرها تبدو حتى الآن خارج هذه النقاشات الجغرافية - الخرائطية، إلا أنه ليس ثمة هنا شيء محسوم. فبطن المنطقة مفتوح، والجّرّاح الأمريكي قد يقرر في أي حين تغيير نمط العملية الجراحية، إذا ما اعتقد أن مصالحه تقتضي ذلك.

"قبلية وعشائرية وطائفية"

هذا الجدل بحد ذاته خطير للغاية. لكن ما يزيده خطورة هو دخول إسرائيل واللوبي الصهيوني الأمريكي القوي والمباشر إلى مطبخ الإعداد الاستراتيجي الأمريكي، بهدف توجيه سياسات واشنطن نحو هدف واحد يتلخص في "إعادة رسم خرائط المنطقة العربية على أسس قبلية وعشائرية وطائفية".

والمقصود هنا، ليس الاعتراف بالعشائرية والقبلية كعوامل أمر واقع في إطار مفهوم الدول – الأمم العربية، بل تقسيم وتفتيت هذه الدول نفسها انطلاقا من هذه العوامل.

أبلغ وأفصح ناطق باسم هذا التوجه كان "مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة"، وهو مركز دراسات نافذ له مقرّبين في كل من واشنطن وتل أبيب.

فقد نشرت هذه المؤسسة دراسة مستفيضة بعنوان:"التعامل مع دول متهاوية: استراتيجية موازين قوى غربية وإسرائيلية للهلال الخصيب"، تمحورت أفكارها الرئيسة حول الآتي:

- سيؤثر مستقبل العراق بشكل عميق للغاية على كل موازين القوى في الشرق الأوسط. فالمعركة لإعادة تعريف هذا البلد والسيطرة عليه، هي بالاستتباع معركة للسيطرة على ميزان القوى في المنطقة على المدى البعيد.

- البعثية، مثل الشيوعية، تعيش أيامها الأخيرة. والقضية هنا هي ما إذا كان الغرب وإسرائيل سيُـصيغان استراتيجية للحد من الفوضى التي سيحدثها هذا الانهيار: استراتيجية تتطلب من الولايات المتحدة أساسا التخلي عن سياسة التسوية العربية – الإسرائيلية الشاملة، لصالح مفاهيم جديدة للهوية ولموازين القوى في الشرق الأوسط.

- الدول العربية في المنطقة مخلوقات اصطناعية، وسكان سوريا والعراق، على سبيل المثال لا الحصر، يعرفون أنفسهم من خلال وحدات اجتماعية، كالعائلات والقبائل والعشائر، والسلطة الوطنية الفلسطينية تحللت إلى قطاعات تحكمها، إما العشائر أو العائلات القوية أو القادة العسكريين المحليين.

نظام إقليمي "جديد"

يكمن الحل في رأي هذه المؤسسة في إعادة بناء "دول عربية جديدة" تتمحور حول العائلات أو القبائل أو العشائر، على أن يُصار بعد ذلك إلى إقامة التحالفات القبلية بينها على امتداد الشرق الأوسط، بإشراف الغرب، وإسرائيل بالطبع.

والنموذج هنا قد يكون المملكة الأردنية الهاشمية، إذ يرى واضعو الدراسة أن الأردن "ربما يكون الأفضل استعدادا لإدارة السياسات العشائرية التي ستحدد مستقبل الهلال الخصيب بعد انهيار القومية العربية العلمانية. فالهاشميون وحدهم يمكنهم إقامة تحالفات قبلية وعشائرية وعائلية قوية تكون كافية لخلق أمم قابلة للحياة في المنطقة". وإذا ما نجح الهاشميون في هذه المواجهة، فإنهم سيصبحون "حجر الزاوية في ميزان قوى شرق أوسطي مستقر، يشمل أيضا إسرائيل وتركيا".

وبالرغم من أن هذه التوجهات، التي ترى أن التقسيمات الجديدة يجب أن تتم في إطار نظام إقليمي جديد تقوده تركيا وإسرائيل والاردن و"عراق مابعد صدام"، لا تزال في الحيز النظري أو "الكواليسي"، إلا أن الآونة الأخيرة شهدت ما يمكن أن يكون مؤشرا على بدء ولادة النظام الإقليمي الشرق الأوسطي الجديد. والمقصود هنا، المؤتمر التركي – الإيراني – العربي الذي عقد في إسطنبول الشهر الماضي.

فهذا المؤتمر، الذي جاء ثمرة تحّرك دبلوماسي تركي كثيف، أعطى كل التكهنات التي تحدثت عن المنظومة الإقليمية الجديدة لحما، وربما أيضا هيكلا عظميا.

وكان من المثير أن يترافق تزعّم تركيا لهذه الحملة الإقليمية، قيامها بتقديم طلب رسمي إلى الجامعة العربية لتكون عضوا فيها بصفة مراقب، وليس هناك تفسير لهاتين الخطوتين المتلازمتين، سوى أن بلاد السلاطين العثمانيين بدأت تؤهل نفسها لدور زعامة جديد في المنطقة، جنبا إلى جنب مع إسرائيل وعراق ما بعد صدام.

وضوح شديد!!

هل ما زال في وسع الدول العربية فعل شيء ما إزاء هذه التطورات المتسارعة؟

قبل التطرق إلى ما يمكن أن يفعله العرب، يجب أولا الوقوف أمام دراسة لفريد زكريا (وهو كاتب أمريكي من أصل هندي)، مدير تحرير "فورين افيرز" النافذة بين صناع القرار الأمريكيين، حول العلاقات بين العرب وأمريكا. في هذه الدراسة نجد أننا أمام نقلة من الأفكار الأمريكية حيال "المعضلة" العربية والإسلامية، نقلة من الإطار النظري العام إلى اقتراح الحلول العملية. ولعل المثير في هذه الاقتراحات، وضوحها الشديد.

فهي تجهر، أولا بعدم رغبة أمريكا،(أو عدم قدرتها كما يقول زكريا) في تطبيق الديموقراطية عربيا. وتجهر، ثانيا بأن الحرب العسكرية لن تتوقف إلى أن يتم القضاء على ما يصفه ادموند بيرك "المبدأ المسلح"، أي الأصولية الإسلامية المتطرفة. ثم تجهر أخيرا بالشيء الأهم: يكمن الحل النهائي في إلزام الأنظمة العربية بتبني كل قواعد اللعبة الرأسمالية، من احترام الملكية الخاصة إلى سيادة القانون. ومن الحقوق الفردية إلى فصل الدين عن الدولة. ويعتبر زكريا أن هذه مقدمات ضرورية لابد منها قبل الانتقال من "الليبرالية الدستورية" إلى الديموقراطية.

نعود الآن إلى السؤال الأولي: ماذا في وسع العرب أن يفعلوا؟

سؤال صعب بالفعل. فالوضع الراهن في المنطقة ليس خطيرا فحسب، بل هو لزج ومعقد ومتشابك على كل الأصعدة الجيو- استراتيجية - الأمنية والإيديولوجية – الثقافية. وعلى أي حال، أثبت مؤتمرا القمة في شرم الشيخ والدوحة أن أركان النظام الإقليمي العربي باتوا عاجزين حتى على إنقاذ أنظمتهم، ناهيك نظامهم الإقليمي.

سعد محيو - بيروت


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×