تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هل تغرق أنقرة في المستنقع العراقي؟

رغم الإجماع العراقي حول رفض نشر قوات تركية في العراق، تبدو أنقرة مصممة على إرسال قواتها

(Keystone)

يتواصل جدل حادّ في العراق حول نشر قوات تركية لحفظ السلام في بعض المناطق العراقية، حيث أظهر استطلاع للآراء أن أغلبية ساحقة من العراقيين تُـعارض قدوم قوات تركية.

فهل ستخاطر أنقرة بنشر قواتها وسط شعب لن يُـظهر تجاهها سوى العداء والمقاومة؟

حين حقّـق حزب العدالة والتنمية فوزه الساحق في انتخابات شهر نوفمبر الماضي وشكّـل الحكومة مُـنفردا في نادرة سياسية تركية، ونظرا للأصول الإسلامية لقياداته البارزة، وطرحه السياسي الذي تضمن رغبة في تحسين العلاقات مع العالم العربي، وتنشيط الدور التركي إسلاميا، تفاءل كثير من العرب بأن تلك بداية طيبة لعودة علاقات أكثر متانة مع جار إقليمي كبير، سوف يحُسّـن من الآن فصاعدا توظيف القواسم المشتركة، دينيا، وتاريخيا، ومصلحيا مع البلدان العربية.

ومع بعض الإشارات التي أفصحت عن رغبة حكومة العدالة والتنمية في تهدئة تفاعلاتها مع إسرائيل دون قطعها أو تقليصها جذريا لاعتبارات مفهومة، وفتح صفحة جديدة مع بلدان عربية مهمة كالسعودية، وجد هؤلاء المتفائلون حجة عملية في توقع مزيد من التقارب العربي التركي، وهو ما زادت درجته مع وقوف الشعب والبرلمان التركي بحزم غير معهود أمام أي مشاركة عسكرية مباشرة في الحرب الأنجلو - أمريكية ضد العراق.

لكن البدايات لم تستكمل دورتها بعد، وربما لن تستكملها قريبا. فبعد أقل من نصف العام على القرار التاريخي بعدم المشاركة التركية في الحرب على العراق، بات على الجميع مراقبة ذلك التغيير الكبير المتمثل في قرار حكومة العدالة والتنمية إرسال حوالي 10 آلاف جندي إلى العراق بهدف المشاركة في إعادة الاستقرار والأمن للبلد الجار، ومنع تحوله إلى مأوى للإرهابيين وعلى رأسهم حزب العمال الكردستاني التركي، والحفاظ على وحدة العراق الترابية في إشارة إلى عدم السماح بأي نوع من الانفصال للأكراد العراقيين، وهو القرار الذي سانده البرلمان التركي بقوة، مثلما منع بقوة المشاركة في الحرب أو أن تكون الأراضي التركية معبرا لجنود الاحتلال الأمريكيين في مطلع العام الجاري.

المأزق المركب

وهنا لم يعد للتفاؤل أي مبرر، بل أن المؤشرات الأولية توحي بأن دخول القوات التركية إلى قلب المأزق العراقي سيكون بداية مرحلة جديدة من مأزق مركب لكل الأطراف، حيث ستختلط فيه الأدوار الإقليمية غير المحسوبة جيدا مع احتلال أجنبي مرفوض، وتزداد كراهيته عراقيا مع مرور كل لحظة مع عمليات مقاومة عراقية متصاعدة، وستجد في الوجود التركي هدفا ثمينا لا يقل قيمة عن الأهداف الأمريكية نفسها، التي لن تكون بمنأى كامل عن تلك العمليات، حتى لو غيّـرت مواقعها العسكرية واتجهت شمالا، إضافة إلى نذر مواجهات مقررة مسبقا بين القوات التركية وعناصر كردية تركية، وربما عراقية أيضا.

أما سياسيا، فالأمر لن يخلو من شد وجذب، تبدو ملامحه الأولى في الخلاف القائم بين مجلس الحكم الانتقالي الرافض لقدوم قوات عسكرية من أي دولة جوار، وفي المقدمة تركيا، والحاكم المدني الأمريكي الذي بيديه القرار النهائي، وبما يراه في مصلحة بلاده أولا وأخيرا، وليذهب المجلس الانتقالي إلى الجحيم حسب القول المأثور.

ورغم إدراك غالبية العراقيين الساحقة بأن مجلس الحكم الانتقالي لا حيلة له في الظروف الراهنة في القرارات المصيرية، فإن الرهان على أن يكتسب تلك الحيلة مع مرور الزمن، سوف يُطاح بها تماما إذا ما فشل المجلس في منع إضافة قوة محتلة أخرى للأرض والسيادة العراقية ممثلة في جار إقليمي لديه مطامع معلنة في الأرض والنفط معا، وحيث يؤمن العراقيون بأن دوافعه الحقيقية للقدوم هي لمصالح تركية بحتة، ومن بينها التحكم في مصير العراق، وتحديد وجهة هذا المصير، وتحقيق مكاسب استراتيجية مع الولايات المتحدة على حساب العراق المستقل ذي السيادة.

وحينئذ، فإن التساؤلات حول ضرورة المجلس نفسه ستبدو أمرا منطقيا فيما بين العراقيين بمن فيهم المتعاطفون مع دور المجلس وتطويره، ما دام لا يستطيع أن يبت في أمر يخص الحاضر والمستقبل، ولا يمكنه منع ضرر كبير لا خلاف عليه.

مواجهات منتظرة

على الصعيد التركي، فالترجيح الأكبر هنا أن قدوم الجنود الأتراك لن يكون مقدمة لعملية إنسانية ومساعدة شعب عانى كثيرا، حسب نص المذكرة الحكومية التي وافق عليها البرلمان التركي، بل ستكون مقدمة لمواجهات عسكرية متعددة المستويات سوف تتورط فيها القوات التركية، مهما كانت الحسابات المرسومة على الورق دقيقة وكاملة الأوصاف.

فعلى سبيل المثال، إذا ما استقر الجنود الأتراك في وسط البلاد التي تُـعرف بمثلث السنة المشتعل ضد المحتلين الأمريكيين، فليس هناك ما يُـشير إلى أن هذه العمليات العراقية سوف تتوقف ضد القادمين الجدد، فهم في النهاية قوات احتلال، ولهم أولوياتهم الخاصة المضادة مع الأولويات والطموحات العراقية الصرفة.

وإذا ما تمّ الانتشار التركي في غرب البلاد وبالقرب من الحدود العراقية السورية بُـغية السيطرة عليها، فتلك بدورها إشارة سلبية بالنسبة للعلاقات مع دمشق التي اكتسبت بعضا من الدفء في العام المنصرم.

ونظرا لأن هذه الحدود ليست قابلة للسيطرة والتحكم بسهولة، فإن التورط في مناوشات عسكرية، مسألة مرجحة مع متسللين أو قادمين بصورة غير شرعية إلى داخل الأراضي العراقية، بما في ذلك احتمال المغامرة لمطاردة هؤلاء في عمق الأراضي السورية، مع ما يعنيه ذلك من ردة في العلاقات بين دمشق وأنقرة.

وفى كل الأحوال، فإن وجودا تركيا عسكريا بالقرب من الحدود السورية سيعد جزءا من عملية التطويق التي يخطط لها اليمينيون في إدارة بوش المحافظة، في إطار استراتيجية الضغط المتواصل على دمشق. وتلك الخطوة بدورها ذات مسحة عدائية، من شأنها أن تُـعيد طرح الحساسيات التاريخية الموجودة بين سوريا وتركيا.

ولعل المشكلة الأكبر تكمُـن في أن تستقر قوات تركية في الشمال العراقي. فعناصر التوتر المكتوم بين الأكراد العراقيين وهؤلاء الضيوف غير المرغوب فيهم، سوف تجد حتما سبيلا للانفجار والتعبير العنيف عن الذات. وساعتها لن يكون من السهولة بمكان التفرقة بين عناصر كردية عراقية أو تركية تنتمي إلى حزب العمال الكردستاني.

خسارة الشارع العربي

التوتر القائم والحساسيات التاريخية الكامنة في النفوس الكردية، كانت بحاجة إلى فترة طويلة من التباعد وتجنب الاحتكاك العسكري المباشر بين الأكراد على عمومهم، عراقيين وأتراك، وبين القوات التركية. بيد أن التسرع في مساعدة الاحتلال الأمريكي والتحول إلى قوة احتلال أخرى، من شأنه أن يجعل تركيا تخسر كثيرا لدى الشارع العربي، وبعضا من الإسلامي.

لقد عادت الشكوك القديمة، بل وتجسّـدت. وتلك ردة عن التفاؤل وزلة سيكون لها ثمن كبير. ففي المؤتمر الذي انعقد في ماليزيا لدول منظمة المؤتمر الإسلامي، أعلن أكثر من طرف تحفظاته على تدخل تركيا عسكريا في العراق.

وبالرغم من أن أحدا لا يتوقّـع أن تكون هذه التحفظات مقدمة لتوتر بين تلك البلدان وتركيا، لكنها تعكس عدم رضى قد يتطور إلى موقف آخر، في حال تورطت القوات التركية أكثر فأكثر في تضييع الاستقلال العراقي المنتظر.

ومن نافلة القول هنا، أن تركيا، الدولة والمؤسسات الحاكمة الفعلية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وبغض النظر عن الحكومة القائمة وتوجهها الأصلي، لا تراهن على دور في العالم الإسلامي، إلا ما يخدم مطلبها في الانضمام للاتحاد الأوروبي من جهة، وتدعيم محوريتها في الاستراتيجية الأمريكية الكونية من جهة أخرى.

ولذلك، فهذه التحفظات الإسلامية ليست ذي موضوع لدى صانع القرار التركي الحقيقي، أي المؤسسة العسكرية، واليمين التركي العلماني بشكل عام.

بعبارة أخرى، إن المطلوب هنا أن تستعيد تركيا مكانتها لدى الإدارة الأمريكية، وهي المكانة التي تأثرت كما هو معروف في الأشهر الستة الماضية، وذلك بدوره تدعيم للذين يرون أن إغلاق الأبواب الأوروبية يُـمكن تعويضه بمزيد من الارتماء في الاستراتيجية الأمريكية.

وهنا، فإن الرهان يكون على تفهم قطاع من العرب، خاصة الذين يعدون بصورة أو بأخرى جزءً من تلك الاستراتيجية الأمريكية لما ستقوم به تركيا في العراق.

وحتى إذا صدرت من هذا الطرف العربي أو ذاك ما يحمل نقدا للخطوة التركية، فسوف يُنظر إليها باعتبارها من دواعي الاستهلاك المحلي لا أكثر ولا اقل، بل ربما تفَـهّـم البعضُ خطوة أنقرة العسكرية، ودعا إلى قبولها كأمر واقع، تماما كما هو حال الاحتلال الأمريكي.

والمفارقة هنا أن زعيما عراقيا كرديا من وزن مسعود برزاني يسعى إلى الحصول على دعم الجامعة العربية، في وقت بدت فيه تصريحات أمينها العام، عمرو موسى، المساندة لعدم التدخل التركي العسكري في العراق، وكأنها توحي بمرحلة من الشد الدبلوماسي مع أنقرة، ولكن لا يعرف هل سيكون ذلك مُـعبِّـرا عن موقف عربي، أم مجرد اجتهاد شخصي.

اقتسام المنطقة؟

وفي كل الأحوال، فإن قرار تركيا يعد تراجعا كبيرا عن التفاهمات التي تم التوصل إليها في أنقرة ذاتها قبل الحرب، وفي الرياض بعدها، فيما عُـرف بالمؤتمر الإقليمي الذي قرر عدم التدخل في الشؤون العراقية، والحفاظ على سيادة العراق ووحدته الترابية.

ويمكن القول أيضا، إن إرسال قوات تركية إلى العراق يُـعَـدّ بمثابة رسالة سلبية لجار آخر، أي إيران التي شاركت في المؤتمرين الإقليميين المذكورين، والتي تتعرض لضغوط أمريكية مباشرة ومعلنة، مما قد يُـغريها للتحرك، ليس عسكريا، وإنما بطُـرق أخرى، مما يزيد الوضع اشتعالا على نحو معاكس للمنطق المفترض.

وأخيرا، فإن الدور التركي عربيا، حسب ما يراه المتفائلون، لن تُـكتَـب فيه أي كلمة جديدة بعد، اللهم إلا عودة بروز حساسيات تاريخية مضت، وتخوفات من أن تبقى تركيا لعقود مقبلة في العراق.

د. حسن أبوطالب - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×