Navigation

هل حقق المضربون في تونس أهدافهم؟

أعلمت الحقوقية الإيرانية شيرين عبادي (أقصى يسار الصورة في جلسة افتتاح قمة مجتمع المعلومات بتونس) المضربين عن الطعام بتأييد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان (وسط الصورة) للدعوة الموجهة إليهم لوقف إضرابهم عن الطعام swissinfo.ch

سؤال يتردد هذه الأيام في تونس، بعد مرور شهر من تاريخ انطلاق ما أصبح يعرف بحركة 18 أكتوبر، واحتمال اتخاذهم قرارا بوقف الإضراب.

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 نوفمبر 2005 - 23:00 يوليو,

ومع أنه لم يتحقق أي مطلب من المطالب الثلاثة التي رفعوها، وهي حرية الصحافة وحرية التنظيم وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، لكن ذلك لا يعني أن إضرابهم لم تكن له تداعيات على أكثر من صعيد.

إن رصد ما حدث خلال الأسابيع الأربعة الماضية يحيل المراقبين إلى عدد من المستجدات التي نتجت عن الإضراب أو كانت على صلة قوية به.

أولا: أحدث الإضراب رجة قوية في الأوساط التي اتسعت الفجوة بينها وبين السلطة مند أواسط التسعينات. فالحركية شملت عددا متزايدا من طلاب وجامعيين ونقابيين ومحامين وغيرهم، وهو ما دل على أن الغاضبين على الأوضاع السياسية والاجتماعية كانوا ينتظرون حدثا قويا في رمزيته وجرأته ليتفاعلوا معه، وينخرطوا في حراك جديد قد يمهد حسب اعتقاد البعض لإنشاء معارضة أكثر جدية وتماسكا وقدرة على الفعل والاستقطاب.

من جهة أخرى، وجه المضربون رسالة إلى الرأي الديمقراطي مفادها أن الاختلاف الأيديولوجي والسياسي ليس عائقا للقيام بمبادرات سياسية مشتركة. فالذين كانوا يتبادلون الاتهامات والإقصاء، وجدوا أنفسهم وباختيارهم، يقضون شهرا كاملا تحت سقف واحد، يؤازر بعضهم البعض، دفاعا عن نفس الأهداف، والتزاما بتكتيك موحد. وقد ترتب عن ذلك أن لقيت المبادرة تأييدا من أوساط واسعة، جمعت بين الإسلامي والليبرالي والعلماني والقومي، متجاوزين بصفة مؤقتة خلافاتهم الرئيسية والثانوية من أجل إعطاء الأولوية لرفع سقف الحريات العامة.

ثانيا .. وثالثا

ثانيا: نجحت حركة 18 أكتوبر في خلخلة العلاقة الاستراتيجية التي تربط الأصدقاء التقليديين لتونس بنظام الحكم. فتواتر المواقف العلنية والضغوط من قبل عدد من الحكومات الأوروبية، إلى جانب تزايد النبرة الاحتجاجية لدى الحكومة الأمريكية، قد ترجم بوضوح حالة القلق التي أصبحت تسكن عددا متزايدا من شركاء تونس الرئيسيين.

ولعل انخفاض مستوى تمثيل الدول الغربية في فعاليات المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات دليل قاطع ومزعج على وجود حالة فتور جماعية غير مسبوقة بين تونس والعواصم الغربية.

وقد تفاقم الأمر مع انعقاد القمة، حيث تراكمت أخطاء الأجهزة الرسمية، وفي مقدمتها أسلوب العلاقة بعدد من الصحافيين الأجانب، والتصدي لمحاولة عقد اجتماع مواز للقمة من قبل فعاليات المجتمع المدني. كل ذلك جعل الأطراف الرسمية الأوروبية والأمريكية "تصدق ما كانت تعتبره من قبل مجرد تضخيم من قبل المعارضين للنظام التونسي".

بالرغم من أن جدول أعمال القمة قد فرض نفسه على المشاركين، غير أن أوضاع حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان في تونس كانت حاضرة بقوة على جميع المستويات، تصريحا مع مواقف منظمات المجتمع المدني العالمي، أو تلميحا مثلما كان الشأن في خطاب الرئيس السويسري عند جلسة الافتتاح، أو الاكتفاء بإشارة خفيفة مستبطنة كما حصل في كلمة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وهو ما جعل البعض يعتقدون بأن القمة تحولت إلى أشبه بالفخ الذي وقعت فيه السلطة دون أن تحسن تقدير حجم الخسائر التي قد تترتب عنها.

ثالثا: شكل الإضراب مناسبة لخلخلة الأوساط الرسمية أو القريبة منها. هذه الأوساط التي كانت تحرص باستمرار على أن تظهر أمام خصومها متضامنة ومتماسكة ومدافعة بدون تحفظ على اختيارات السلطة. لكن التطورات الأخيرة أثارت مخاوف هذه الأوساط، ودفعت بجزء منها إلى الشعور بخطورة تصعيد المواقف وغلق الأبواب والنوافذ في وجه الجميع.

لهذا كثر الهمس وظهرت الحيرة على بعض هؤلاء الذين أصبحوا يكثرون من التساؤل حول حقيقة ما يجري، ويبحثون له عن مبرر منطقي، ويخشون أن تكون تداعياته في المرحلة القادمة من الحجم الثقيل. بل إن البعض قد قرر أن يخرج عن صمته، ويرفع صوته ناصحا وداعيا إلى إطفاء الفتيل قبل فوات الأوان.

نصيحة مغلفة

في هذا السياق يكتسب النص (المنشور في بعض الصحف يوم 13 نوفمبر الجاري) الذي وقعته شخصيات، بعضها مصنف بكونه قريب من الحكم، دلالة معينة.

فبالرغم من تأكيد أصحاب النداء على أنه من "الأنسب أن تعالج القضايا الخلافية في أطر وأوقات أخرى وبعيدا عن أي تداخل مع جهات أجنبية"، غير أنهم في المقابل أقروا بضرورة وفائدة ممارسة حرية الرأي، ودعوا إلى "تفضيل التحاور والتفاوض بحثا عن نقاط تقاطع" وإلى "إحلال الوفاق عوض التصادم". وهي إشارة قد تكون ضاعت في طيات تضخيم مسألة التدخل الأجنبي، إلا أنها تبرز رغبة أصحاب النداء ورغبة آخرين كثيرين قريبين من السلطة، وحتى بعض المنتسبين إلى "التجمع الدستوري الديمقراطي" (الحزب الحاكم)، في أن يفتح النظام باب التفاوض مع الرابطة والمضربين وكل الجمعيات التي تعاني من الإقصاء، حتى لا يدفع هؤلاء نحو أساليب نضالية قد يترتب عنها خلط لكل الأوراق.

إنها نصيحة مغلفة وحذرة لصاحب القرار بعد أن غاب دور الشخصيات الاعتبارية ذات المصداقية التي كانت تلعب دور رجال الإطفاء عند الضرورة في مرحلة سابقة، وبعد أن توقف المستشارون عن القيام بوظيفتهم التي يتقاضون بسببها رواتبهم والتي تتمثل في نقل الحقيقة كما هي لصاحب السلطة، وتقديم المساعدة والرأي حتى تعالج الملفات السياسية بأساليب وأطروحات سياسية.

زيارة هامة

هذه التداعيات، يراها البعض هامة وكافية للقول بأن إضراب 18 أكتوبر قد حقق أكثر بكثير مما كان يتوقعه أصحابه، خاصة بعد استقبال وزير العدل لهيئة المحامين بعد توتر صاخب بين الطرفين، وكذلك إعلان أغلبية الذين رفعوا قضايا أمام المحاكم ضد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن سحب شكواهم رغم استمرار حالة من التردد والارتجال في صفوفهم.

كما أنه - ولأول مرة - توجه صبيحة يوم الخميس 17 نوفمبر وفد هام تقوده الحقوقية الإيرانية شيرين عبادي يتشكل من ممثلين عن كبرى المنظمات الدولية لزيارة المضربين عن الطعام في تونس وتقديم الدعم لهم، ومطالبتهم بالتوقف عن الإضراب.

كما تم إعلام المضربين من طرف الوفد بأنه قد تم إبلاغ مكتب الأمين العام للأمم المتحدة بمطالبهم وأن السيد كوفي أنان أكد "أخذه مستقبلا بعين الإعتبار لمطالبهم وأيد الدعوة إلى وقف الإضراب". يضاف إلى ذلك، قيام الصحافيين بتغطية عالمية لهذا الحدث الدرامي والرمزي.

كل هذه المعطيات قد تدفع بالمضربين - حسب توقعات البعض - إلى الإعلان في غضون الساعات القادمة عن قرارهم التوقف عن مواصلة إضرابهم.

الآن يطرح السؤال الحرج التالي: هل ستكون المعارضة التونسية قادرة على استثمار هذا الحراك الجديد لتعيد بناء نفسها بعيدا عن الارتجال والتقاتل والأوهام؟. أم أن الذاكرة المثقوبة ستدفع بالبعض لإعادة الحالة السياسي للمعارضة إلى المربع السابق؟. ثم هل سيستفيد النظام مما حصل ويغير أسلوبه في التعاطي مع المجتمع المدني، أم أن منطق الانتقام ورد الفعل سيطبعان سياسته بعد انفضاض القمة العالمية لمجتمع المعلومات مساء الجمعة المقبل؟.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.