هل سيتمخض جبل طارق عن..تسوية؟

مصير جبل طارق يثير اهتماما كبيرا في المغرب Keystone

هل توافق الحكومة البريطانية على التخلى عن مستعمرتها في جبل طارق؟ الأوساط الإسبانية جددت حملتها في هذ الخصوص، اعتقاداً منها أن بعض التطورات التي طرأت على الصعيد البريطاني يمكن أن تؤدي الى تغيير موقف لندن الرافض تاريخياً للبحث في هذا الاحتمال.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 أغسطس 2001 - 19:41 يوليو,

تعتبر قضية مستعمرة جبل طارق وعودتها الى السيادة الإسبانية عقدة الخلاف التاريخية بين إسبانيا وبريطانيا، القوتان البحريتان السابقتان اللتان تنازعتا السيطرة على البحار في الماضي، والعضوان حالياً في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

البريطانيون رفضوا باستمرار في الماضي، وبدون تردد، البحث في هذه المسألة، معتبرين أن مستعمرة جبل طارق التي تتبع التاج البريطاني منذ ثلاثمائة سنة (تم التنازل عنها لبريطانيا عام 1731)، تمثل ركناً أساسياً في استراتيجية بلادهم العسكرية، كإحدى الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن، التي يتعين عليها الاضطلاع بدور رئيسي في حماية الأمن العالمي، والأمن المتوسطي.

يبعد جبل طارق أربعة عشر كيلومتراً عن السواحل المغربية، وهي تعتبر مقر رسو الغواصات النووية وسفن البحرية البريطانية، و يضم مجموعة من أقدم وأكبر محطات التنصت في العالم التي تستخدم في مراقبة بقية الدول الأوروبية والإفريقية، علاوة على حركة الملاحة في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وتعتمد بريطانيا التي تعتبر أكبر شريك أوروبي في حلف شمال الأطلسي، على مراكزها في جبل طارق لتقديم خدمات دعم أمنية وعسكرية لحليفتها الكبرى الولايات المتحدة.

تحولت منطقة جبل طارق في السنوات الخمس الماضية إلى مركز مالي دولي، يتجاوز سويسرا أهمية، حتى في نظر المستثمرين العرب، والسبب في ذلك قوانين السرية المصرفية فيها التي يتم الالتزام بها كاملة، وهو الدافع وراء اتهامات إسبانيا لها باستمرار على اعتبار أنها جنة للمتهربين من دفع الضرائب من مواطنيها، وأنها باتت مركزاً دولياً لعمليات تبييض الأموال غير المشروعة، وأن نحو خمسين ألف شركة تنشط فيها، في ظروف غير واضحة، مهددة الاقتصاد الإسباني، وقد طالب البريطانيون مراراً الجانب الإسباني بتقديم براهين على اتهاماتهم من دون جدوى.

وتندلع باستمرار مشاحنات سببها القبض على الصيادين الأسبان الذين يصيدون في المياه الإقليمية لجبل طارق ومصادرة سفنهم وتقديمهم للمحاكمة. كما أن السلطات الإسبانية تقوم باستمرار، بدعم من الاتحاد الأوروبي، بإغلاق المنافذ الحدودية المفضية إلى جبل طارق، وتمنع دخول الواردات من جبل طارق متهمة المستعمرة بأنها نقطة تهريب رئيسية إلى أسبانيا.

ويرد البريطانيون باعتبار القيود الإسبانية مخالفة صريحة للقوانين الأوروبية التي تحرّم تقييد حركة السفر ودخول السلع عند المعابر الحدودية للدول الأعضاء في الاتحاد.
ومنذ عام1969 تتمتع جبل طارق بوضع الأراضي التابعة للتاج البريطاني، وبدستور خاص بها، وحكومة محلية. إلا أن هذا الأمر لم يغير شيئاً من موقف مدريد التي تعتبر سلطات المستعمرة مسؤولة عن عرقلة تنفيذ 60 قراراً أصدرها الاتحاد الأوروبي ضدها.

وقد طالب السكان مراراً بمنحهم حق المشاركة في الانتخابات لبرلمانية الأوروبية، إلا أن أسبانيا عارضت ذلك باستمرار، متذرعة بأن هناك قوانين أوروبية عدة تمتنع المستعمرة عن تطبيقها.

ما الذي حققته "مسيرة بروكسيل" للتسوية؟

ومنذ عام 1984 بدأت ما يُسمى بـ "مسيرة بروكسيل للتسوية"، بإيعاز ووساطة من الاتحاد الأوروبي لحل قضية جبل طارق، من دون تحقيق تقدم يُذكر. وتجددت المحادثات، في هذا الإطار، بين مدريد ولندن في السنوات الماضية، وحاولت لندن جعل البحث حول مصير جبل طارق في إطار مفاوضات ثلاثية تتمثل فيها إسبانيا وبريطانيا ومستعمرة جبل طارق في صورة منفصلة، وهو ما رفضه الأسبان معتبرين أن رئيس وزراء جبل طارق يمكن أن يتمثل في الوفد البريطاني لا غير.

وحتى عام 1988 كانت حكومة جبل طارق تشارك في مفاوضات "مسيرة بروكسل"، عن طريق لجان حكومية بريطانية-إسبانية مشتركة. ثم عادت وانسحبت منها لأن هذه المفاوضات تطرقت الى مسائل تتعلق بالسيادة، في حين أن »مسيرة بروكسل« كان يفترض أن تشمل قضايا تخص مجالات تعاون مشترك بين بريطانيا وإسبانيا في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية والسياحية والطيران والبيئة: وعاودت المفاوضات لاحقاً ولكنها كانت تعود وتتعثر، حينما يتطرق الأمر إلى موضوع سيادي.


الاستراتيجية الإسبانية تركزت حتى الآن على أساس استخدام الضغط الاقتصادي وسيلة لحمل بريطانيا على التخلى عنها. وتسير هذه الاستراتيجية على خطين، الأول محاولة الزام جبل طارق بتطبيق مزيد من القوانين الأوربية مما يعني حرمان المستعمرة من مداخيلها وتحويلها إلى عبء اقتصادي على بريطانيا، والثاني استمرار القيود الاقتصادية لخنق حركة التجارة في جبل طارق في شكل لا يُبقي أمام المسؤولين فيها إلا خيار الإذعان، ومقايضة مسألة التعاون الاقتصادي مع إسبانيا بتقديم تنازلات على صعيد السيادة.

ويبدو أن هناك تحولاً ما جرى في موقف بريطانيا، التي كانت دائماً تعلن أن موقفها مما يحدث في جبل طارق مرتبط برغبة السكان المحليين في تقرير مصيرهم. إذ وافقت الحكومة البريطانية الشهر الماضي، على ما يبدو، وخلال لقاء عقد في لندن بين وزيري خارجية البلدين على أن يُدرج موضوع السيادة في المفاوضات المستقبلية التي ستدور بينهما ابتداء من الشهر المقبل، والتي ستبحث فيها لجان مشتركة تتناول القضايا الاقتصادية والعسكرية وأيضاً القضايا الدستورية.

مصادر رسمية تحدثت اليها " سويس أنفو" أن هناك تفاهماً يجري البحث في صدده حالياً بين وزارتي الدفاع في البلدين لترتيب علاقات التعاون المستقبلية، في ظل الانطباع الإيجابي الذي تركته في لندن مواقف السلطات العسكرية الإسبانية إزاء حادثة لجوء الغواصة البريطانية النووية المعطوبة "تايلرس"، التي رست الربيع الماضي في مياه جبل طارق.

وقالت المصادر إن هناك تفاهماً في عاصمتي البلدين على أن تسوية قضايا المصالح الاستراتيجية التي تخص الدور الدولي لبريطانيا يمكن أن يُسهم في تحقيق نوع من الدمج المستقبلي لمستعمرة جبل طارق في إسبانيا، سيما وأن بريطانيا التي تبنت سياسة اللامركزية ومنح الحكم الذاتي للولايات البريطانية، تعتبر أن معطيات التمسك ببقاء جبل طارق تابعة للتاج البريطاني قد تغيرت في شكل جذري. وهي تستند في رؤيتها هذه إلى أن الاندماج المتزايد في الاتحاد الأوروبي، مع ما يعنيه ذلك من تراجع دور الحكومات لصالح هيمنة مؤسسات المفوضية الأوروبية، لا يبرر الاستمرار في التمسك ببقعة أرض ستندمج في الاندماج الأوروبي إن عاجلاً أم آجلاً، أكثر من اندماجها في أي دولة أوروبية قد تطالب بها.

ابراهيم الشريف - لندن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة