تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هل سيكون 2005 عام العفو الشامل؟

(swissinfo.ch)

بدأ العام الجديد بحدثين هامين. أولهما، إعلان خصخصة المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة، وثانيهما، إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن استفتاءاً شعبيا سيكون موضوعه "العفو الشامل".

وسيجري تنظيم الاستفتاء في شهر أبريل. ومع أن الحدث الأول مفهوم، إلا أن الثاني مجهول الهوية والهدف.

في بلد كالجزائر، تحتاج جهات عديدة إلى عفو رئاسي "شامل" ليمنحها الشرعية، إما لمواصلة الحياة، أو لمواصلة نشاطاتها أو كي يتم نسيانها من قبل المؤرخين.

العجيب في الأمر، أن عفوا كهذا، انتظره المراقبون في عام 99، عندما وصل بوتفليقة أول مرة إلى سدة الحكم. والسبب بسيط، إذ يتمثل في نجاح المؤسسة العسكرية في ضرب الجماعات المسلحة وتحجيم دورها، غير أنها فشلت في كسب رهان الاستقرار السياسي بسبب مشكلة "عدم الاختصاص" من جهة، ولأن الكثير من أفرادها متورط، حسب البعض، في أعمال شنيعة قد تؤدي بهم إلى محكمة جرائم الحرب الدولية، من جهة أخرى.

غير أن بوتفليقة احتاج إلى خمسة أعوام كي يُـعلن أنه مستعد للعفو الشامل، إذا ما رضي الشعب بمسعاه. والحق أن الإجابة ستكون: "نعم"، لأن الجميع سيحشد أسرته وحيّـه وجماعته وقبيلته كي يعفو عنه الرئيس.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الأستاذ رشيد فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الاستشارية المكلفة بمراقبة وترقية حقوق الإنسان، وهي منظمة رسمية مقربة من رئاسة الجمهورية، كانت قد صرحت قبل نهاية عام 2004 بأن هناك أكثر من خمسة آلاف رجل أمن، متورطين في عمليات اختطاف وقتل، طالت المدنيين الأبرياء.

ورغم خطورة هذا التصريح، لم تنبس مصالح الأمن ببنت شفة، كأن الأمر لا يعنيها، ولسان حالها أن رجال الأمن المتورطين في أعمال وحشية يندّى لها الجبين، قد قاموا بذلك بمفردهم، دون أن تصدر بحقهم أية أوامر.

فتح صفحة جديدة

كما أن المثير للدهشة، هو نأي رجال أمن كثيرين، أشارت إليهم جمعيات المفقودين والمختطَـفين بالبنان، عن اللجوء إلى العدالة لنفي الاتهامات الخطيرة بحقهم، كأنهم ينتظرون أمراً ما ينقذهم مما هم فيه.

وفي نفس السياق، استسلم "إسلاميون مسلحون سابقون" إلى فكرة العفو الشامل، وهم كنظرائهم في مصالح الأمن، ينتظرون العفو الرئاسي الذي سيزكّـيه الشعب باستفتاء عام.

ونظريا، ليس هناك معارض لفكرة العفو الشامل، إلا مجموعة نادرة من الجزائريين ممّـن التزموا بما قاموا به، سواء أكان أحدهم معارضا للإسلاميين وقُـتل منهم، أو إسلاميا وقُـتل من خصومه العلمانيين.

حتى أفراد الجماعة الإسلامية المسلحة، ذات توجهات التكفير والهجرة، لم يجرءوا على الحديث، بالرغم من اقتناعهم بأن ذبح الشعب بأسره حلال، وهم قد قاموا بذلك خلال تسعينيات القرن الماضي بوحشية قلّ نظيرها في أبجديات العنف الجزائري على مر التاريخ.

ومما يدل على أهمية موضوع العفو الشامل بالنسبة للرئيس الجزائري، عدم إمكانية الوصول إلى أية معلومة بهذا الشأن من داخل مقر رئاسة الجمهورية، لأن الرجل متكتّـم على ما في خاطره، وينتظر تزكيّـة الشعب لفكرة مُـبهَـمة، تعني العفو عن كل من أجرموا دون استثناء يُذكر.

غير أن ما يمكن فهمه من أحاديث الرئيس الجزائري مع وسائل الإعلام أو في خطبه بشكل عام، هو رغبته الجامحة في فتح صفحة جديدة، يبدأ فيها الجزائريون حياتهم من الصفر، كأن شيئا لم يحدث.

ولا شك أن المسلحين، بمختلف أشكالهم، سيروق لهم مثل هذا التوجه، كما قد ينضم إلى هؤلاء، مجموعة لا بأس بها من اللصوص والمتهربين عن دفع الضرائب، وهؤلاء يهمّـهم العفو الشامل على كل حال.

ومن ناحيتها، لم تزد الصحافة الجزائرية الصادرة في الأسبوع الأول من العام الجديد عن تكرار الخبر الأكيد، وهو إجراء الاستفتاء في شهر أبريل المقبل دون توضيحات أكثر، عدا تكرار قائمة من قد سيشمَـلهم العفو الشامل.

الجماعة السلفية للدعوة والقتال

ورغم هذه الصورة المبسّـطة لعفو يفرح له كل الجزائريين، الأبرياء منهم والمذنبون، تبقى الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ذات العلاقة بتنظيم القاعدة، السرّ الأكبر في معادلة الرئيس الجزائري.

فقد رفضت هذه الجماعة مسعى الوئام المدني في الفترة الرئاسية الأولى لبوتفليقة، وواصلت هجماتها على قوات الأمن وبعض المدنيين، كما أنها لم تُـلق بالاً لرجوع آلاف المسلحين إلى بيوتهم، وعودتهم إلى الحياة الطبيعية.

وخلال الأسبوع الأول من العام الجديد، قتلت الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ثمانية عشرة فردا من قوات الأمن في ولاية بسكرة،التي تقع على بعد 650 كلم جنوب شرق العاصمة، بعد يومين فقط من الإعلان الرسمي عن القضاء على الجماعة الإسلامية المسلحة - ذات توجهات التكفير والهجرة - والتي فكّـكت مصالح الأمن كل شبكاتها داخل العاصمة الجزائرية وضواحيها بعد ثلاثة عشر عاما من النشاط الدموي.

لذلك، تمثل الجماعة السلفية على قلة عدد أفرادها، مشكلة حقيقية للرئيس الجزائري، الذي استعمل كل ما لديه من حلول لتفكيك الجماعة، أو إقناع أفرادها بإلقاء السلاح. ومن ذلك، متابعة أفرادها خارج الحدود الجزائرية من خلال تعاون استخباراتي مع مصالح أمنية عديدة، عربية وغربية، نتَـج عنها إلقاء القبض في شهر نوفمبر الماضي على "البار"، الرجل الثاني في الجماعة السلفية.

ولا يُـعرف تصرف بوتفليقة في حالة استمرار الهجمات ضد قوات الأمن بعد إجراء الاستفتاء والعفو عن كل من ظلم جزائريا، لأن الهدف من العفو حينها يُـصبح مشكوكا فيه، بما أن أعمال العنف لا زالت مستمرة.

قد يكون العفو إيجابيا.. ولكن

ولئن كان العفو في حدّ ذاته أمرا إيجابيا، إلا أن السؤال يبقى مطروحا حول إمكانية تكرار ما حدث في السنوات العشر الأخيرة، لأن اتهام 5 ألف رجل أمن بقتل الأبرياء من دون صدور أمر عن قوات الأمن، لا يُـبرئ أصحاب المسؤولية من إشاعة جو من الطمأنينة، شعُـر معه الجلادون بالراحة، خاصة وأن معظمهم أُمّي، كتابة أو ثقافة.

وبسبب تتابع الأحداث، ستجد عائلات المفقودين نفسها أمام واقع الحصول على ورقة رسمية تؤكّـد أن من تبحث عنه من أب أو أخ أو زوج، قد مات بالفعل، وأن قاتله مجهول، غير أن العفو الشامل قد شمله على كل حال، وما على العائلة سوى القبول بالتعويض المالي المقترح.

نفس الأمر، ستتعرض إليه عائلات ضحايا الإرهاب الذين سيجدون أنفسهم أمام واقع العفو عمّـن قَـتَـل أحد أفراد عائلتهم بسبب العفو الشامل.

ومن الناحية الحسابية الصرفة، سيتخلّـص الرئيس الجزائري، ومن بعده الدولة الجزائرية، من جماعة ضغط ضخمة، هي جمعيات ضحايا الإرهاب التي أرادت خلافة تنظيمات أبناء الشهداء والمجاهدين في المدى المتوسط والبعيد، الأمر الذي قد يكلف الدولة الجزائرية ميزانيات ضخمة.

قد يمنح العفو الشامل الرئيس الجزائري، إمكانية الفوز بجائزة نوبل للسلام، غير أن جَـرّة قلم، لا يمكنها تبرئة المجرمين من هذا الطرف أو ذاك، لأن التاريخ لا يهتَـم بالنفحات الرئاسية، وسيذكرها كجزء من الدراما الجزائرية، واستمرارٍ للأحداث ليس إلا.

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك









swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×