Navigation

هل يمكن لحرب أهلية أن تقوم في العراق؟

يرى مراقبون أن عناصر الحرب الأهلية تم بناؤها في العراق خلال الأشهر الماضية عبر وسائل متعددة استخدمتها أطراف مختلفة Keystone

تزايد الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمالات نُـشوب حرب أهلية في العراق.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أكتوبر 2004 - 11:09 يوليو,

وانقسم الخبراء والمراقبون، كلٌ يدلي بدلائه، موزعين بين مرجِّـح ومستنكر.

لقد كان الفتيل الذي أشعل حرب التقارير والتحليلات حول هذا الموضوع التقرير السري المرفوع إلى الإدارة الأمريكية، الذي قرر أن مستقبل العراق بنهاية عام 2005، سيتحدد في واحد من ثلاث خيارات: الاستقرار الهش، أو الحرب الأهلية، أو التقسيم.

وإذا كانت الصور الواردة من الخارج تتأرجح بين مستنكر لهذه الفكرة، نافيا إمكان قيامها، وآخر متخوف منها، فكيف هي يا تُـرى الصورة من الداخل؟ وكيف ينظر العراقيون إلى مثل هذه المخاوف والرؤى؟

كانت تقارير استخبارية، وأخرى صادرة عن مراكز بحوث في شتى أنحاء العالم، تتخوف من نشوب حرب أهلية في العراق بين الطائفتين المسلمتين الرئيسيتين في البلاد، وهما السُـنّة والشيعة بعد سقوط النظام السابق، إلا أن الواقع العراقي منذ احتلال بغداد وحتى اليوم، أكّـد ضعف هذه المقولة، إذ بدت الوحدة الوطنية راسخة على النحو الذي أطاح بتلك المخاوف حتى الآن، بل يمكن القول إنها فشلت على نحو ذريع أيضا - على اقل تقدير.

فشل ذريع ، ولكن!

يقول الشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي، الناطق باسم هيئة علماء المسلمين في العراق، إنه لا يتوقع قيام حرب طائفية في العراق، مشيرا إلى أن البلاد مـرَّت في أعقاب الاحتلال الأمريكي بمراحل بالغة السوء، ولم تندلع فيها مثل هذه الحرب المقيتة، مشيرا إلى أن الطرفين، السنة والشيعة، يتمتّـعان بضبط النفس والحكمة، ويستمعون إلى نداء العقل.

غير أن تلك المخاوف لم تتبدّد تماما، ولم تسقط من الحساب على نحو كلي. فبرغم وجود عقلاء وأصحاب رأي سديد في كلتا الطائفتين منعوا، حتى الآن اندلاع مثل هذه الحرب، إلا أن الذي ينظر إلى الواقع العراقي، ويرى عُـمق التدخلات الخارجية فيه، سياسيا واستخباريا وثقافيا، تتعزز لديه المخاوف من احتمال نُـشوب حرب بين فصائل شيعية وأخرى سنية، يفرقهما الموقف السياسي، وليس المذهبي.

ويمكن في هذا الصدد ملاحظة أعداد من الصحف ووسائل الأعلام تغذي روح الصراع بين الطائفتين بأساليب شتى، بل أن تلك الوسائل الإعلامية ومن خلفها التيارات السياسية والطائفية القابعة وراءها، لم تتوان عن الاستعانة بالقوات الأمريكية وبجهات خارجية، بعضها من دول الجوار العراقي في مخططها هذا.

ويؤكّـد الدكتور الفيضي، أن "السنة والشيعة في العراق يفهمون أن هناك قوى خارجية وداخلية تلعب على وتر الحرب الأهلية والصراعات الطائفية والفتن المذهبية، وفي مقدمة تلك القوى إسرائيل" حسب قوله.

ومن جهته، يؤكّـد الشيخ جواد الخالصي، الأمين العام للمؤتمر التأسيسي العراقي، على أهمية الوحدة الوطنية وضرورة التركيز عليها في كل البرامج السياسية والتربوية والإعلامية، باعتبار هذا الجهد الوسيلة الوحيدة والأكيدة لتجنيب العراق الوقوع في مهاوي الفتنة الطائفية والحرب الأهلية.

كما تشير وقائع الأحداث إلى احتمالات نشوب صراع شيعي - شيعي على غرار ما جرى في النجف أخيرا ضد التيار الصدري، حين سارعت كل الفصائل الشيعية الأخرى إلى تحجيمه خشية تفاقم دوره وتأثيره على حساب أدوارها المتهالكة لسبب أو لآخر.

هل يمكن لحرب أهلية أن تقوم في العراق، وكيف؟

برغم الصعوبة المفترضة وصولا إلى جواب دقيق عن هذا السؤال، يمكن تأشير عدد من الحقائق نجملها سريعا فيما يأتي:

أولا، تلاشي فُـرص نشوب حرب أهلية على أساس طائفي بحت بدون دافع سياسي وتحريض خارجي.

ثانيا، إمكان قيام حرب أهلية لدوافع سياسية محدودة.

ثالثا، إمكان قيام حرب أهلية بين العرب والتركمان من جهة، والأكراد من جهة أخرى.

رابعا، يمكن لحرب أهلية أن تقوم على أساس الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق، وسبل وكيفية التعاطي والتعامل مع حكومة العراق المؤقتة الحالية.

وفي إطار التفصيل، يمكن أن نتحدث عن الحقيقتين الأخيرتين بعد أن أشرنا فيما سبق استحالة أو تلاشي فرص قيام حرب على أساس طائفي بحت بين السنة والشيعة العرب في العراق. كما تحدثنا عن الدفع السياسي المقصود الذي تغذيه جماعات محددة ووسائل إعلام بعينها، لتحقق بأفعالها هذه تلك المخاوف.

القنبلة الموقوتة

على صعيد قيام حرب بين العرب والتركمان من جهة، والأكراد من جهة ثانية، يمكن التأشير إلى حقيقة الأوضاع المتفجرة في كركوك وفي كردستان العراق، الذي تسعى بعض قواه السياسية إلى فصله عن الوطن الأم.

ويمكن في هذا الصدد، الإشارة إلى تصريحات مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان العراقي بشأن هوية كركوك وحديثه المتكرر، مرتين خلال أسبوع واحد، عن "استعداد الأكراد القتال دفاعا عن كردستانية كركوك" وعدم التنازل عنها.

كما يمكن في هذا الصدد، الإشارة إلى المخاوف العربية والتركمانية من تزايد ما يصفونه بالأعمال العدائية ضدهم، التي ترتكبها الجهات الكردية بحقهم وطردهم من قراهم وممتلكاتهم، واستقدام الأكراد من باقي المدن الكردية أو دول الجوار لإسكانهم في كركوك، الأمر الذي يعَـزّز فرص نشوب حرب أهلية هناك.

وفي الحقيقة، فإن الوضع المتفجر في كركوك يجعل أبناءها يشيرون باستمرار إلى مخاوفهم من نشوب حرب كهذه، وهم في إعرابهم عن تلك المخاوف يقولون، إن الحرب الأهلية، إذا ما اندلعت في كركوك، فإنها ستكون مقدمة لحرب أوسع تشمل العراق كله بسبب الطبيعة المعقدة عرقيا ودينيا وطائفيا لسكان هذه المدينة.

ويحذر رياض صاري كهية، رئيس حزب تركمان ايللي، وهو أحد الأحزاب المؤتلفة في إطار الجبهة التركمانية، "إن الحرب الأهلية قادمة في العراق، وإن شرارتها الأولى ستكون من كركوك التي يحاول الأكراد العبث بها وتغيير واقعها السكاني على نحو مريع" حسب تعبيره، وهو ما يؤكّـده أكثر من مسؤول وزعيم عشائري عربي أيضا.

الموقف من الاحتلال والحكومة المؤقتة

يبدو هذا العنوان هو الأخطر من بين السيناريوهات المعدة لمستقبل العراق، إذ يمكن من خلاله توضيح جانب مما يجري في العراق حاليا من أعمال تفجير وهجومات بسيارات مفخخة وغيرها.

فمن بين الأوجه التي يحملها المشهد العراقي الحالي، بوادر اندلاع حرب أهلية بين فصائل عراقية على أساس الموقف من الاحتلال والحكومة المؤقتة وما جرت تسميته، "عملية سياسية تمهد لانتخابات برلمانية".

فالحرب التي شُـنّـت على سامراء واللطيفية، ومن قبلها على النجف وتللعفر، وتلك التي يهدد بها إياد علاوي سكان الفلوجة الآن، ليست في رأي عديد المراقبين إلا حربا أهلية تَدفع إليها قوى عراقية ضالعة فيما يجري ويكتوي بنيرانها أبناء العراق.

وبقصد سيئ واضح، يجري الزج بقوات الحرس الوطني والشرطة إلى ساحة المعركة لإذكاء مزيد من الصراعات، وإثارة الفتن بين العراقيين وإظهار المعركة، وكأنها قائمة بين العراقيين أنفسهم، فيما هي حقيقة بين العراقيين والقوات الأمريكية، وإن ألبست لبوسا أخرى.

وبذلك، تحمّـل عدة أطراف عراقية القوى التي بيدها القرار في العراق اليوم، المسؤولية السياسية عن القنابل والسيارات المفخخة والانتحاريين الذين لا يجدون وسيلة للتعبير عن نقمتهم إلا باستهداف مقار الحرس الوطني والشرطة العراقية، مع ملاحظة أن هناك اعتقادا سائدا في صفوف عدد من العراقيين بأن نسبة غير قليلة من هذه العمليات تقف وراءها "أجهزة استخباراتية، ودول باتت تسعى إلى استعراض عضلاتها وتصفية حساباتها" في العراق المستباح.

فاستهداف رجال الشرطة وأفراد الحرس الوطني في الشوارع وفي المنازل وفي المقرات، ليس إلا وجها آخر من وجوه الحرب الأهلية التي تغذِّيها رغبة جزء من الماسكين بمقاليد السلطة اليوم (رغم وصفها بالمؤقتة) في الزج بالعراقيين لمواجهة أبناء شعبهم واستعراض قوتهم الشكلية وحزمهم الواهي.

وقد يبدو مستغربا مثل هذا القول، إلا أنه من المفيد التأكيد على أن الجهات التي تتحكّـم في بناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية العراقية الجديدة تُـروّج بقوة لمثل هذه المفاهيم، وتسعى إلى إشاعتها في صفوف المقاتلين.

وفي هذا السياق، يقول أحد كبار مستشاري وزير الدفاع العراقي المؤقت، إنه على استعداد لاستباحة أي مدينة عراقية وقتل سكانها، ما دام يتحصن فيها المقاتلون المناوئون للقوات الأمريكية، حتى لو كانت تضم عشيرته أو عائلته.

العراقيون أمام اختبار عسير

برغم أن كثيرا من العراقيين يعتقدون أن التنوع العرقي والطائفي والديني الذي يتمتّـع به العراق عامل قوة وغنى حضاري، وعنصر تماسك ووحدة أكثر منه عامل فرقة وتشرذم، وهو ما أثبتته فعلا المسيرة العراقية عبر التاريخ، إلا أن الذي يجري منذ احتلال بغداد، يؤشر اتجاها آخرا، حيث يجري الحديث عن المكونات العرقية والطائفية والمذهبية بعيدا عن الإطار الوطني الجامع، وكأن تلك المكونات متناثرة دونما رابط موحد ينتظمها، وأنها تسبح في ملكوت لا يجمعه جامع.

ويهدف المروجون لهذه الأفكار تعميق الانتماء للعرق والطائفة والمذهب والدين، على حساب الانتماء للوطن الواحد بأعماقه التاريخية والثقافية والجغرافية، ومن هنا، برزت المشاريع الفئوية المشرذِمة، حيث لم يخرج عن القوى المتصدرة في المشهد الجديد برنامج وطني عراقي واحد، فيما اهتمت القوى المعارضة ببرنامجها في مقاومة الاحتلال كأولوية أولى، وهو هدف مركزي تتجمّـع من حوله فصائل وطنية عديدة متنوعة المشارب والانتماءات.

ويرى الكاتب العراقي ماجد أحمد السامرائي أن الاحتلال فتح الأبواب أمام ما يسميه القطعان البربرية، وحفنة من محرومي الجاه وأصحاب الأغراض السيئة المسبقة الذين تمكّـنوا من بلورة مفهوم المحاصصة العرقية والطائفية وتسويقه داخليا، وعمّـقوا مفاهيم الانتماء للعرق والطائفة تمهيدا لحرب أهلية بين العراقيين.

ويعتقد السامرائي أن عناصر الحرب الأهلية تم بناؤها في العراق خلال الأشهر الماضية، وأنها لا تحتاج إلى إعلان رسمي لقيامها، حيث سيتم إشعالها من قبل الجماعات السياسية المُـهيمنة في اللحظة التي تشعر فيها بتقلّـص مصالحها الذاتية أو بدء انهيارها. كما يعرب عن اعتقاده من احتمال اندلاعها بفعل الأخطبوط الإسرائيلي المتغلغل في العراق حاليا.

ولا شك أن من بين أهم مرجحات اندلاع حرب داخلية، تفتيت الدولة المركزية، وتعميق الولاءات المحلية. وتزايد الحديث عن فدراليات هنا أو هناك، فضلا عن الاستخدام الخطير لحالات التعدد العرقي والديني لأغراض تقاسم السلطة وتكريس التقسيم وفق هذه الأسس، والدعوات المتزايدة لاستبعاد العرب السنة أو التقليل من حجمهم، وعمق فاعليتهم ومدى تأثيرهم في البلاد.

فهل ينجح العراقيون فيما أثبتوه حتى الآن من قدرة أسطورية على الصمود بوجه الاحتلال ومحاولات التخريب والشرذمة، أم أن الدافع السياسي الداخلي والخارجي سينجح في لي ذراع الإرادة الوطنية ويشعل حريقا كبيرا يلتهم المنطقة بعد أن يذر العراق - لا سمح الله - هشيما تذروه الرياح؟

مصطفى كامل ـ بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.