تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

وانقضت عشرة أعوام كاملة..

(swissinfo.ch)

مرت الذكرى العاشرة لوقف المسلسل الديمقراطي بالجزائر بأجواء شبه احتفالية بإنتصار فكرة استئصال الاسلاميين " جرثومة القرن الجديد" بعد ان اعلنت الولايات المتحدة ، سيدة العالم ، عليهم الحرب. ووجد مخططو الانقلاب الجزائري انفسهم في موقع الاستاذية لإعطاء الاخرين دروسا في كيفية القضاء على الاسلاميين.

ويصعب على المرء ان يشارك المحتفلين الجزائريين ما يصفونه بالانتصار، فحربهم لم تنته بعد، و الجزائر، على مدى السنوات العشرالماضية دفعت ثمنا ماديا، والثمن رسميا، اكثر من مائة وخمسين الف ضحية واربعين مليار دولار. وثمنا معنويا ، سياسيا واجتماعيا، كان ايضا باهظا ولا احد يعرف كيف ومتى سيعوض.

كانت الديمقراطية، التي بإسم الخوف عليها تحرك انقلابيو حركة الحادي عشر من يناير 1992، الضحية والاولى والاساسية حين طلبوا من الرئيس الشاذلي بن جديد تقديم استقالته وشكلوا مجلسا اعلى للدولة يدير الازمة لحين انتخاب رئيس جديد والغوا الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الاسلامية للانقاذ و حظروا نشاطها وفتحوا المعتقلات لنشطائها.

ودخل قصر المرادية بعد بن جديد بدل رئيس واحد اربعة رؤساء، والدم لازال يسيل والجراح لازالت تنزف، فالحرب ضد الارهاب التي اعلنت على الجبهة الاسلامية للانقاذ وما تضمنته هذه الحرب من حظر سياسي و اعتقالات واغتيالات وحملات تطهيرية، لم تنه العنف وان كانت قد خففت من حدته، في الوقت الذي استفحلت الازمة السياسية ومعها الازمة الاجتماعية والاقتصادية رغم الارتفاع الملحوظ بالسعر العالمي للمحروقات المصدر الاساسي للخزينة الجزائرية ورغم ما تلقته السلطات من دعم عسكري واعلامي من كل مكونات جبهة المعاداة للتيارات الاسلامية، عربيا وغربيا.

وقد لا يكون استمرار الازمة الجزائرية وعنفها، بسبب قوة الاسلاميين وتمددهم في المجتمع، بقدر ما يكون الفساد الذي ينخر السلطة بكل مكوناتها ولا ديمقراطية الاجهزة الحاكمة والذي كان الدافع الاساسي لتصويت المواطنين لمرشحي الانقاذ في انتخابات ديسمبر 1991 وهي السمة التي لازالت الى اليوم تطبع الحكم الجزائري.

المأزق

والفساد واللاديمقراطية ليس فقط سمة جزائرية، بل سمة عامة للنظام الحاكم في العالمين العربي والاسلامي، وكان التوجه الديمقراطي الذي عاشته الجزائر من 1988 الى 1992، كوة فتحت في جدار اللاديمقراطية، يمكن ان يحتذى كمثال للتحول الديمقراطي السلمي وان اتسم ببعض التشوهات والخلل. واستمرار التجربة الجزائرية كان سيساعد على نزع انياب العنف من الفكر الاصولي و توجهات الحركات الاسلامية التي لم تعد تذكر الا و ذكر معها منذ الحادي عشر من سبتمبر، تاريخ الهجمات على نيويورك وواشنطن و التي اتهم بها الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة.

وكان اتحاد المغرب العربي الضحية الثانية لحركة الحادي عشر من يناير الجزائرية، اذ لم يشغل العنف الذي ولدته الحركة، دولة مثل الجزائر عن التنمية بل ايضا عن العمل المغاربي المشترك ان كان لعدم قدرة دول الجوار شريك الجزائر في الاتحاد الذي كان لازال يحبو على مجاراة ما تطلبه الجزائر منها في الحرب على التيارات الاسلامية مما خلق حساسية تطورت فيما بعد، خاصة مع المغرب، الى ازمات وقطيعة واغلاق حدود.

وادى مسار الديمقراطية في الجزائر الى تخوف دول الجوار من تطور الانفتاح الديمقراطي النسبي الذي بدأت تعرفه، فسارعت الى اغلاقه مرة اخرى او الالتفاف عليه حتى يبقى دائما تحت السيطرة وفي المدى الذي ترى السلطات انه لن يشكل خطرا على ما تراه مناسبا لمجتمعاتها.

والغرب، خاصة اوروبا، التي تعتبر الديمقراطية قيمة انتجتها حضارتها و جوهر رسالتها الانسانية، لم تجد غضاضة في الدفع بإتجاه الانقلاب الجزائري على الديمقراطية، لانه يقطع الطريق على الارهاب والتخلف الذي كان سيسيج حديقتها الجنوبية، الا انها في النصف الثاني من التسعينات وجدت نفسها في مأزق حين كان عليها الاستماع والمشاهدة للخروقات الفادحة لحقوق الانسان والوحشية التي اتسمت بها الحرب الجزائرية على التيارات الاسلامية وبالتالي الاختيار بين ما ترفعه من شعارات و قيم و المحافظة على " متبني قيمها " في السلطة الجزائرية للحفاظ على مصالحها.

لكن هذا المأزق سرعان ما تبدد بعد عمليات نيويورك وواشنطن التي حولت الحرب على التيارات الاسلامية، بكل الوسائل والاساليب، حربا مشروعة. وباتت حقوق الانسان والحريات بالنسبة لاوروبا كلمات لا تعني الانسان المنتمي، دينيا او اصليا، الى دائرة خارج دائرة حضارتها الجغرافية، حتى لو كان مواطنا من مواطنيها او يقول انه يحمل قيمها و افكارها، وبالطبع منهم اؤلئك الذي احتفلوا بمناسبة انقلابهم على الديمقراطية بالجزائر.

محمود معروف – الرباط

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×