Navigation

ولازال الــتـوتـّـر مـسـتـمـرا ...

Keystone

تتواصل منذ عدة أسابيع مظاهر التوتر في علاقة السلطات المغربية مع السكان الصحراويين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 يونيو 2005 - 09:00 يوليو,

وتحدثت أنباء، نفاها المغرب رسميا، عن حدوث مواجهات مع ناشطين صحراويين في منطقة اسا الزاك، رفعت خلالها شعارات منددة بـ "الاحتلال" المغربي، وأخرى مؤيدة لجبهة البوليزاريو.

إذا كانت اسا الزاك جغرافيا ليست من الأقاليم الصحراوية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الإسباني واستردّها المغرب عام 1975، أو ما يُـطلق عليها "صحراء ما قبل 75"، فإن مواجهات مماثلة شهدتها مدينة العيون، كبرى الحواضر الصحراوية، يومي 17 و18 يونيو الجاري، رُفعت خلالها شعارات مؤيدة لجبهة البوليزاريو تكشف عن وجود أزمة بين الصحراويين والسلطات المغربية انفجرت بحدة نهاية شهر مايو الماضي ولازالت تطبع أجواء المنطقة وتُـلقي بظلالها على العلاقة بين مكوِّنات المشهد السياسي للنزاع الصحراوي.

لم تنف أوساط السلطات المغربية، التي لم تتحدث عن مواجهات مدينة العيون، أنباء مواجهات اسا الزاك، لكنها نفت عنها أي بُـعد سياسي، وقالت إن تلاميذ خرجوا إلى الشوارع احتجاجا على نتائج امتحانات الثانوية العامة، وذلك على غرار التفسير الرسمي لكل المواجهات منذ اندلاعها نهاية شهر مايو الماضي.

امتيازات .. وعزلة

بين البُـعد السياسي، الذي تقدمه جبهة البوليزاريو للمواجهات، والتفسير الاجتماعي الذي تقدِّمه السلطات المغربية، يتجاهل الطرفان علاقات مُـلتبسة بين السلطات المغربية وسكان الصحراء الغربية منذ بسط السيادة المغربية عليها عام 1976، وهي علاقات يتحاشى الطرفان الاقتراب منها لما تفجّـره من مسؤولية استخدام الصحراويين وقودا لنزاع تتداخل فيه العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، ولا يبدو في الأفق حل قريب له.

لقد تبنّـى المغرب الرسمي (منذ استعادة الصحراء الغربية من الاحتلال الاسباني) مقاربة "تعويض الأقاليم الصحراوية عشرين عاما من التنمية"، وهي الفترة التي فصلت بين تاريخ استعادة الصحراء (1976) عن إعلان استقلال المملكة المغرب في 2 مارس 1956.

ومنذ تأمين هذه الأقاليم من الهجمات المسلّـحة لجبهة البوليزاريو في منتصف الثمانينات، من خلال إقامة الجدار الأمني الذي زنّـر حدود الصحراء مع الجزائر وموريتانيا، وأدى بالتالي إلى حرمان قوات جبهة البوليزاريو من أي اتصال مباشر مع السكان الصحراويين، أطلقت السلطات المغربية ورشة تنموية ضخمة للأقاليم ركزت على تشييد البنية التحتية، وحمّـلت خزينة الدولة تكاليف باهظة.

وفي وقت كان الصحراويون يعانون من مأساة تشتُّـت العائلات بين مدن الصحراء ومخيمات تندوف، حيث معسكرات جبهة البوليزاريو، كانت الإدارة المغربية وككل إدارة دولة من دول العالم الثالث، تنهج مقاربة فساد وإفساد، عادت "بالخير" على شيوخ القبائل ووجهاء المنطقة، دون أن تنسى منح الأقاليم امتيازات لا تعرفها بقية الأقاليم المغربية، مثل الإعفاء من الضرائب والجمارك وتأمين موارد مالية من مصادر متعددة، وتسهيلات في ميادين مختلفة، وفي الوقت نفسه، حرمت نفس الإدارة على الأحزاب الديمقراطية النشاط السياسي في صفوف الصحراويين واعتبارهم قطاعا عاما مُـلكا للدولة.

ودون إدراك لطبيعة المجتمع الصحراوي وتقاليده، والارتباطات بين شيوخ القبيلة وأفرادها، والتي تكون عادة أقوى من أي روابط أخرى، اعتقدت الدولة المغربية أن الأقاليم الصحراوية أصبحت آمنة، وأن مغربيتها أضحت محسومة عسكريا من خلال الجدار الآمن، واجتماعيا من خلال "ارتشاء" الصحراويين وانعكاس هذا الارتشاء على الصحراويين اللاجئين بمخيمات تندوف لتشجيعهم على العودة إلى المغرب، دون ملاحظة أن الصحراويين لا زالوا يعيشون في عُـزلة عن بقية المغاربة إن كان في الصحراء أو في الجهات المغربية الأخرى، عُـزلة اجتماعية وإنسانية شِـبه كاملة.

وفجأة، في خريف عام 1999، بداية عهد الملك محمد السادس، انفتح القمقم على "المارد" الصحراوي بعد مظاهرات للطلبة الصحراويين احتجاجا على "حِـرمانهم" من امتيازات كانوا يتمتّـعون بها دون أن يتمتّـع بها بقية الطلبة المغاربة.

حرق العلم المغربي..

كانت تلك الاحتجاجات إنذارا، يبدو أن السلطات المغربية لم تُـدرك مخاطره، وإذا كانت قد حّـملت مسؤولية تلك الاحتجاجات لإدريس البصري، وزير داخلية الحسن الثاني القوي، وإقالته، فإنها بقيت مرتبِـكة في التّـعاطي مع الصحراويين الذين وجدوا ثورة الاتصالات، والهاتف المحمول والإنترنيت، وسائل للتواصل بين الصحراويين في الصحراء وإخوانهم في مخيمات تندوف، وإذكاء روح كانت خامدة تأجّـجت في أجواء مغربية ودولية تُـعلن سيادة حرية التعبير وحقوق الإنسان.

وترافق كل ذلك، اجتماعيا مع توجه السلطات المغربية إلى تقليص الامتيازات التي كان يحظى الصحراويون بها، وسياسيا، بانتعاش تسوية سِـلمية للنزاع، قال المغرب إنه مستعد من خلالها منح الصحراويين حُـكما ذاتيا موسّـعا تحت السيادة المغربية.

بدأ الصحراويون يعانون، دون أن تصل معاناتهم إلى درجة معاناة بقية المغاربة، من أزمات اقتصادية واجتماعية، كانت تتبلور مع حملات تحريض نشطاء جبهة البوليزاريو، والدفع نحو إذكاء روح الاستقلال وإقامة دولة مستقلة من خلال مناوشات واحتكاكات في ميدان حقوق الإنسان، ومتابعة نشطين لم يعودوا يخفون تبنّـيهم مقاربة جبهة البوليزاريو وأهدافها.

وفي نهاية شهر مايو الماضي، كانت جبهة البوليزاريو تدعو الصحراويين للاحتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيسها، وكانت السلطات المغربية تأخذ قرارا بنقل سجين حق عام، أدين بتهريب المخدرات والهجرة السرية، من مدينة العيون إلى سجن ايت ملول بالقرب من أغادير، فتجمّـع أفراد عائلته للاحتجاج على هذا النقل لأنه يصعُـب عليهم زيارته بشكل منتظم، وواجهت السلطات التجمع بعنف شجّـع نشطاء جبهة البوليزاريو على إذكاء التوتر وإعطاء بُـعد سياسي للأحداث، واندلعت مواجهات في مدينة العيون ومدن مغربية أخرى، لم تهدأ حتى الآن، ردّدت خلالها شعارات تصف المغرب بالمُـحتل، وتؤيد الاستقلال وترفع علم جبهة البوليزاريو، وتحرق العلم المغربي.

مع تعثّـر التسوية السياسية للنزاع، وتصاعد التوتر بين أطرافه، تُـصبح المواجهات بين الصحراويين والسلطات المغربية جزءا فاعلا في تطور ملف النزاع، وتوضع الدولة المغربية أمام خياري "التسامح" مع النشطين المعارضين لمغربية الصحراء وما يجره ذلك من فسح المجال لكسبهم المزيد من التعاطف والتأييد في أوساط الصحراويين أو المواجهة الحازمة والتصعيد الأمني، وما يمكن أن يخلفه من ردود فعل دولية، في وقت تسعى فيه جبهة البوليزاريو إلى "تأمين حماية" دولية لسكان الصحراء الغربية. وكلا الخيارين مُـرّ، بل علقم.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.