تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

يوم لم يُـكتب تاريخه بعد (3 من 3)

هل بدأ التغيير الأمريكي للعالم العربي من بغداد، أم أنه سينتهي عندها؟

(Keystone)

ما فتئ الرئيس الأمريكي جورج بوش يدعو منذ هجمات سبتمبر 2001 إلى ضرورة تغيير العالم العربي واستئصال جذور الإرهاب منه.

لكن التغيير الذي تريده الولايات المتحدة ليس هو بالضرورة التغيير الذي تتطلّـع إليه الشعوب العربية نحو الحرية والديموقراطية والكرامة.

يرى خبراء شؤون الشرق الأوسط في واشنطن أن إدارة الرئيس بوش جاءت إلى الحكم عام 2000، وقد أخذت على عاتقها أن تدير ظهرها للصراع العربي الإسرائيلي بعد أن فشلت الوساطة الشخصية للرئيس كلينتن في التوفيق بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في كامب ديفيد.

إلا أن هجمات سبتمبر الإرهابية أعادت الشرق الأوسط إلى صدارة قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، حيث أدركت، كما يقول الدكتور جوزيف سيسكو، الوكيل السابق لوزارة الخارجية الأمريكية، خطورة ترك الموقف المتفجر بين الفلسطينيين والإسرائيليين للطرفين وحدهما، فعادت من جديد تحاول إحراز التقدم في عملية السلام وإعادة الطرفين إلى مائدة المفاوضات من خلال خارطة الطريق.

ويقول الدبلوماسي الأمريكي المخضرم، إن الولايات المتحدة أدركت كذلك أن اتجاهات الرأي العام العربي تشكلها اعتقادات راسخة بوجود انحياز أمريكي لصالح إسرائيل. لذلك، طرح الرئيس بوش بعد أقل من عام على هجمات سبتمبر رؤيته للتسوية في الشرق الأوسط على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على البقاء. وكان بذلك أول رئيس أمريكي يعلن ذلك.

غير أن الدكتور سيسكو يعتقد أن مصير ومستقبل العلاقات العربية الأمريكية سيتوقف إلى حد كبير على إمكانية الوفاء بتنفيذ تلك الرؤية.

على صعيد آخر، يرى الدكتور سيسكو أن أحداث سبتمبر جعلت الولايات المتحدة تُـدرك حقيقة المدى الذي وصل إليه التوتر السياسي الداخلي في المملكة العربية السعودية بسبب الوجود العسكري الأمريكي فوق الأراضي السعودية، فاتخذت واشنطن قرارا استراتيجيا بإعادة نشر القوات الأمريكية في قواعد أخرى في منطقة الخليج وسحبها من السعودية.

ويفسر الدكتور سامر شحاتة ذلك التغيير في الاستراتيجية الأمريكية بأنه يأتي في نطاق سعي الولايات المتحدة لزيادة الهيمنة العسكرية على المستوى العالمي في إطار التحول من قوة عظمى إلى إمبراطورية، ودلل على ذلك بقوله "إن القواعد العسكرية الأمريكية لم تقتصر على الخليج والتوسع الكبير في القواعد القطرية، وإنما وصلت القواعد العسكرية الأمريكية إلى أوزبكستان وغيرها من جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي السابق، وكذلك إلى بلغاريا ورومانيا في أوروبا الشرقية".

التحول الديمقراطي لمكافحة الإرهاب

وتعترف إليزابيث تشيني، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى بأنه لم يسبق قبل حكومة الرئيس بوش لأي حكومة أمريكية، ديمقراطية كانت أو جمهورية، بأن خصصت اعتمادات بملايين الدولارات لدعم التحول الديمقراطي في العالم العربي من خلال مبادرة الشراكة مع شعوب وحكومات الشرق الأوسط.

فلماذا غيرت الولايات المتحدة موقفها بعد 11 سبتمبر 2001 من تعثر التحول الديمقراطي في العالم العربي؟

يقول الدكتور إدموند غريب، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية في واشنطن "إن ذلك الاهتمام المفاجئ انطلق من اعتقاد نشأ في أعقاب هجمات سبتمبر بأن الشرق الأوسط أصبح مستنقعا يصدر الإرهاب والمشاعر المعادية للولايات المتحدة والأفكار التي تغذي القيام بأعمال الإرهاب. وبالتالي، يجب الاهتمام بدعم التحول الديمقراطي في العالم العربي لتغيير الحكومات التي ينظر إليها على أنها حكومات دكتاتورية لا تهتم بآراء شعوبها وتسمح في نفس الوقت لتيارات معادية للولايات المتحدة بالتعبير عن انتقاداتها المريرة للقيم الغربية والسياسات الأمريكية".

غير أن الدكتور جوزيف سيسكو، الوكيل السابق لوزارة الخارجية الأمريكية يعتقد أن الحديث المتكرر والتصريحات المتعاقبة من المسؤولين الأمريكيين بعد أحداث سبتمبر عن ضرورة مساندة التحول نحو الديمقراطية في العالم العربي، هو تعبير عن رغبة واشنطن في رؤية تلك المنطقة من العالم تلحق بركب الديمقراطية، ولكنها في نفس الوقت، لا ترغب في أن ترى أصدقاءها في العالم العربي وقد تعرضت أنظمة حكمهم لعدم الاستقرار نتيجة الشروع في تحولات سريعة الخطى نحو الديمقراطية.

كما نبه الدكتور سيسكو إلى أن الولايات المتحدة تُـدرك كذلك خطورة الإسلام السياسي المتشدد وما يهدف إليه من محاولة إقامة دولة إسلامية كبرى، وهو ما حاول الإمام آية الله الخميني تصديره في غمار الثورة الإيرانية إلى العالم العربي ولم يفلح في ذلك.

وخلص الدكتور سيسكو إلى أن الولايات المتحدة لن تتحرك بنشاط متسارع الخطى لإدخال إصلاحات ديمقراطية، حينما تنطوي الظروف السائدة في بلد عربي ما على تقويض نظام الحكم ووصول زعماء متشددين إلى الحكم.

ومع ذلك، يرى الدكتور سامر شحاتة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون أن مجرد إظهار الولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر اهتمامها بالتحول نحو الديمقراطية في العالم العربي، أدى إلى سلسلة من الممارسات الديمقراطية والتحولات الإيجابية في العالم العربي. ودلل على ذلك بإجراء الانتخابات في الأردن والكويت، وإجراء إصلاحات دستورية في قطر.

كما أعلن الأمير عبد الله، ولي العهد السعودي مبادرة جديدة حول ميثاق عربي للإصلاح، وبدأ أنصار الديمقراطية في عدد من الدول العربية في الجهر بدعواتهم للإصلاح السياسي.

حرية التعبير وشراء الذمم

كانت وسائل الإعلام الأمريكية قبل أحداث سبتمبر تمارس دور السلطة الرابعة في مراقبة تصرفات السلطة التنفيذية، وكانت مرآة للعديد من الآراء المتباينة التي تعكس الطيف السياسي والاجتماعي الأمريكي بألوانه وتياراته المختلفة، ولكن هجمات سبتمبر الإرهابية أصابت الصحافة والإعلام بظاهرة غريبة عبّـر عنها مذيع التليفزيون الأمريكي الشهير، دان راذر في شبكة سي بي إس، والذي كان آخر من أجرى مقابلة تليفزيونية مع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، حين قال دان راذر "إن العديدين من مشاهير معلقي التليفزيون الأمريكي شعروا بعد هجمات سبتمبر بالحاجة إلى تقديم أوراق اعتماد تثبت وطنيتهم على حساب التزامهم بشرف المهنة الصحفية، والتزام الموضوعية"

وسرعان ما انتقلت تلك العدوى إلى المراسلين الصحفيين الذين أصبحوا يمانعون في توجيه أسئلتهم الصعبة حول الحرب الأمريكية المعلنة على الإرهاب خشية اتهامهم بعدم الوطنية، مما خلق شعورا متزايدا في وسائل الإعلام الأمريكية بالرقابة الذاتية.

غير أن الشعبية لاحقت كتابا يساريين مثل ناعوم تشومسكي الذي وصلت مبيعات كتبه إلى مئات الآلاف من النسخ، رغم انتقاداته المريرة لفكرة الحرب على الإرهاب، ووصفه للولايات المتحدة بأنها واحدة من أكبر الدول الإرهابية في العالم لما ارتكبته من عمليات قتل للمدنيين بالآلاف في أفغانستان، ومواقع مختلفة من العالم.

ويرى الدكتور سامر شحاتة أن وسائل الإعلام الأمريكية ساهمت بعد هجمات سبتمبر في الإساءة بشكل بالغ إلى كل ما هو عربي وإسلامي، بحيث دفعت الشارع الأمريكي إلى اعتقاد خاطئ بأن الإسلام هو المشكلة، وأنه يدعو إلى العنف ويعوق تمتع الشعوب العربية بالديمقراطية، وينطوي على قمع المرأة وسلبها حقوقها، ويحول دون التطور والتحديث.

ويصف الدكتور إدموند غريب أثر ذلك التوجه غير الموضوعي للإعلام الأمريكي في أعقاب هجمات سبتمبر بأنه أسفر عن تحول في نفسية المواطن الأمريكي، بحيث لم يُـكوِّن رأيه استنادا للحقائق بدليل أن أحدث استطلاع للرأي العام الأمريكي قبل أيام يشير إلى أن 70% من الأمريكيين يعتقدون بأنه كانت للنظام العراقي علاقة بهجمات سبتمبر، على الرغم من حقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تقدم للشعب دليلا واحدا على ذلك.

كما لم يتمكن المحققون في الكونغرس من العثور على أي دليل على تلك الصلة، مما يدل كما يرى الدكتور غريب، على أن عدم الحياد في وسائل الإعلام الأمريكية من منطلق أن على الصحفي أن يكون له موقف من الهجمات الإرهابية، ولو تعارض مع الحقائق، قد غير من دور الصحافة كسلطة رابعة في الولايات المتحدة.

المحافظون الجدد

أما الدكتور منذر سليمان فيرى أن المحافظين الجدد روجوا لفكرة التصدي لسؤال يقول: لماذا يكره العرب والمسلمون أمريكا؟ وتلقفت الإدارة الأمريكية هذا السؤال وخصصت مئات الملايين من الدولارات لما يسمى بجهود الدبلوماسية العامة التي تستهدف تجميل صورة أمريكا في العالمين العربي والإسلامي من خلال عدد من الطرق، من بينها مشروع شرائط الفيديو التي تظهر ما حققه المسلمون في أمريكا من إنجازات، وإطلاق راديو سوا لاجتذاب الشباب العربي بمزيج من الأغنيات العربية والغربية الشعبية، ثم المشروع الجديد لإطلاق شبكة تليفزيون الشرق الأوسط باللغة العربية على أمل الترويج للقيم الأمريكية، ونقل الأخبار من منظور أمريكي بحت، وتقليص المشاعر المعادية للولايات المتحدة في العالم العربي دون التصدي للمشكلة الحقيقية، وهي السياسة المنحازة لجانب إسرائيل، ووضع قائمة بالدول التي ترعى الإرهاب ومعظمها من الدول العربية أو الإسلامية بهدف ممارسة الضغط عليها.

ويشير الدكتور سليمان إلى ظاهرة جديدة في أعقاب هجمات سبتمبر تتمثل في شروع عدد من المثقفين والصحفيين العرب داخل الولايات المتحدة وخارجها يصفهم بالليبراليين الجدد في تسليط مدافعهم الإعلامية والثقافية لتسويق ما حققته الحرب الأمريكية على الإرهاب والحرب على العراق، ويحاولون تبرير التدخل الخارجي بأنه الطريق الوحيد لتعديل الأنظمة العربية والتحول الديمقراطي، ويلتقون في ذلك مع المحافظين الجدد في توجههم لخدمة الدبلوماسية العامة الأمريكية التي تحاول العثور على إجابة للسؤال المحير "لماذا يكرهوننا في العالم العربي"؟

وأعرب السيد سليمان عن اعتقاده بأن الليبراليين الجدد من المثقفين والصحفيين العرب داخل وخارج الولايات المتحدة هم مزيج من المتطوعين، ومن تم شراء ذممهم بالمغريات المادية للقيام بمهمة الترويج لسياسات التدخل الأمريكي العسكري والثقافي، بل والتعليمي لتغيير الأوضاع في العالم العربي في أعقاب أحداث سبتمبر، ويخلص إلى أن أثر هؤلاء الليبراليين الجدد محدود، وأنهم مكشوفون تماما أمام الجماهير العربية.

كما كشفت الممارسات الأمريكية في العراق وأفغانستان عن حقيقة إخفاق الوعود الأمريكية بإعادة البناء والتحول الديمقراطي، حيث أدركت الشعوب أن التدخل العسكري هناك كان بدافع المصالح الأمنية والعسكرية فقط.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×