سويسرا قوّة اقتصادية بحرية… مسؤولة تجاه الإنسان والبيئة
تسعى سويسرا إلى تعزيز جاذبية عَلَمها في الملاحة البحرية. لكن يترتّب على ذلك ضمان تطبيق قواعد حماية الطواقم والبيئة، كما تكتب كاثرين بيتس.
تنقل البحار والمحيطات نحو 90% من التجارة العالمية. ووفقًا لأرقام الأمم المتحدة، تجوب المحيطات حاليًا نحو 112،500 سفينة تجارية، تحمل النفط الخام والسلع السائبة والمواد الغذائية، من بين بضائع أخرى. وتؤدي سويسرا دورًا مهمًا في هذا القطاع. فأكبر شركة لشحن الحاويات في العالم، شركة البحر الأبيض المتوسط للشحن (MSC)، تتخذ من جنيف مقرًا. لكن لا تقتصر مكانة سويسرا على ذلك.
فرغم رفع عددٍ قليلٍ من سفن أعالي البحار للعلم السويسري حاليًّا، تُشغِّل شركات الملاحة الموجودة في سويسرا نحو 900 سفينة، وفق الأرقام الرسمية. وتضيف منظمة “بابليك آي” (Public Eye) غير الحكومية إلى هذا العدد الأساطيل التابعة لشركات تجارة المواد الخام العاملة منها. وهكذا، يصل الإجمالي إلى نحو 3،600 سفينة تديرها شركات سويسرية.
سويسرا مركز عالمي للملاحة البحرية
عادةً، لا تملك شركاتُ الملاحة السفنَ التي تشغّلها، بل تعهد إليها الشركات المالكة بإدارتها. وغالبًا ما تعود الملكية الرسمية إلى شركات مسجلة في هونغ كونغ أو بنما أو غيرهما من المواقع منخفضة الضرائب. وإجمالًا، يمكن القول إن سويسرا مركز تجاري مهم للملاحة البحرية، أوروبيًا وعالميًا.
لذلك، تبدو الاستراتيجية البحرية التي وضعتها سويسرا على المستوى الفدرالي خطوة منطقية. فمن جهة، تقرّ بأهمية الاقتصاد البحري للبلاد، وتشدّد، من جهة أخرى، على ضرورة توفير حماية أفضل للموارد والنظم البيئية البحرية، لا سيما أن حالة المحيطات تؤدي دورًا حاسمًا في المناخ العالمي. كما تدعو الاستراتيجية إلى تحسين ظروف عمل البحّارة، البالغة حدًا لا يليق بالكرامة الإنسانية في بعض الحالات.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى زيادة جاذبية العلم السويسري في الملاحة البحرية. ولكي ترفع أي سفينة هذا العلم، يجب تسجيلها في سويسرا. لكن يتيح قانون البحار الدولي التسجيل في سجلات مفتوحة، تُعرف أيضًا بسجلات أعلام الملاءمة أو “الأعلام الرخيصة”. ولا يلزم أن يكون مقر شركة الملاحة في الدولة نفسها، المسجَّلة فيها السفينة. لذلك، تُسجّل حاليًا نسبة كبيرة من السفن التجارية في هذه السجلات، بما فيها سفن تشغّلها شركات سويسرية. وهكذا، تبحر آلاف السفن تحت أعلام ليبيريا، وبنما، وجزر مارشال.
تفكيك السفن وإعادة تدويرها
ومن القضايا المهمة في الاقتصاد البحري، إعادة تفكيك السفن وإعادة تدويرها. فبعد نحو 25 إلى 30 عامًا، تبلغ السفن التجارية نهاية عمرها التشغيلي ويجب تفكيكها. وتُفكك مئات السفن سنويًا، ويُعاد تدوير فولاذها. وليست المهمة بسيطة بالنظر إلى أحجامها؛ إذ قد يبلغ طول السفن الكبرى نحو 400 متر وعرضها 60 مترًا. واليوم، تجري معظم أعمال التفكيك على شواطئ المد والجزر في بنغلاديش والهند وباكستان، حيث تتراص أحواض صغيرة ومتوسطة على امتداد نحو كيلومتر من الساحل.
وتعتمد هذه الأحواض أسلوبًا بدائيًا؛ إذ تُدفع السفن عند ارتفاع المدّ لترسو على الشاطئ، ثم تبقى هناك. وتتولى قوى عاملة موسمية، دون معدات حماية مناسبة أو تأهيل، تقطيعها بمشاعل الأكسجين والأسيتيلين. وهذا عمل بالغ الخطورة. فتتسبّب الانفجارات والحرائق وسقوط القطع المعدنية والتعرّض للمواد السامة، مرارًا في إصابات خطيرة ووفيات. وكثيرًا ما تكون الرعاية الطبية غير كافية.
كما أنّ الأضرار البيئية جسيمة أيضًا. إذ تحتوي السفن القديمة، خصوصًا، على كميات كبيرة من الأسبستوس ومركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCB). وهي مواد شديدة الضرر، فضلًا عن المعادن الثقيلة، والمواد الكيميائية، وبقايا النفط. وقد توجد هذه المواد في الطلاءات، والوقود، وزيوت التشحيم، وبقايا الشحنات، بل وفي هيكل السفينة نفسه. ودون ضوابط، تتسرّب كلها إلى قاع البحر والمياه الساحلية المجاورة.
كيف تتنصل شركات الملاحة من مسؤولية تفكيك السفن؟
كثيرًا ما تتنصّل شركات الملاحة المشغِّلة للسفن من مسؤولية تفكيكها دون الإضرار بالإنسان والبيئة. فتعمد إلى بيع السفينة المتقادمة قبل رحلتها الأخيرة إلى موقع التفكيك، عبر شركة صورية أو ما يُعرف بـ”المشتري النقدي”، وهو وسيط على صلة بأحواض التفكيك. ثم يُغيّر اسم السفينة وتُرفع عليها “راية إعادة تدوير” رخيصة. وبذلك تتحايل شركات الملاحة على القوانين السارية.
ومن منظور مضاعفة المكاسب، تعتبر هذه الممارسات مجزية. فحتى السفن المتهالكة، تحتوي على كميات كبيرة من الفولاذ عالي القيمة. وكلما تدنّت معايير حماية العمال والبيئة، انخفضت كلفة التفكيك وارتفع سعر الطن. أما الأحواض المستثمرة في التأهيل ولوازم الحماية والمقصات الهيدروليكية، فتدفع لشركات الملاحة مبالغ أقل مقابل كل طن من فولاذ السفينة.
وهذه مشكلة معروفة عالميًّا. لذلك دخلت اتفاقية هونغ كونغرابط خارجي حيز التنفيذ في يونيو من عام 2025. وتفرض الاتفاقية إعداد قائمة بالمواد الخطرة لكل سفينة منذ بدء بنائها، وطوال فترة تشغيلها، حتى تسليمها إلى حوض التفكيك لإعادة تدويرها. أما المسؤول عن مراجعة المواد المستخدمة، فهو الدولة المرفوع علمها على السفينة. وتتولى دولة إعادة التدوير اعتماد خطط أحواض التفكيك، بما يضمن إعادة تدوير السفن بصورة آمنة وصديقة بالبيئة، كما تتولى إصدار التراخيص لها ومراقبتها.
سويسرا لم تصدق على اتفاقية هونغ كونغ
لكن لا تخلو اتفاقية هونغ كونغ من الثغرات، كما تسمح باستمرار تفكيك السفن على شواطئ المدّ والجزر. ولا يمكنها تحقيق الأثر المرجو إلا إذا اضطلعت أحواض بناء السفن، وشركات الملاحة، وأحواض إعادة التدوير، وكذلك دول الأعلام ودول إعادة التدوير، بالواجبات والمراقبة المنوطة بها على أكمل وجه. لكن عمليًا، تُلقى هذه المسؤوليات من طرف إلى آخر. ولذلك، تظلُّ قدرة هذا النظام على توفير حماية فعالة للعمّال والبيئة، أمرًا مشكوكًا فيه.
وحتى الآن، لم تصدّق سويسرا على اتفاقية هونغ كونغ. ففي ردّها على مداخلات برلمانية قدمتها ليزا ماتسونه، النائبة عن حزب الخضر، بشأن إعادة تدوير السفن، قالت الحكومة الفدرالية عام 2019 إن سويسرا غير مسؤولة عن السفن التي ترفع أعلامًا أجنبية. وأضافت أنها ستدرس الانضمام إلى الاتفاقية عندما تصدّق عليها دول بحرية مهمة أخرى. وقد تحقق ذلك في عام 2026.
وبصرف النظر عن اتفاقية هونغ كونغ، ينطبق القانونان السويسريان، الجنائي والبيئي، عند اتّخاذ شركة ملاحة قراراتها من سويسرا، حتى إن لم تكن السفينة المعنية ترفع العلم السويسري.
فإذا ثبت قرار شركة ملاحة سويسرية، عن علم، إعادة تدوير سفينة في حوض خطِر بالخارج، لا يوفر حماية كافية للعاملين والعاملات، وجب، من منظور القانون الجنائي، النظر في مدى قيام مسؤولية داخل سويسرا عند وقوع إصابة عمل بالغة. ويشمل ذلك التحقق مما إذا كان موظفو الشركة وموظّفاتها وإدارتها، أو الشركة نفسها، مسؤولين عن جريمة تسبّب الإيذاء البدني أو الوفاة.
أما قانون حماية البيئة، فينظّم التعامل مع النفايات الخطرة، ومنها المخلفات المحتوية على الأسبستوس أو ثنائي الفينيل متعدد الكلور، الموجودة في هياكل السفن القديمة خصوصًا. كما يشترط الإبلاغ عن نقلها حتى بين دولتين أجنبيتين، إذا كانت شركة مقرها سويسرا قد نظّمت العملية أو شاركت فيها.
على سويسرا تحمّل مسؤوليتها في حماية العمّال والبيئة
ورغم وجود هذا الإطار القانوني، لا تُعرف حتى اليوم أي قضايا في سويسرا حاسب فيها القانون شركات ملاحة على تورطها في إعادة تدوير السفن المتهالكة على شواطئ المد والجزر. ويأتي ذلك مع أن دولًا أوروبية أخرى شهدت قضايا مماثلة.
هذا بينما تعد سويسرا موقعًا هامًا لشركات نقل الحاويات، وتسعى إلى تعزيز مركزها في الاقتصاد البحري من خلال استراتيجيتها البحرية. لكن يستلزم نجاح هذه المساعي إطارًا قانونيًا فاعلًا أيضًا، خاصة إذا تعلّق الأمر بإعادة تدوير بعض السفن التابعة لشركات تتّخذ من سويسرا مقرًا لها.
لذلك، على سويسرا ضمان تطبيق قواعد حماية العمّال والبيئة، وتشديدها عند الحاجة، منعًا للتحايل عليها.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء سويس إنفو.
المزيد
نشرتنا الإخبارية المتخصصة في الشؤون الخارجية
تحرير: بنجامين فون وايل
ترجمة: هالة فرّاج
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.