تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"التحرير" على الطريقة الأمريكية!

مع نهاية نظام صدام، بدأت التساؤلات في الشارع العراقي حول مدى التواجد العسكري الأمريكي

(Keystone)

بعد أن كان الرئيس بوش يقول قبل الحرب، "لن نبقى في العراق يوما واحدا بعد أن نستكمل المهمة"، عاد ليصرح في تكساس بأنه لا يستطيع التكهن بالمدة التي ستبقى فيها القوات الأمريكية في العراق.

غير أن المؤكد هو أن التواجد العسكري الأمريكي في العراق سيكون طويل الأمد.

كان السناتور ريتشارد لوجر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، أكثر وضوحا في تحديد مدة بقاء القوات الأمريكية في العراق حين قال، "إن الجنرال جي غارنر، المكلف بالإدارة الأمريكية المؤقتة لشؤون العراق، يعتزم البقاء في منصبه حتى يمكن إقامة نظام ديمقراطي في العراق، واعتقد أن ذلك سيستغرق خمسة أعوام على الأقل".

ولم يكن ذلك تصريحا شخصيا. فقد صرح السناتور بات روبرتس رئيس لجنة المخابرات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي أن القوات الأمريكية ذهبت إلى العراق لتبقى هناك، وأيضا لكي تغادر العراق. وشرح ذلك بقوله "لقد سبق وتعهد الرئيس بيل كلينتن بأن القوات الأمريكية ستبقى في البلقان لمدة عام واحد، وقد مرت عشرة أعوام ولا زالت الحاجة لبقائها هناك".

ونظرا لأن الحاجة أم الاختراع، فقد ظهر اختراع أمريكي جديد هو ضرورة السماح للقوات الأمريكية بإقامة أربع قواعد عسكرية أمريكية دائمة في الأراضي العراقية بررها السناتور لوجر بأنها ستسمح للولايات المتحدة بممارسة بعض الصلاحيات في منطقة الخليج، وكان لابد من غطاء عراقي يبرر التحرير على الطريقة الأمريكية.

ولن تجد إدارة الرئيس بوش خيرا من الدكتور أحمد الجلبي، رئيس المؤتمر الوطني العراقي، الذي أدخلته القوات الخاصة الأمريكية إلى العراق، والذي لم تطأها أقدامه منذ عام 1958، وسارع إلى القول "لقد قدمت الولايات المتحدة خدمة جليلة للشعب العراقي بتحريره من قبضة نظام صدام حسين، وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى لإقامة قواعد عسكرية لها في العراق، فإن الوجود العسكري الأمريكي أمر ضروري حتى تُـكتمل الانتخابات الديمقراطية في غضون عامين، وأعتقد شخصيا أن إقامة تحالف عسكري استراتيجي بين العراق والولايات المتحدة سيكون لصالح البلدين".

هل تختار واشنطن من يحكم العراق؟

فعندما تتوفر الظروف الكفيلة بإجراء انتخابات ديمقراطية في العراق، لن تسمح الولايات المتحدة للشعب العراقي باختيار نظام حكم يسير في الاتجاه المعاكس للمصالح أو الرؤى الأمريكية. فقد أعرب الجنرال برنت سكوكروفت، المستشار السابق للأمن القومي في عهد الرئيس بوش الأب عن اعتقاده أن الولايات المتحدة قد تواجه موقفا عصيبا في العراق، إذا أسفرت أول انتخابات تجرى في البلاد عن فوز زعماء عراقيين راديكاليين، وقد تضطر إلى منعهم من الوصول للحكم.

وقال السناتور ريتشارد لوجر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، إنه يجب أن تعمل الولايات المتحدة من الآن على تجنب حدوث ذلك السيناريو من خلال الشروع فورا في بناء المؤسسات العراقية والبحث عن المواهب العراقية الراغبة في العمل الجماعي، ومساندة تطلع العراقيين إلى نوع من الحكم الفدرالي الذي يوفر قدرا كافيا من الحكم الذاتي للأكراد. ونبه السناتور لوجر إلى ضرورة أن تخطط الولايات المتحدة للمدى البعيد في العراق، بدلا من التسرع في إجراء انتخابات قبل الأوان.

وسارع الدكتور احمد الجلبي إلى طمأنة المسؤولين الأمريكيين الذين ساورهم القلق إزاء تزايد دور رجال الدين الإسلامي من الشيعة العراقيين في قيادة مجتمعاتهم المحلية فور انهيار النظام وتقاعس قوات الاحتلال عن القيام بدورها في حفظ النظام، بقوله إن زعماء الشيعة سيشاركون في العمل السياسي، ولكن لن يكون لهم حق فرض أجندتهم السياسية أو التوجه بالنظام العراقي الجديد نحو إقامة دولة دينية.

وأضاف الجلبي أن الذي سيقرر طبيعة الدولة العراقية بعد صدام، الدستور الجديد الذي سيوفر المساواة بين المواطنين ويحقق الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويوفر وسيلة لتداول السلطة من خلال الانتخابات.

وكان السناتور ريتشارد لوجر قد أعرب عن خشيته من أنه عندما يدخل الجنرال جي غارنر إلى بغداد للشروع في مهمة الإدارة الأمريكية المؤقتة لشؤون العراق، سيجد أن الفراغ السياسي في البلاد قد ملأته حشود المظاهرات الشيعية، التي طالبت بإقامة دولة إسلامية في العراق.

الحرب بين وزارتي الدفاع والخارجية

ويفسر الدكتور زهير حمادي، أستاذ العلوم السياسية وأحد مؤسسي المؤتمر الوطني العراقي، الارتباك الذي وقعت فيه الولايات المتحدة في التعامل مع الواقع العراقي بعد سقوط نظام صدام حسين بالقول، "مع أن الخطة العسكرية الأمريكية كانت بارعة في سرعة إسقاط النظام العراقي، فإن الخطة السياسية لمرحلة ما بعد صدام ليست واضحة المعالم، ويعود ذلك للصراع الموجود داخل الإدارة الأمريكية بين وزارة الدفاع من جهة، ووزارة الخارجية من جهة أخرى، مما أربك جهود الاتفاق على خطة عمل للفترة الانتقالية وتصور لكيفية تنفيذها، وسرعان ما انعكس ذلك الصراع على تصرفات بعض فئات المعارضة العراقية".

وقال الدكتور حمادي لسويس إنفو، إن وزارة الخارجية الأمريكية تمكنت من تشكيل 17 فريق عمل عراقي لتقديم العون والاستشارة للإدارة الأمريكية المؤقتة برئاسة الجنرال جي غارنر، وطبقا للخطة الموضوعة، سيعهد إلى مسؤولين أمريكيين بإدارة الوزارات العراقية المتخصصة على أن يساعد المسؤول الأمريكي عن كل وزارة ثمانية من العراقيين نصفهم من المعارضة العراقية في الخارج، ونصفهم الآخر من عراقيي الداخل.

ويشكوا معارضون عراقيون آخرون في الولايات المتحدة من أن المسؤولين في وزارة الدفاع لم يأخذوا بتوصيات قدموها من واقع معرفتهم بظروف العراق، للحيلولة دون وقوع حوادث السلب والنهب بعد سقوط النظام واختفاء ضباط الشرطة العراقيين. وكان من بين تلك التوصيات، القيام فورا باستدعاء ضباط الأمن وجنود شرطة المرور العراقيين للعودة إلى العمل، وهو ما تم الأخذ به بعد انفلات زمام الأمور.

من يكسب معركة البترول؟

ومع أن نيران الحرب في العراق قد خمدت، فإن معركة أخرى تلوح في الأفق، وهي معركة من سيتحكم ثروة العراق البترولية؟ هل ستجني واشنطن ولندن ثمار التحالف بأن تكون لهما الأولوية في التحكم في البترول العراقي وحرمان الدول التي عارضت الحرب مثل روسيا وفرنسا من الاستمرار في الانتفاع بمصالحهما البترولية الواسعة في العراق.

لعل نظرة واحدة إلى سيناريو الحرب تؤكد الاتهامات القائلة بأن التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق بذل جهدا ملحوظا في حماية آبار البترول العراقية، بينما لم يعبأ بحماية أمن ورفاهة وتراث المواطن العراقي الذي جاء التحالف "لتحريره"، ولعل أبرز مظاهر تفضيل النفط العراقي على تحرير المواطن العراقي، هو أن أكثر المباني العراقية تمتعا بالحراسة والأمن لم يكن المتحف الوطني العراقي أو البنك المركزي العراقي، ولكن مبنى وزارة النفط العراقية!

ويقول خبراء البترول والقانون الدولي، إن ملايين من براميل البترول العراقية لا زالت قابعة في مرافئ تصدير البترول في تركيا دون مشتر لها حتى تحسم الطبيعة القانونية لجهة التصدير. ولذلك، يرى هؤلاء الخبراء أنه ليس أمام الولايات المتحدة سوى أن تتجه إلى الأمم المتحدة لتوفير الغطاء الشرعي لمبيعات البترول العراقية.

وستكون المعركة التالية حول البترول العراقي بين الاستمرار في ملكية الدولة له، واحتكارها إنتاجه وتصديره مع توفير ضمانات لكي تصل ثروة البترول العراقي فيما بعد صدام لكل الشعب، وليس لحفنة من المنتفعين من النظام، وبين تخصيص إنتاج وتصدير البترول، والوقوع في براثن شركات البترول العملاقة ومعظمها سيكون أمريكيا، إذا واصلت الولايات المتحدة "تحرير" العراق على الطريقة الأمريكية.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×