"الشرق الأوسط الأوسع" بين واشنطن وبروكسل

كان ملفتا أن يدعو ديك تشيني في منتدى دافوس الشركاء الأوروبيين إلى المساعدة على إحلال الديمقراطية والاستقرار في العالم العربي وجواره الإسلامي Keystone

تُـفيد بعض المؤشرات أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد دخلا مرحلة تجاوز الخلافات الحادة التي نشبت بينهما حول الحرب على العراق.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 فبراير 2004 - 12:07 يوليو,

وقد يكون التفاهم المحتمل بين الجانبين حول مستقبل الديمقراطية والأمن والاستقرار في المنطقة العربية وجوارها الإسلامي الواسع، أحد الأسس التي سيتجدد لفضلها التحالف الأطلسي.

تتوالى الاجتماعات التشاورية في بروكسل وواشنطن لاستعراض مختلف وجهات النظر حول مفاهيم وآليات تأمين الإصلاحات السياسية والاستقرار في المنطقة التي تنخرها النزاعات المدنية والعسكرية، وخاصة ما يتعلّـق بانعدام حل للنزاع العربي الإسرائيلي، والافتقار إلى الديمقراطية وتراجع التنمية.

غير أن الاهتمام الحديث نسبيا من جانب الولايات المتحدة بالأوضاع السياسية القائمة في المنطقة العربية لا زال يثير الكثير من التساؤلات والحذر داخل الأوساط الأوروبية، رغم ترحيب الأوروبيين بالتوجهات الجديدة التي تضمنّـها خطاب الرئيس بوش في 6 نوفمبر 2003 حول دعم الإصلاحات السياسية في الشرق الأوسط.

وفي منتدى دافوس الأخير، جدّد ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي استعداد الإدارة للمصالحة مع الأوروبيين والتعاون معهم من أجل "تظافر جهود الولايات المتحدة وحلفائها لدعم الإصلاحات في الشرق الأوسط الكبير" على حد تعبيره.

ومن المتوقّـع أن تحتل مشكلة "العجز الديمقراطي" القائم في المنطقة الممتدة من موريتانيا إلى أفغانستان حيّـزا مُـهمّـا في اجتماعات مشتركة بين الطرفين، مثل القمة المقرر إجراؤها خلال العام الجاري في نطاق مجموعة الثماني، والقمة الدورية الأمريكية الأوروبية، وكذلك قمة بلدان حلف شمال الأطلسي.

ويجدر التذكير بأن الحلف الأطلسي يُـجري منذ عدة أعوام حوارا مُـنتظما مع العديد من البلدان العربية المتوسطية إضافة إلى إسرائيل حول عدة مسائل تشمل مكافحة الإرهاب، وحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل.

وفي هذا السياق، يُـنتظر أن يدعو الحلف قادة الدول المتوسطية للمشاركة في اجتماعات القمة المقرر عقدها في منتصف العام الجاري في اسطنبول، في الوقت الذي يعتقد فيه عدد من المراقبين أن الحوار الدائر مع هذه الدول يمثل واحدة من آليات تشجيع الإصلاح السياسي، وخاصة ما يتعلّـق بتأمين الاستقرار في مواجهة الاتجاهات والحركات الدينية الإسلامية في المنطقة.

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.. مثالا؟

ويعتقد خبراء أوروبيون بأن الولايات المتحدة تعد "حديثة العهد" بمسائل الإصلاح والديمقراطية والتعاون الاقتصادي مع بلدان المنطقة العربية، وذلك مقارنة مع اتفاقيات التعاون والشراكة القائمة بين الاتحاد والعديد من هذه الدول.

لذلك، تبدو المشاورات الجارية حاليا في كل من بروكسل وواشنطن بمثابة عملية "جس للنّـبض"، لكنها تدخل في إطار المحاولات القائمة لوضع مفاهيم وتصورات مشتركة من أجل دفع عمليات الإصلاح السياسي في المنطقة العربية والشرق الأوسط الكبير.

وذكر مصدر دبلوماسي في بروكسل لسويس انفو أن الولايات المتحدة تستوحي مقترحاتها من تجربة مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، ومن المعاهدات التي أبرمت في غضون السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي بين المعسكرين الشرقي والغربي لخفض مستويات التسلح التقليدي والنووي، وتوسيع الحريات.

وخلال مرحلة الحرب الباردة، مكّـنت مُـعاهدة هلسنكي التي أبرمت عام 1975 من تحسين أوضاع حقوق الإنسان في بلدان شرق أوروبا، وساهمت في إيجاد آلية لإدارة علاقات التنافس بين المعسكرين، قبل أن تُـحسم الأمور في موفى الثمانينيات بانهيار المعسكر الشيوعي وتفككه.

وفي الوقت الذي يتمسّـك فيه صقور الإدارة الأمريكية وأطراف يمينية متشددة في أوروبا الغربية باعتبار العالم العربي والاسلامي بديلا عن الاتحاد السوفياتي في سلم العداء القائم (أو المفترض) بين الغرب والشرق، يرفض دبلوماسيون أوروبيون مُـسايرة الفكرة الداعية إلى تكرار سيناريو معاهدة هلسنكي لأسباب عديدة.

وتتلخّـص هذه الأسباب في أن العالم العربي لا يمثل كُـتلة متجانسة المصالح السياسية، ولا يمثل حلفا عسكريا مثلما كان الأمر بالنسبة للمعسكر الشرقي سابقا. كما أن العلاقات القائمة بين البلدان العربية لا تحكمها مرجعية مشتركة بسبب ضعف الجامعة العربية، على عكـس الدور المحوري الذي اضطلعت به موسكو خلال فترة حكم الأحزاب الشيوعية لبلدان المعسكر الشرقي.

أخيرا، وعلى نقيض ما كان قائما في بلدان الكتلة السوفياتية والشرقية عموما، تعاني المنطقة العربية من ويلات نزاع دام في قلب أراضيها، لا زال مستمرا منذ أكثر من نصف قرن مع إسرائيل.

تحفّـظ أوروبي وتساؤلات

وفي انتظار اتضاح الصورة تماما، يُـتوقّـع أن لا يتردّد الاتحاد الأوروبي عن تقديم تجربته الطويلة في التعاون مع بلدان جنوب شرق الحوض المتوسطي، (وبشكل أقل مع دول الخليج العربية) في حال اقترحت واشنطن على بروكسل وضع مُـعاهدة جديدة تضم بلدان المنطقة العربية وإيران وأفغانستان.

من جهته، أبدى خافيير سولانا، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن بعض الحذر حيال المبادرة الأمريكية في اختتام اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد المنعقد يوم 26 يناير الجاري في بروكسل، وأشار إلى أنه لا يعتقد بجدوى إبرام معاهدة جديدة شبيهة بمعاهدة هلسنكي، مُـبرزا في الوقت ذاته شبكة اتفاقيات الشراكة القائمة بين أوروبا وبلدان الضفة الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

وقال سولانا إن العلاقات مع البلدان المتوسطية تشمل "التعاون في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية، والتعاون الاقتصادي". وأضاف بأن الاتحاد الأوروبي "ليس حديث العهد في التعاون مع البلدان العربية"، لكنه اعترف بوجود حاجة إلى توثيق علاقات الحوار والتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد، في المقابل، على الولايات المتحدة لتأمين الاستقرار الإقليمي.

وأضاف سولانا أن المباحثات الجارية بين الخبراء الأوروبيين ونظرائهم الأمريكيين قد تكثـف صيغ التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجالات الإصلاحات السياسية ولكن في ظل "التعاون الوثيق مع البلدان المعنية وليس بوسائل الإكراه"، حسب تأكيده.

وعلى غرار التحفظ الذي أبداه خافيير سولانا، فضّـل كريس باتن، المفوض الأوروبي للعلاقات الخارجية التركيز على الجوانب العملية للسياسة الأوروبية، ورحب بالاهتمام الذي أبداه نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حيال مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي "المطروحة على الأجندة الأوروبية منذ عقود" على حد قوله.

وسبق للمفوضية الأوروبية أن اقترحت على البلدان العربية الاستفادة من التوصيات الواردة في تقريري الأمم المتحدة حول التنمية البشرية في العالم العربي اللذين أبرزا الصورة المُـفجعة للواقع القائم في بلدان المنطقة، نتيجة عوامل متعددة، أبرزها استبداد الأنظمة، ونقص التعليم والمعرفة، ومعاناة المرأة، وانتهاك حقوق الإنسان.

اتفاق محتمل لدعم المجتمع المدني

وفي الواقع، تكمن المشكلة، بالنسبة للسياسة الأوروبية في المنطقة، في محدودية جدوى آليات الشراكة الأوروبية المتوسطية الحالية، وضُـعف تأثير "مسار برشلونة" على أوضاع حقوق الإنسان المتدهورة، وعلى النقص المُـسجّـل في الإصلاحات السياسية في غالبية دول جنوب شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى افتقار الاتحاد إلى القدرة على التأثير في الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة الخليج العربية.

وتقول أوساط أوروبية مطّـلعة بأن احتمال وضع مفاهيم وصيغ مشتركة بين أوروبا والولايات المتحدة حول مسائل الديمقراطية في دول جنوب المتوسط، يمكن أن يُـنجز عبر "تفعيل آليات الشراكة الأوروبية المتوسطية" التي بدأ العمل بها مع بلدان مثل تونس، والمغرب، ومصر، والأردن، وإسرائيل.

ويعتقد فريزير كاميرون، الخبير في مركز السياسة الأوروبية بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يتوصلان إلى اتفاق حول دعم مؤسسات المجتمع المدني. فالاتحاد الأوروبي "لا يسير في خيار قلب الأنظمة، مثلما فعلت الولايات المتحدة في العراق".

وقد يتّـفق الجانبان حول تشجيع التعاون بين المؤسسات الأمريكية والأوروبية من ناحية، والمنظمات الأهلية وغير الحكومية العربية من ناحية أخرى. ويتوقّـع أن يبادر الطرفان بإنشاء صندوق لتمويل مشاريع الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني، وقد تُـساهم الولايات المتحدة فيه بـ 100 مليون دولار مقابل 50 مليون دولار من الخزانة الأوروبية.

وعلى غرار الكثير من المراقبين، يعتقد الخبير الأوروبي أن عمليات الإصلاح السياسي والديمقراطي، والتعاون الأمني في الشرق الأوسط "ستظل مُـعطّـلة إلى حين إحلال السلام بين الاسرائيليين والعرب".

ومن الأسباب الأخرى التي تدفع للتحفظ على الجهود الأوروبية الأمريكية في هذا المجال، عدم وجود اتفاق حقيقي بين البلدان الأعضاء في الاتحاد حول استخدام وسائل الضغط الاقتصادي والسياسي ضد البلدان العربية، التي لا تتقيّـد باحترام الحريات الأساسية.

وفيما تتزعّـم البلدان الاسكندنافية التوجهات الداعية داخل الاتحاد إلى دعم منظمات المجتمع المدني، ومساندة مبادرات الضغط الدبلوماسي على الطرف الذي ينتهك البنود السياسية الواردة في اتفاقيات الشراكة، تركّـز البلدان الأوروبية اللاتينية الواقعة في جنوب الاتحاد (فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال)، على أولوية ضمان استقرار جيرانها في الضفة الجنوبية.

وتشير حصيلة العشرية السابقة إلى أنه كثيرا ما يجري تأمين الاستقرار في أكثر من بلد على حساب حقوق الإنسان والحريات السياسية!

نورالدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة