Navigation

 العنف ليس قدرا حتميا!

ادى استمرار العنف الى حدوث اختلالات اجتماعية كثيرة زادت من معاناة الجزائريين Keystone

هل أضحى العنف وسيلة من وسائل التعبير في الجزائر؟ فقد حذر خبراء كثيرون في علم الاجتماع في الثمانينات، من أن الأسس التربوية للجزائريين، داخل أسرهم وفي المؤسسات التربوية، لا تدعو إلى الحوار بقدر ما تدعو إلى التسلط.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 أغسطس 2002 - 10:20 يوليو,

هذا التحذير جلب لعلماء الاجتماع الجزائريين اتهامات عديدة، لعل اغربها، التكبر على الأمة. أما الآن، فان أقوالهم وتحذيراتهم أصبحت تذكر على أكثر من لسان.

وتُشير الدراسات الاجتماعية التي تُجريها الجامعات الجزائرية، إلى أن فكرة تسلط الوالد والأخ الأكبر في الأسرة الجزائرية، يؤديان إلى نتائج وخيمة من حيثُ أثرُها السيئ على علاقات باقي الأبناء والبنات مع باقي أفراد المجتمع.

فالكثير من الآباء الجزائريين، لا يعرفون أسس الحديث "الديموقراطي" داخل الأسرة، إلا لدى العائلات ذات المستوى الثقافي الجيد، أو العائلات التي استنبطت مثل هذا التعامل بسبب وجودها في المدن الكبرى.

ومثل هذا الوضع الشاذ، نتج عنه أن أغلب الشباب المنتمي إلى الجماعة الإسلامية المسلحة، لا يعرف غير الذبح وسيلة للتعبير، ووجد في فكر التكفير والهجرة، مبررا لسلوكه الذي أرجعه أحد الباحثين الجزائريين إلى ما يوجد في لا شعور هؤلاء المنحرفين، إذ أن آباءهم أو أكبر إخوانهم كثيرا ما أسمعوهم، "لو تفعل كذا وكذا لذبحتك".

التعليم هو الاساس

من ناحية أخرى، ليس هناك في الأسس التربوية الجزائرية، ما يدعو إلى قبول الرأي الآخر
بمجرد طرح الفكرة كأسلوب من أساليب الإقناع، مما دفع بالشباب الساخط على هذا الوضع، إلى انتهاج أساليب الصراخ أو العزلة أو المواجهة، كمخرج من هذه الورطة.

وبسبب أن سلطة الآباء مادية ومعنوية، لم يعد في مقدور الكثير منهم تحمل ضغط الأزمة الاقتصادية، فتككت عرى الكثير من العائلات، وتوجهت البنات إلى الشارع إما إلى التسول، أو إلى الانحراف.

طبيعي جدا، أن أسلوب التعميم لا يصح بحق الشعب الجزائري برمته، إلا أن مظاهر التفكك الاجتماعي أصبحت بادية بشكل واضح، لدرجة أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفيلقة حذر منها في أكثر من لقاء.

السلطة في قفص الاتهام

لكن رغم ذلك، فان اصابع الاتهام تتجه نحو الرئيس ومؤسسات الدولة، التي يُحبذ الكثير من أفرادها أسلوب التعامل بالعنف كوسيلة من وسائل الإقناع السياسي، دليل ذلك أن قاموس وزراء داخلية الجزائر منذ الاستقلال لا يعترف بجدوى التظاهر أو التجمع، لأن رأي الدولة هو الأصح في كل الحالات.

ثم إن فكرة البقاء في المنصب، والاستئثار بالحكم، نتجت عنهما شبكة ضخمة من المؤيدين والزبانية الذين يرتكبون التجاوزات تحت مسميات أمنية كثيرة، يُشارك فيها أبناء المجتمع الجزائري دون استثناء...

وهناك اتهام صريح لأجهزة الدولة، بأنها شجعت انتشار فكرة أن الجزائري، "رأسه خشن" والنتيجة هي انقسام اجتماعي حاد، دفع بالرئاسة إلى اقتراح مشروع على البرلمان، أساسه التقسيم الجهوي لأقاليم الجزائر على اختلافها، حتى يتمكن القبائل والعرب والميزاب والشاوية والطوارق والوهرانية والعنابية من حكم أنفسهم بأنفسهم.

الأمر الذي اعتُبر رضوخا غير مبرر للواقع المأساوي، عوض التعامل معه بأسلوب أحسن يغيره نحو حوار وتبادل أفكار أقوى بين الجزائريين. وليس هناك شك أنه من الصعوبة بمكان فهم رضوخ الجزائريين، لفكرة إمكانية تعرضهم يوما ما للذبح تماما كما ذُبح غيرهم في قرى ومدن كثيرة.

كما أن المرحلة الحالية ستكون قاسية جدا على اعتبار أن ما يُعرف "بالمافيا المالية"، جاهرت برفضها لكل أساليب التغيير التي تؤدي بها إلى فقدان امتيازاتها.

ونفس هذه "المافيا"، مُتهمة بقتل الصحفي في التلفزيون الجزائري مراد بلقاسم، عبر ذبحه وربطه داخل احدى خزائن بيته.

تفاؤل رغم المآسي

ورغم كل هذه المعطيات السيئة، هناك توجه حقيقي للثورة على التوجهات العنيفة داخل المجتمع والتي تُغذى وتُستثار لأغراض دنيئة، كما أن هناك اتجاها قويا يدعو إلى الحوار
والتواصل بين الجزائريين، وهو بين الشباب أقوى منه لدى آبائهم...

ويتوقع بعض المتفائلين، أن فترة عشر سنوات كفيلة بتغيير الأوضاع نحو الأفضل. فجيل الآباء المتسلطين يتراوح معدل أعمارهم ما بين الستين والسبعين عاما، وهم منتشرون الآن في كامل الأوساط الاجتماعية، إما آباء أو مسؤولين مدنيين وعسكريين، وبما أن الانقراض هو مآلهم في السنوات العشر المقبلة وما بعدها بقليل، فإن المستقبل قد يُصبح أحسن بكثير.

ولعل دروس القهر والتعذيب والذبح والتنكيل، تصبح يوما ما في الجزائر عبرا للاقتناع بأن الحوار وقبول الرأي الآخر، هو أجدى وأكرم للحياة البشرية.

هيثم رباني - الجزائر

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.