Navigation

"الموجة الثانية" لمشكلات الحدود العربية

منظر عام لقرية غجر الحدودية جنوب لبنان التي بدأت إسرائيل في الإنسحاب من شطرها اللبناني يوم 7 نوفمبر 2006- (تاريخ الصورة: 31 أكتوبر 2006) Keystone

عادت كلمة "الحدود" إلى الظهور في أنحاء مختلفة من المنطقة العربية، لكنها لا ترتبط هذه المرّة بتلك الموجة العاتية من النزاعات، التي تفجرت خلال التسعينات حول "خطوط الحدود" بين الدول..

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 ديسمبر 2006 - 01:01 يوليو,

إنها نوعية أخرى من المشكلات، التي تتعلق بتطورات لا تقل حدّة في "مناطق الحدود" ذاتها، بحيث تشكّـلت عدّة حلقات حدودية ساخنة حول بؤر التوتر في العراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان، مع استمرار بعض المشكلات المكتومة في حالات أخرى.

إن من يتذكّـر فيلم "الحدود" للفنان الكبير دُريد لحام، يُـدرك إلى أي مدى يمكن أن تكون مسألة الحدود عبثية في مناطق تقصُـر فيها المسافات ويتداخل عبرها السكان، كما هو الحال في بلاد الشام وبعض دول الخليج والمغرب العربي، إلا أنه يُـدرك أيضا إلى أي مدى يمكن أن تكون صارمة، بحيث لا تسمح لشخص واحد بالعُـبور والتواجد بشكل رسمي على الجانب الآخر.

لكن، بعيدا عن تلك الجوانب "التقييمية"، التي طالما أثارت الارتباك في الذهن القومي، فإن الحدود في المنطقة العربية، مسألة جادّة لدرجة تبدو الدول أحيانا مستعدّة لخوض حروب صغيرة في سبيلها.

اتجاه واحد

إن الفكرة السائدة بشأن الحدود – أي حدود – هي أنها يمكن أن تكون أساسا للتعاون أو سببا للنزاع، والمشكلة أنها في المنطقة العربية، كانت مصدرا للنزاع في الغالب، فلا توجد دولة عربية واحدة لم تكن لها هناك مشكلة حدودية أو أكثر، تتسبب في توتير الأجواء بينها وبين الدول المجاورة الأخرى، بحيث يُـمكن ببساطة حَـصر ما لا يقل عن 32 مشكلة حدودية بين الدول العربية، بعضها لا يخطر أو لم يكن يخطر على بال أحد، كمشكلة مزارع شبعا، لكنه قائم في الأذهان، وعادة ما يجد طريقه إلى سطح الأحداث في وقت ما.

ولقد أدّت تلك المشكلات خلال الفترة الماضية، إلى إثارة نزاعات حادّة، لدرجة اعتبرتها معها مُـعظم الدراسات، المصدر الأول لما سُـمي ظاهرة الصراعات العربية – العربية، التي وصلت في 16 حالة تقريبا إلى استخدام القوة العسكرية بين الدول، بأشكال تتراوح بين الاحتكاكات المسلحة والحروب المحدودة، لكن المعضلة الحقيقية تمثلت دائما خلال "موجة الماضي" فيما يلي:

1 – أن قواعد الاشتباك العربية المتعلّـقة بالتعامل مع مشكلات الحدود لم تكن مستقرة أو مُـريحة، فالدول لم تقبل الحدود الموروثة عن الاستعمار، كما فعلت الدول الإفريقية، ولم تقم أيضا لفترة طويلة بالعمل على حلها، وإنما كانت تُـترك هكذا، وكأنها غير قائمة، إلى أن تتفجر المشاكل السياسية بين الدول، فتظهر مشكلات الحدود.

2 – أنه، كانت هناك نوعية سيئة من المشكلات التي لا تتعلق بخطوط الحدود، وإنما بهوية الدولة المجاورة أصلا. فقد بدا أحيانا أن دولا عربية تَـعتبر دولا مجاورة جزءا منها، بشكل مُـعلن أو غير معلن، وقد أدّى ذلك إلى إثارة أسوأ الهواجس وأسوأ الحروب (كحرب الكويت عام 1990) بين الدول العربية.

إن التصور العام في المرحلة الحالية، هو أنه تمّ تجاوز مشكلات تلك الموجة إلى حد بعيد، عبر تفاهمات سياسية أو اتفاقات قانونية أو "حلول دولية" أو العودة إلى الصيغ الصامتة، لتجاهل أو تجاوز المشاكل، لكن لا تزال بعض ذيول الماضي قائمة بحدّة في حالات مختلفة، خاصة فيما يتعلق ببعض "الأطماع" في الدول المجاورة، والتي تُـواجهها أيضا دول عربية من جانب أطراف غير عربية مُـلاصقة لها أو قريبة منها.

سكان الحدود

في مرحلة ما بعد تقلّـص مشكلات "خطوط الحدود" بين الدول العربية، بدأت بعض المشكلات القديمة في الظهور. فقد كانت هناك أصلا تداخلات طبيعية بين السكان في بعض مناطق الحدود على نحو يُـمكن أن يخلق مآسي إنسانية أو مشكلات حادّة في حالة تطبيق المعايير الصارمة لخطوط الحدود أو إجراءات العبور بشأنها، وكانت بعض القبائل في المناطق المتنازعة لا تدرى ما هي الجنسية التي تنتمي إليها بالضبط، وأحيانا لا تهتم بذلك وتقوم بإدارة شؤونها الخاصة وتحركاتها، عبر مناطقها في ظل تقاليد ما قبل قيام الدول المستقلة.

كانت الدول تتعامل بمُـرونة مع تلك المشكلات في ظل عدم وجود خطوط متّـفق عليها للحدود، ووجود عُـرف يتعلّـق بمبدأ انتماء السكان وليس "تبعية الأرض"، وعدم قُـدرة الدول أصلا على السيطرة بشكل كاف على مناطق الحدود، حتى إذا أرادت، لذا، كانت الأمور تسير عبر ترتيبات إدارية يتم الاتفاق عليها بين الدول، سمحت أحيانا برسم خطّـين للحدود (إدارية وسياسية) أو قواعد خاصة للحركة عبر الحدود، لمن يُـعتبرون عمليا مزدوجي الجنسية، ولعبت إدارات شؤون القبائل ومخابرات الحدود أدوارا أساسية في ضمان ولاءات ومُُُُُُُُـتابعة أوضاع تلك المناطق.

لكن "التوترات السياسية" لم تترك سكّـان الحدود دون مساس، وظهرت حالات صارخة لتلك الأوضاع في اليمن ومنطقة الخليج، وأحيانا المغرب العربي، وبالقطع السودان من جانب الدول المجاورة له. فقد تم استخدام بعض القبائل "أو الفئات"، بصورة ما، ضد النظم السياسية المناوئة وتصاعدت توجّـسات بعض الدول من ضمّ قطاعات، يُـمكن أن تؤدّى إلى التأثير على التركيبة السكانية للدولة، وتُـظهر تفاصيل تلك المسائل وجها شديد الضراوة للسياسات العربية، بما أفرز ردودا من نوعية عدم منح الجنسية أو نزع الجنسية أو "التجنيس" الخارجي.

وحاليا، تجاوزت المسألة قبائل الحدود إلى سكان الداخل، لتثير حساسيات واحتمالات حادّة في حالات كثير من دول المنطقة، كالعراق ولبنان والسودان ودول الخليج الصغيرة.

أزمات الحدود

إضافة إلى تلك المشكلات الكبرى، المتعلقة بهوية أو استقرار الدول، بدأت مناطق الحدود العربية العربية أو العربية الإقليمية، تشهد نوعية جديدة من المشكلات المتعلقة بتأمين الحدود الدولية أو اختراق الحدود نحو الداخل أو استخدام الحدود لأهداف سياسية، إضافة إلى اتّـساع نطاق حوادث الحدود المتكررة، مما أثار أزمات كُـبرى بين الدول والأطراف، ذات العلاقة أحيانا، ويثير مشكلات يومية في كل الأحوال.

إن فكرة تأمين الحدود بسيطة، وهي أن الدول تؤمّـن حدودها بأقصى ما تستطيع من إمكانيات، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتها بالطرف المجاور، سواء كانت صداقة أو عداء. فمشكلات الحدود لا ترتبط بتوجّـهات النظم السياسية فقط، وإنما جماعات منظمة على الجانبين، تقوم بأعمال غير قانونية لتهريب المخدرات أو البشر أو الأسلحة أو البضائع، تدر عائدا هائلا، وقد تزايدت تلك النشاطات بصورة حادة في الفترة الأخيرة.

لكن تلك المشكلات ذاتها، قد اتّـسعت لتتّـخذ إشكالا يمس بالأمن القومي للدول، وليس مجرد "أمنها العام". فبعيدا عن حالة العراق، اتّـسع نطاق حركة العناصر التابعة لتنظيمات متطرفة عبر الحدود من دولة إلى أخرى، وتخصّـصت فئات معيّـنة في "حفر الأنفاق" عبر حدود مناطق متداخلة، كما يحدث بين سيناء وغزة، وشكت بعض الدول (في الجزيرة العربية) من تغاضي دول أخرى أو عدم قيامها ببذل جُـهد كاف لمنع تهريب كميات كبيرة من الأسلحة عبر الحدود، ووصلت التحركات البشرية غير الشرعية عبر دول شمال إفريقيا، بقصد التسلل إلى أوروبا إلى مستويات غير مسبوقة، ممّـا حول السيطرة على الحدود إلى مشكلة كبرى.

المشكلة الأخطر قد ارتبطت باستخدام الحدود لأغراض سياسية من جانب الدول ذاتها ولا يتعلق الأمر هنا بفرض رسوم مفاجئة أو إجراءات جديدة على شاحنات البضائع أو الأفراد العابرين لدولة معينة أو حتى إغلاق الحدود، كإجراء إنتقامي أو كرسالة سياسية، وإنما بقيام أجهزة معيّـنة بدفع عناصر عنيفة لداخل دولة أخرى، كما حدث في شمال إفريقيا، أو بفتح الحدود لكل أشكال "إثارة العنف" إلى داخل العراق من جانب الدول المجاورة له أو السماح بدخول أسلحة مؤثرة لجماعات في دول أخرى، والحالة هنا هي لبنان.

في النهاية، فإن ما يحدث على حدود الدول، يمثل "مرآة مكبّـرة" لشكل العلاقات السياسية بين الدول في المنطقة العربية، والتي تشير في مُـجملها إلى "ألعاب حدود" تُـدار عبر قواعد اشتباك ضاغطة على الجميع. فالأمور ليست على ما يرام، كما كانت عليه من قبل.

د. محمد عبد السلام - القاهرة

الشرق الأوسط وسايكس – بيكو

شهد عام 1916 اجتماعًا ضم السير 'مارك سايكس' البريطاني، والسير 'فرانسو بيكو' الفرنسي، حيث اجتمع الاثنان لرسم خريطة جديدة للعالم العربي بعد تقسيم مناطق النفوذ بينهما في زمن التوسع الاستعماري الأوروبي عقب الحرب العالمية الأولى.

وكان هذا الاتفاق محصورا في المشرق العربي أي سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن والعراق، إلا إن دوره كان يشمل الشرق الأوسط بمفهومه الأوسع، أي بالإضافة إلى دول المشرق، كانت هناك مصر وإيران وتركيا والجزيرة العربية، إلى جانب أفغانستان ودول آسيا الوسطى، الروسية آنذاك.

وكانت الخريطة التي رسمها سايكس وبيكو، والتي نشأت عنها الدول العربية الموجودة اليوم، هي أول خريطة لتقسيم العالم العربي. غير أن الأحداث المتعاقبة وتغير ميزان القوى، ودخول أمريكا كلاعب رئيسي في الساحة الدولية، دفع إلى النظر في تغيير خريطة العالم العربي والإسلامي بما يناسب اللاعبين الجدد، أمريكا وروسيا.

وأعادت أحداث العراق منذ الحرب العراقية ــ الإيرانية في عام 1989، ومن بعدها 'عاصفة الصحراء' في عام 1991، ووصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض ،النظر مرة أخرى في إعادة رسم خريطة العالم العربي والإسلامي..

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.