Navigation

"حركة لكل الديمقراطيين".. رقم جديد أم بديل مستقبلي؟

Keystone

بِـرَيبة، تتعاطى الأحزاب السياسية المغربية مع جنين تحدّدت ملامِـحه قبل أن يرى النور حزبا سياسيا، لا ينافسها فقط، بل تشعر أنه بدِيلها المُـستقبلي، بعد أن حمّـلت مسؤولية عُـزوف المواطنين عن العمل السياسي المعبّـر عنه بحجم مقاطعة الانتخابات التشريعية، التي جرت في البلاد يوم 7 سبتمبر 2007.

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 فبراير 2008 - 10:03 يوليو,

مصدر رَيبة الأحزاب، بكل توجّـهاتها، الفكرية والسياسية، أن فؤاد عالي الهمّـة، صاحب الحِـزب الجديد الذي تُـتوقّـع ولادته بين الفِـينة والأخرى، بعد أن تكتمل ولادة "حركة لكل الديمقراطيين"، التي أعلن عن تأسيسها منتصف الشهر الماضي، ليس شخصِـية عادية في المشهد السياسي المغربي.

فهو صديق الملك محمد السادس وزميل دراسته، وأطلِـقت عليه صفة الرجل الثاني في مغرب محمد السادس، ليس من موقعه الرسمي ككاتب دولة أولا ثم وزيرا منتَـدبا في وزارة الداخلية فحسب، بل من نفوذه واعتباره مرجعِـية كل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية.

لم يكُـن نفوذ وموقع صديق الملك مُـقلِـقا للأحزاب، التي كانت تلعَـب في ملعبٍ، غير الذي يلعبُ به، وتأثيره داخلها أو في محيطها، حيث كان بالنسبة لها رغبة ملَـكِـية في العادة لا تُـقاوم أو ترفض، كانت جميع الأحزاب تتحاشاه وتسعى لنيل رضاه.

وفجأة، في منتصف يوليو 2007، أي قُـبيل تشريعات سبتمبر، جاء في جُـذاذة لوكالة الأنباء المغربية الرسمية أن العاهل المغربي قبِـل طلب فؤاد الهمّـة بإعفائه من مهامِّـه الرسمية كوزير منتدب في الداخلية، لرغبته في النشاط في العمل العام وخَـوض هذه الانتخابات كمرشح مُـستقل في دائرة الرحامنة، مسقط رأسه.

هنا، كما يقولون، "بدأ الفأر يلعب في صدر الأحزاب"، لكنها اكتفت بالتّـرحيب واعتبرت أن الهمّـة مواطن مغربي وله الحق في ممارسة المواطنة كاملة من خلال خوض غِـمار الانتخابات، التي فاز بها فوزا ساحقا، وكانت لائحته التي حملت شعار التراكتور (الجرار)، اللائحة الوحيدة التي فازت بكاملها (3 مقاعد).

وبعد الفوز، "بدأ الفأر يُـطِـل برأسه" بالإعلان عن تشكيل فريق برلماني، حرِص الهمّـة على أن لا يضُـم فريقه أي نائب فاز على قائمة حزب له فريق في البرلمان، واكتفى بنواب أحزاب لم تتمكّـن من تشكيل فريق أو نواب خاضوا الانتخابات كمرشحين مستقلين، واحتل الفريق المرتبة السادسة وخاض معركته الأولى داخل مجلس النواب في الحصول على رئاسة لجنة العلاقات الخارجية والدفاع والشؤون الإسلامية والثقافية، وليكون أيضا ضامن الأغلبية للحكومة، بعد خروج الحركة الشعبية إلى صفوف المعارضة.

رفض صريح أو مبطّـن

ما كانت تخشاه الأحزاب، بدأ يتجسّـد في المشهد السياسي المغربي يوم 17 يناير الماضي بتأسيس مبادرة من أجل "حركة لكل الديمقراطيين"، التي تشكِّـل حسب مختلف الأوساط الحزبية، الحُـضن الذي سينمو به حزب الهمّـة القادم، وقع بيانها فعاليات المنتمية لآفاق مِـهنية ومشارب فكرية وثقافية وحساسيات سياسية وجَـمعوية متنوعة، وكان فؤاد عالي الهمّـة أحد هؤلاء.

الحركة، حسب بيان التأسيس، تدعو إلى العمل من أجل "وعي ديمقراطي متجدّد وتُـؤمن بالثوابت الوطنية مَـرجعا لها وتنتصر للقِـيم الديمقراطية منهجا وتعتز بمقوِّمات الهوية الوطنية وفتح آفاق جديدة نحو ترسيخ قيم الحداثة. ونتائج الانتخابات التشريعية، تحديدا عزوف المواطنين عن المشاركة، شكّـلت مرجعية التفكير لهؤلاء، لذلك، و"تأسيسا على خُـلاصات مشاوراتهم، وإيمانا منهم بالضرورة القُـصوى لتحسين وتقوية ما راكمه المغرب من مُـكتسبات وإنجازات في مجال الديمقراطية والتحديث، وشعورا منهم بتراجُـع مساهمة النّـخب الوطنية بمختلف مشارِبها ومواقِـعها إزاء مُـهمّـات تأطير المواطنين وتعبِـئتهم وإشراكهم في صياغة حاضِـرهم ومستقبلهم، واستشعارا منهم بالتحدّيات التي تواجهها بلادنا ولجسامة المسؤوليات المُـلقاة على عاتق الجميع: مجتمعا ودولة".

في مجالِـسه، كان فؤاد عالي الهمّـة أكثر وضوحا لما يرمي إليه، بأن المشهد السياسي المغربي يعرِف وجود قُـطب يساري (يسار ديمقراطي وماركسي راديكالي) وقُـطب يميني (أصولي إسلامي ومحافظ)، لكن المشهد يفتقد إلى وجود قُـطب ليبرالي ديمقراطي، يعتقِـد أنه يستطيع خلقه.

ما جاء في بيان تأسيس حركة لكل الديمقراطيين وما يتردّد على لسان الهمّـة، لم يقنِـع الأحزاب المغربية التي قابلت الحركة برفض، إما صريح، لكونها اعتبرتها مشروع حزب الملك، أو مبطّـن، مستنِـدة إلى أن الاكتفاء بما ورد في البيان والتصريحات.

ردود فعل الأحزاب

عباس الفاسي، رئيس الحكومة، الذي لم يصدُر عن حزب الاستقلال الذي يتزعّـمه موقفا رسميا من فؤاد الهمّـة وتتجاهل صُـحفه التركيز عليه، قال إن الهمّـة "يرغب فعلا في تكوين نادٍ يضُـم شخصيات من تيارات مختلفة للحوار والنقاش، ولا يمكن أن أصف حركته إلا بوصف نادٍ للتأمّـل"، وأكد الفاسي أن الملك "لن يقبَـل بتشكيل حِـزب للملك"، كما أن الهمّـة "لن يقبل هو أيضا ذلك".

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي تراجع في الانتخابات التشريعية من المرتبة الأولى إلى الخامسة، وهو شريك حزب الاستقلال في الحكومة وفي الكُـتلة الديمقراطية، تبنّـى موقِـفا متشدِّدا من الهمّـة، قبل أن يؤسس حركته ووصفه بالوافد الجديد.

وقال بلاغ لمكتبه السياسي بـ "وجود خَـيط ناظم ومُـترابط بين النتائج التي أسفر عنها اقتراع 7 سبتمبر وهندسة الحكومة وعملية تدبير الشأن النيابي، الذي عرف وافدا جديدا يُـوحي بالعودة إلى أجواء مرحلة، كُـنا نعتقد أن التوافق قد حصل من أجل تجاوزها"، وعبّـر "عن قلقه الشديد من المنحى الذي أخذته الحياة السياسية في بلادنا بالمسّ بمصداقية المؤسسات وإفراغ الديمقراطية من مُـحتواها والتقليل من شأن العمل السياسي عامة، والحزبي بصفة خاصة".

حزب العدالة والتنمية الأصولي المعارض، خاض معركة شرِسة مع فؤاد الهمّـة، كانت شاشة التلفزيون ميدانها بُـعيد إعلان نتائج الانتخابات وبعد تهدِئة الأمور بينهما، أعلن مسؤولون في الحزب، الذي يحتل المرتبة الثانية في البرلمان، أنه من حق الهمّـة أن يشكِّـل حزبا، لكنه يرفض أن يتلقّـى الحزب الجديد دعما من الدولة أو أن يكون حزب الدولة.

إسماعيل العلوي، الامين العام لحزب التقدّم والاشتراكية (مشارك بالحكومة)، قال إن حزبه لا يعترض على أي تحرّك سياسي، لكن "كمساهمين في الحياة السياسية ومتتبّعين لها، لا يمكننا أن نلغي التاريخ من ذاكِـرتنا في فترات مُـعينة، حيث انبثقت حركات أدت إلى كوارث بالنسبة للشعب المغربي.

واعتبر محمد مجاهد، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحّـد اليساري المعارض، أن وجود قرار بالدولة بتأسيس حزب مُـوال، هو حدث 2007 وأن ذلك يُـعيد البلاد إلى الوراء.

البشير زناكي، الناطق الرسمي باسم الحركة يقول "إن أساس العمل بالنسبة للحركة، هو المواطن وتحقيق ربط الصِّـلة بينه وبين السياسة، وإذا ما تحقّـق هذا الهدف واكتملت الشروط الأساسية لتأسيس حزب، سنذهب في الاتِّـجاه دون أية عُـقدة تُـذكر، لأن كل المواطنين يُـريدون أن نؤسِّـس الحزب السياسي".

العُـقدة التي يُـشير لها زناكي والتي ألمح إليها كلٌّ من الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية ومحمد مجاهد، هي ما عاشه المغرب بداية الستينات، حين وجد الملك الحسن الثاني أنه بدون حزب، فدفع بمستشاره وصديقه أحمد رضا غديرة إلى تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (فديك) وخوض الانتخابات والفوز بالأغلبية.

واعتُـبر تأسيس الجبهة من الفترات الكالِـحة في المغرب المُـعاصر، والتي تكرّرت في نهاية السبعينات، حين طلب من أحمد عصمان، صديق الملك وزوج أخته بتأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار. وفي بداية الثمانينات، طلب من المعطي بوعبيد، الذي كان وزيرا أولا، بتأسيس الاتحاد الدستوري.

ويُـتّـفق في المغرب على أن تأسيس الدولة لأحزابها في عهد الملك الحسن الثاني، كان يستهدف تمييع الحياة السياسية وبَـلقنة خارطتها، وبالتالي، إبعاد المواطن عن الاهتمام بالشأن السياسي، وهو عكس ما يذهب إليه الهمّـة، حسب ما يُـعلِـن هو وشركاؤه في الحركة من أجل الديمقراطية، التي قد تكون عودة تراجيدية أو هزلية للتجربة السابقة أو قفزة جديدة ونوعِـية في الحياة السياسية المغربية، التي طالت فترة استقرارها (أو جمودها).

محمود معروف - الرباط

فؤاد علي الهمّــة

ولد في مراكش عام 1962 لأب كان يعمل في سلك التعليم.

اختير ضمن التلاميذ العشرة الأوائل، الذين تابعوا دراستهم مع ولي العهد آنذاك، الملك الحالي محمد السادس، في المعهد المولوي، الذي يقع داخل القصر الملكي في الرباط.

منذ ذلك الحين، نشأت علاقة متينة بينه وبين محمد السادس.

في عام 1986، عمل إلى جانب إدريس البصري، وزير الداخلية آنذاك، مفتتحا بداية تعاطيه مع الملفات الأمنية والسياسية.

ترشح باسم حزب الحركة الشعبية في بلدة بن جرير وأصبح رئيسا لمجلسها البلدي من 1992 إلى 1997، ثم نائبا برلمانيا عن قلعة السراغنة من 1995 إلى 1997.

إثر تولي الملك محمد السادس الحكم عام 1999، عُـين الهمّـة في منصب كاتب الدولة بوزارة الداخلية وأصبح ضمن الصف الأول من المقربين إلى الملك الجديد.

منذ ذلك الحين، أمسك فؤاد عالي الهمّـة بالملفات الصعبة بدءً بالأمن ووصولا للانتخابات، ويبدو أنه نجح في التفاوض مع أطراف سياسية من اليمين واليسار، رغم ما عُـرف عنه من حزم في ملفات عديدة.

لا يقتصر نفوذ الهمّـة على الجوانب الأمنية أو السياسية، بل اتّـسع ليشمل مجال الاقتصاد والأعمال، إضافة إلى القطاع الإعلامي.

شكّـلت مشاركته في انتخابات 7 سبتمبر 2007 البرلمانية، كمرشح مستقل في دائرة الرحامنة، مسقط رأسه، مفاجأة لكثيرين وأطلقت سيلا من التكهنات حول الدور السياسي الجديد للرجل المقرب من الملك محمد السادس.

في 17 يناير 2008، شارك فؤاد عالي الهمة في تأسيس مبادرة من أجل "حركة لكل الديمقراطيين"، التي يُـتوقع أن تتحول إلى حزب سياسي حظوظه وفيرة في الظفر بالانتخابات المقبلة.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.