تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"ربّ صورة أبلغ من ألف خطاب"

المنتزه الذي يحمل اسم الرحالة السويسري ألفريد بيرتران في مدينة جنيف على ضفاف بحيرة ليمان

ينظم متحف تاريخ الأجناس بجنيف حاليا معرضا لمجموعة كبيرة من الصور، التقطها وجمعها ألفريد بيرتران خلال رحلاته الطويلة، التي قادته إلى القارات الأربع، وتخلد كل ما هو غريب وطريف.

ويثير تنظيم المعرض أسئلة حول توظيف الصور والقواعد المتحكمة فيها منذ ظهور آلة التصوير إلى يومنا هذا.

تعيد أسفار ألفريد بيرتران الذاكرة إلى مغامرات الرحّـالة القدامى الذين قال عنهم أبو الحسن المسعودي: "ليس من لزم جهة وطنه، وقنع بما لديه من الأخبار كمن وهب عمره لقطع الأمصار"، ومن هؤلاء الذين خلد أدب الرحلات ذكرهم أبو ريحان البيروني وابن بطوطة وكريستوف كولومب، وآخرون.

كان ألفريد على وعي تام بأهمية الدور الذي يقوم به وهو يجوب الأمصار باحثا عن كل جديد، ومستكشفا كل معدن وملتقطا كل مشهد، وكان يجمع الصور الموثقة للطابع المعماري ونمط اللباس وطريقة الحياة، فتجمّع لديه دليل شامل لواقع الشعوب والثقافات المختلفة في عصره.

شغف بالأسفار منذ الصغر

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الغنيّ بالتحوّلات، غادر هذا الشاب السويسري الشغوف بكل جديد حُـدود العالم القديم، في عمر لم يتجاوز العشرين عاما، وتوجّـه في أوّل رحلة له إلى أمريكا اللاتينية، ثم سافر إلى جنوب آسيا مرورا بالمشرق العربي والإسلامي، ومنها أيضا إلى أدغال إفريقيا.

كان سلاحه الوحيد في هذه المغامرات جهاز تصوير ومواعيد مع المجهول، وكانت في انتظاره العديد من المصاعب والمفاجآت، دوّنها في مذكِّـراته التي تجاوزت إحدى عشر مجلدا.

وانتهز بيرتران فرصة تِـجواله في هذا العالم الفسيح لالتقاط واقتناء الصور الموثقة، لما تزخر به تلك الأقاليم من تنوّع ثقافي وتباين حضاري، وما فيها من مآثر عمرانية وعجائب طبيعية، فضلا عن أنماط الحياة المختلفة وطُـرق اللباس المتعددة.

ومع أن الرسائل التي يمكِـن الخروج بها بعد الطواف في أجنحة المعرض كثيرة ومتنوعة، والأجوبة التي يعثُـر عليها المشاهد بين حدود الصور وارتساماتها في الذِّهن، إلا أنها لا تحجب الأسئلة الكثيرة التي تثيرها.

قراءة في مضمون الصور

يمكن تصنيف أجنحة المعرض إلى ثلاثة أقسام: يتعلّـق القسم الأول بظاهرة العبور، نجد فيه صورا لميناء مرسيليا، جنوب فرنسا، وهو نقطة انطلاق أول رحلة حول العالم لبيرتران أوصلته إلى أمريكا اللاتينية، حيث اكتشف مملكة المورمون الهندية وطرق عيشها البدائية، وأشار في مذكراته للتشوّهات الثقافية التي فرضتها عليهم الحضارة الحديثة.

وكذلك صورة لميناء جنوة الإيطالي، منطلق رحلته رفقة زوجته إلى الشرق، حيث كانت محطته الأولى مصر، التي خصّص لها مجلدا كاملا من مذكراته وأفرد لها العديد من الصور، بعضها لقناة السويس في مشهد تبدو فيه سفن وشواطئ وحواجز رمليه تحيط بالقناة، وصُـور توثّق لحركة الملاحة والسكك الحديدية في عصره، والتي برغم أهمية التقدم الذي حصَـل، كانت لا تزال بسيطة وبُـناها التحتية متواضعة.

أما القسم الثاني، فيتعلـّق بالمآثر المعمارية من مساجد وكنائس ومعابد هندوسية، وفيه أيضا نجد مشاهد لتاج محل بالهند والأهرام والآثار المعمارية الرومانية بمدينة الإسكندرية وقد دمّرتها البوارج البريطانية، وكأن بيرتران فُـوجئ بحجم ذلك الدّمار وبحماقة الإنسان وقُـدرته الفائقة على هدر كل جميل، وتساءل، وهو صاحب الحس المرهف، لماذا لم يصلِـح أهل البلد ما دمّره الأجنبي؟، ولا يدري المرء ما الذي سيقوله الرجل لو زار اليوم بغداد على سبيل المثال؟

القسم الأخير، يتركّـز أساسا حول التنوّع الثقافي واختلاف حظوظ الأمم من التقدم والحضارة، ويبدو بيرتران في هذا المستوى منبهرا مفتُـونا لحجم ما رأته عيناه من تنوّعات في الملبس والمسكن والذوق الجمالي والطقوس الدينية، وأشدّ ما لفت نظره، الطقوس الاحتفالية التي يظهرها الهنود عند حرق الأموات.

وبرغم ما عرف عن ألفريد من محافظة والتزام بقيم المسيحية، كان حضور المرأة ملحوظا في الصور التي جمعها، إذ من خلالها حاول إبراز بعض التصوّرات الاجتماعية، فهي من ناحية حاضرة بقوة في دوائر السلطة والحكم وجزء من الديكور الملكي، ومن ناحية أخرى، خادمة مستعبدة لرغبات الرجل.

الصور بين التوثيق والتوظيف

أعادت تقنية التصوير التي استخدمها بيرتران باقتدار رسم واقع الأشياء والكائنات، وحاول من خلالها عرض الحقيقة كما هي وتوسيع معارف الإنسان في عصره واختصار المسافات.

وبفضل استكشافاته، أصبح الهنود الحمر في أمريكا أو التجار الصينيين المتنقلين بين الموانئ التجارية في جنوب آسيا، في متناول كل متطلّـع للمعرفة.

ولكن، هل كانت الصورة دائما كذلك؟ أليست في أغلب الأحيان ماكرة وخادعة؟ ألا يخضع التصوير إلى عمليات تركيب، غرضها الوحيد إشباع رغبات جمهور هدفه الإثارة والتسلية أو التضليل والتعمية؟.

من جهة، تتكشف الصور المعروضة في متحف تاريج الأجناس في جنيف عن رؤية لم تستطع التخلّـص من المنظور الإستشراقي الغربي، الذي ينظر إلى الثقافات الأخرى على أنها بِـدائية متوحِّـشة، وللحضارة الغربية والديانة المسيحية على أنها بوابة التقدم.

وعرض صور أشخاص يسكنون الغابات وحياة بسيطة تحيط بها ظروف صعبة، تمثل في حدّ ذاتها دعوة للتدخّل لإنقاذ هؤلاء، وأيضا عرض صور نساء آسيويات وأخرى مغربيات بطريقة لا يفرق بينهن، سوى نمط اللباس ولون البشرة، هو حشر للجميع في كوّة، مقابل هذا السيد القادم من بعيد والقادر على الإمساك بموضوعاته. كما أنه محكوم بتصور أخلاقي وثقافي لمفهوم الجسد والحياء، وبمنطق السوق، وما يشبع رغبة المشاهد. وعلى هذا المستوى، لا يبدو يبرتران أيضا رائدا.

لكن المعرض يبيِـّن كذلك، وعي السكان الأصليين الذين أدركوا مبكرا أن عملية التصوير لم تكن في يوم من الأيام عملية بريئة مجانية، فتعمّدوا في بعض المشاهد فرض قوانين اللعبة وتحديد مضمون الرسالة التي عملوا على إيصالها للطامعين في أراضيهم، ومفادها "كفّـوا عنا، إننا شعوب متحضرة ولسنا بحاجة إلى مدنيتِـكم".

هذا ما يسكتشفه الناظر للصورة التي التقطها ألفريد لملك إفريقيا الوسطى لوانيكا وحاشيته، فهذا الأخير الذي كان في صراع على النفوذ مع البريطانيين، كان حريصا على إبراز مظاهر القوة والثراء بلباسه الأوروبي الأنيق وتقديمه للنساء على الرجال وبرفقته كلبه الأليف وفي خلفية الصورة مظهر طبيعي جميل.

وفي هذا العصر، لم يعد التصوير حِـكرا على المختصِّـين أو على الأثرياء والرحالة المغامرين، بل أصبح ممارسة اجتماعية وحِـصْـنا أخيرا ضد الضجر، وأداة من أدوات ممارسة السلطة، وازداد الإقبال على الصورة مع انتشار وسائل الإعلام الإلكترونية ودور الإشهار والترويج للسياحة، فضلا عن الاستخدام الخاص.

جنيف – عبد الحفيظ العبدلي

ألبير بيرتران (1856 - 1924)

الزائر لمدينة جنيف، لا بد أن يسمع بمنتزه بيرتران، هذا الرحالة والمستكشف السويسري، الذي ولد في 15 أبريل 1856 لعائلة برجوازية من أصل فرنسي.

توفي والداه مبكرا، وتربّـى في مؤسسة دينية بروتستانتية، عُـرف منذ صغره بحبه للرياضة وشغفه البالغ بالسفر والرحلات. قادته رحلاته في البداية إلى جبال الألب والسواحل الأوروبية.

وعندما بلغ العشرين عاما، شارك في أوّل رحلة حول العالم، لكن الرحلة انقطعت بسبب الحمّـى الصفراء، التي كانت منتشرة هناك، الشيء الذي لم يثن بيرتران على مواصلة المِـشوار وحيدا عبر بلدان أمريكا اللاتينية، وكان من فتوحات هذه الرحلة، اكتشافه لمملكة المورمون.

ويبدو أن هذه الرّحلة شجّـعته على الإبحار بعيدا، وهذه المرة، إلى القارة الأسيوية، فلا صدى الحروب المستعرة أقعده ولا الجهل بما تخبِّـئه تلك العوالم أثناه، واستمع إلى نداء النفس، وهو ابن البلد الذي تحجب فيه الجبال أشعة الشمس، فتوجه إلى آسيا الوسطى وإلى جبال الهيمالايا، فتسلق القمم واصطاد الدب والوعل.

وعند عودته من تلك الرحلة، ألقى محاضرات حول الحضارات الإفريقية والآسيوية، وطلب إليه المعرض الوطني بجنيف سنة 1896 الإشراف على قسم "الرحلات والاستكشافات"، وكان من خططه تنظيم معرض للتحف النادرة والثمينة التي جمعها بنفسه.

كان لقاءه بالقِـس فرانسوا كويار خلال رحلته في إفريقيا الوسطى، نقطة تحوّل في حياته، حيث أصبح تفكيره منصبّـا على تحقيق أهداف البعثات التبشيرية، وجهده مُنكبّـا على تبيان "الرسالة الحضارية للديانة المسيحية"، وجعل أمواله ومعرفته بالعالم تحت تصرف الحركة التبشيرية، وأصبح رسول السلام من طوكيو إلى شانغهاي، وأنشأ 120 جمعية لجمع الأموال لهذه الحركة.

جمع ألفريد بيرتران خلال رحلاته المتواصلة، أكثر من 900 تحفة تاريخية، و1.700 صورة فوتوغرافية وضعها في معرض مفتوح للعامة، حيث كان يقيم.

بعد وفاته، في 30 يناير 1924، ونظرا لانعدام الوريث، حيث لم يخلِّـف أبناء، أهدت السيدة بيرتران هذا التراث الغزير إلى متحف تاريخ الأجناس بجنيف، وفُـتح منتزه بيرتران ومدرسة ابتدائية لتخليد ذِكراه، وتحوّلت ملكيتهما بعد ذلك إلى مدينة جنيف.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×