تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

 سر الحافلات الصفراء!

مجسمات لأولى الحافلات البريدية الصفراء التي كانت تجوب الطرق الجبلية الوعرة والأرياف السويسرية في بدايات القرن العشرين

(Keystone)

عندما تقرر مؤسسة البريد والجهات الرسمية والشعبية في كانتون غراوبوندن إقامة احتفالات كبرى في مناسبة مرور خمسة وسبعين عاما على عبور لحافلة نقل لأول مرة لمضيق جبلي.. فان الأمر يستحق بعض التوقف!

قد لا يمكن لزائر لسويسرا أو للمتفرج والقارئ لما يُـنتج ويُـكتب عنها أن يستوعب بسهولة سرّ الإحتفاء الخاص بالحافلات الصفراء التي تجوب الكونفدرالية طولا وعرضا وتضمن انتقال السكان من أي نقطة - مهما تعذر الوصول إليها - في بلد تغطي الجبال والمرتفعات معظم أراضيه.

فعلى غرار عربات نقل البريد والودائع المالية التي لا يخلو منها أي شريط سينمائي عن رعاة البقر والمواجهات بين الغزاة البيض والهنود الحمر، كانت المرتفعات مسرحا لثورة ثقافية وحضارية هائلة منذ أن تولت السلطات الكونفدرالية الوليدة في عام 1849 مسؤولية نقل وإيصال البريد في الأراضي السويسرية.

فمنذ عدة قرون، ابتكر سكان المناطق الجبلية والمرتفعات في هذا البلد عدة وسائل لفك العزلة التي تفرضها عليهم الطبيعة الباردة القاسية لأكثر من نصف العام. ولعل أهمها يتمثل في إعداد الطرقات السالكة للخيول والحمير التي تسمح لهم بالتحول إلى مناطق العمران القريبة لتسويق منتجاتهم أو لقضاء مختلف شؤونهم.

هذه المسالك الجبلية البدائية تحولت ابتداء من عام 1849، بحكم الظروف الجديدة، إلى ركيزة أساسية لشبكة من الطرقات المستخدمة من طرف عربات نقل الأشخاص والبضائع في عدة أنحاء من البلاد لكن كانتون غراوبوندن (Graubunden) الذي تعبره جبال الألب تخلّف عن البقية بسبب فقره وابتعاده عن المدن الكبرى مثل زيوريخ وبرن ولوتسيرن.

حرص "محلي" وبعد نظر "فدرالي"..

وبما أن القرن التاسع عشر اقترن في سويسرا والبلدان المجاورة لها عموما بجهود حثيثة لتوسيع شبكة المواصلات والطرقات بالتوازي مع النهضة الصناعية والتجارية المتصاعدة، حرصت سلطات الكانتون الذي يغطي كل المنطقة الواقعة جنوب شرق البلاد على فتح المعابر الجبلية الرئيسية (مثل سيمبلون simplon وسان برناردينو San Bernardinoوشبلوغين Splugen) بوجه عربات النقل المتجهة جنوبا أو القادمة من الشمال.

هذا الحرص "المحلي" ترافق مع حرص "وطني" و"استراتيجي" من جانب الحكومة الفدرالية التي أقرت في وقت مبكر بأهمية إنشاء شبكة من الطرقات الجبلية القادرة على تحمل حركة وسائل النقل المجرورة أو الجديدة.

ومنذ عام 1860 رصدت برن موارد مالية ضخمة لتمويل إنشاء ثلاث طرق رئيسية تتيح لوسائل النقل المرور من خلال معابر "الفوركا" و" الأوبرألب" وبمحاذاة بحيرة الكانتونات الأربعة باتجاه السفح الشمالي للغوتهارد، أي أن الحكومة الفدرالية قررت منذ وقت مبكر التدخل بقوة لكسر العزلة التي كانت مفروضة على أجزاء واسعة من البلاد في منطقة توصف بـ"قلب مرتفعات الألب".

ويقول المؤرخ السويسري هانس أولريخ شيدت إن إنشاء الطرقات العابرة لجبال الألب يستبطن "بذور ذلك الخيال الجمعي الذي يوحد ما بين القدرات التقنية للإنشاءات الفنية وبين قدرة سكان المناطق الجبلية على التحمل، وبين المفهوم العسكري للحصن القومي وما بين الوظيفة الإدماجية للبريد في مناطق جبال الألب وبين السياحة الجبلية الحديثة".

لكل حادث حديث

في مقابل هذه التطورات، ألحق النمو السريع للسكك الحديدية الذي شهدته تلك الفترة ضررا فادحا بنقل البضائع عبر الطرقات العابرة لجبال الألب، كما أن بدء عمل بعض القطارات الخاصة للربط بين عدد من القرى الجبلية في كانتون غراوبوندن أثر سلبا على موقع هذه المنطقة الحيوي وأدى إلى تفاعلات غير منتظرة.

ففي عام 1914، وكنتيجة مباشرة للعجز عن مواجهة المنافسة توقف الخط البريدي (أي عربات نقل البريد عبر مرتفعات جبال الألب في الكانتون) عن العمل، لكن مؤسسة البريد – التي تعتبر من الركائز التي قام عليها البناء الفدرالي في سويسرا – رفضت الخضوع للأمر الواقع وردت الفعل بسرعة.

ففي عام 1919 نجحت سياسة مكننة عربات نقل البريد التي انتهجتها مؤسسة البريد الفدرالية في المناطق الجبلية من توفير هذه الخدمة عبر معبر سيمبلون. بل توصلت شركة سورير (Saurer) إلى تطوير نموذج لحافلة للألب بدأ في العمل رسميا عام 1921 واشتغل للمرة الأولى بعجلات مطاطية تُـنفخ بالهواء بعد أن كان استعمال عجلات "صلبة وممتلئة" هو السائد إلى ذلك الحين.

هذا التطوير التكنولوجي وما ارتبط بالحافلات البريدية من خدمات جيدة و"رفاهية" غير مسبوقة لسكان المناطق الجبلية، تحول إلى ما يشبه العلامة المميزة لعلاقة وطيدة وحميمة مع كل ما ترمز إليه مؤسسة البريد وحافلاتها الصفراء.

ويؤكد الباحثون والمؤرخون على الأهمية الكبرى التي لعبتها الطرق المعبدة (التي أتاحت للعربات المجرورة ثم للسيارات والحافلات الوصول بانتظام للمعابر الجبلية الوعرة) في التنمية الإقتصادية والسياحية للسهول والقرى المطلة عليها أو الواقعة على مساراتها المتعرجة، لذلك لم يكن مستغربا أن يبذل المسؤولون المحليون ورجال الأعمال الناشطون في القطاع السياحي (في منتجع دافوس بوجه خاص) جهودا غير عادية من أجل استئناف عمل الحافلات البريدية في المناطق المحاذية لمعبر فلويلا (Fluela) الجبلي في صيف عام 1927.

 أكثر من أربعة وتسعين مليون راكب!

وفيما ينتظر أن يتحول آلاف الأشخاص إلى دافوس في موفى الأسبوع الجاري لحضور الإحتفالات الشعبية والرسمية بمرور ثلاثة أرباع القرن على مرور أول حافلة بريدية من معبر فلويلا، تجدر الإشارة إلى أن تحرير قطاع النقل العمومي منذ عام ستة وتسعين لم يمس بموقع الحافلة البريدية ذات اللون الأصفر المميز في سويسرا.

فهذه المؤسسة لا زالت تغطي - إلى حد اليوم - بفضل 1889 حافلة و2065 سائقا، 716 خطا يصل طولها الإجمالي إلى عشرة آلاف وثلاثمائة وستة عشر كيلومترا (10316) تتخلله 9894 محطة ركب منها أربعة وتسعون مليون وأربع مائة ألف شخص في عام ألفين!

وهو ما يعني أن الحافلات البريدية التي تعتبر من الإبتكارات السويسرية الطريفة والقديمة ستحتفظ - ولفترة مقبلة غير قصيرة – بجاذبيتها السياحية وبخدماتها الضرورية وبرمزيتها في تشكيل الهوية الجمعية لشعب متعدد الأعراق والثقافات لا زال بنيانه الكونفدرالي في حاجة للتجديد والتمتين .. باستمرار!

كمال الضيف – سويس إنفو


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×