Navigation

"سويسرا ليست على ما يُـرام"

يعتقد جون دانيال غربر، مدير كتابة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيتحول مستقبلا إلى "ضرورة" Keystone

عبر عن هذا الاستنتاج المباشر والخطير مديرُ كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية الذي حاد عن التحفظ المعهود للمسؤولين السويسريين ودق ناقوس الخطر حول الحالة الاقتصادية للبلاد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 ديسمبر 2004 - 11:22 يوليو,

السيد جون دانيال غربر ألقى مؤخرا محاضرة في لوزان عدد فيها ببرودة أسباب وأعراض ضعف النمو السويسري واستعرض خلالها الإصلاحات الضرورية للنهوض.

نشرت صحيفة "لوتون" الصادرة بجنيف (بتاريخ 10 ديسمبر) ملخص العرض الذي ألقاه مدير كتابة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية جون دانيال غربر في ورشة الصحافة بلوزان يوم 3 ديسمبر.

وقد تضمن عرض السيد غربر الأسباب الرئيسية وراء ضعف النمو الاقتصادي السويسري والإجراءات الضرورية والملحة لإصلاح وانتعاش الحالة الاقتصادية للبلاد.

وما يثير الانتباه أو حتى الدهشة في تصريحات السيد غربر هو ابتعاده إلى أقصى حد عن التحفظ الذي تتميز به الحكومة الفدرالية وأسمى المسؤولين السويسريين عموما. فهو اختار الصراحة والجرأة وحتى البرودة لدق نواقيس الخطر، كما أقصى كل "لف ودوران" في تحليلاته وتصوراته للمستقبل.

واقع مقلق

"الاقتصاد السويسري ليس بصحة جيدة.. سويسرا لا تدرك أن الإصلاحات باتت ملحة.. أما الأخطر هو وجود مجموعات ضغط قوية تهتم قبل كل شيء برفع دخلها الخاص، ليس بتحقيق إنتاجٍ أكبر أو أفضل، لكن بالحيلولة دون ظهور منافسين جدد أو باستغلال آليات الإصلاح المُحدثة أو المسموح بها من قبل الدولة"..

هذه من بين الاستنتاجات الصريحة والمقلقة التي عبر عنها السيد غربر في لوزان. مدير كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية لم يكتف بتحليل وضع الاقتصاد السويسري ببرودة، بل وجه أيضا تحذيرا لمعارضي انضمام الكنفدرالية إلى الاتحاد الأوروبي، قائلا: "إذا ما ظلت سويسرا تعاني من الافتقار للإصلاحات، سيتحول الإنضمام إلى ضرورة في نهاية المطاف".

كما هاجم السيد غربر خطابات الذين يقللون من شأن المُروجين للإصلاح. وفضلا عن "ضرورة اعتماد إصلاحات في السوق الداخلية"، أعرب غربر عن اعتقاده أن "منظمة التجارة العالمية، والعولمة، وفتح الحدود بوجه اليد العاملة الأجنبية ليس خطرا بالنسبة لسويسرا، بل فرصة لها".

ونظرا لستثنائية الحدث، نورد فيما يلي أهم ما جاء في نص العرض الذي ألقاه مدير كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية يوم 3 ديسمبر الجاري في ورشة الصحافة بلوزان.

تحليل الوضع

"ما الذي حدث خلال السنوات الماضية؟ الولايات المتحدة تركت سويسرا بعيدا خلفها. دول أخرى مثل ايرلندا والنمسا لحقت بنا بعد أو هي بصدد اللحاق بنا. بدون إصلاحات، قد تسقط سويسرا خلال العقدين القادمين من المرتبة الرابعة التي تحتلها اليوم إلى المرتبة العشرين عالميا على مستوى الدخل الفردي.

أما الانعكاسات فستكون كالآتي: لن يكون بوسعنا تمويل تأميناتنا الاجتماعية على النحو الحالي. ستتقلص مقدرتنا على توفير التضامن بين الأجيال.

لماذا تطورت الأمور على هذا النحو؟ ومن المسؤول؟ وما العمل؟

سأذكرُ بثلاث نقاط أساسية تفسر النمو الضعيف لاقتصادنا:

أولا، هنالك العديد من النشاطات المتنامية التي لا تواجه المنافسة بشكل كاف، خاصة في قطاعات الصحة والتأمينات والتعليم. فما بين 1990 و2003، شهدت هذه القطاعات الثلاثة نموا أقوى بكثير من نمو الناتج الداخلي الخام. (...)

ثانيا، مازالت قطاعات اقتصادية كثيرة تحت رعاية وحماية الدولة أو تتلقى دعما كبيرا منها. وهذا حال البنى التحتية والزراعة وأيضا بعض المهن الحرة.

وتقاس انعكاسات هذه السياسة بالأسعار المعتمدة: إن شركاتنا تدفع ثمن الكهرباء أغلى مقارنة مع كافة الدولة الأوروبية تقريبا، فيما يتحمل مواطنونا نفقات صحية من بين الأغلى في العالم.

ثالثا، حتى في الأسواق المعرضة للمنافسة، تظل هذه الأخيرة ضعيفة. الحواجز التي يجب أن يتجاوزها المنافسون غالبا ما تكون عالية".

الأسباب

"إدراك ضرورة اتخاذ إصلاحات ملحة ليس منتشرا في بلادنا. الجو العام لا يوحي بالأزمة. وإلى اليوم لم يضطر المواطنون إلى التقشف. في غياب أزمة حقيقية، لا توجد إرادة لاتخاذ إجراءات جذرية. إنها سياسة الخطوات الصغيرة، هي الطريق الوحيد. لكن هاته الخطوات لا تتم من نفسها. السويد والنمسا، اللتان كانتا قبل خمسة عشر عاما في وضعية مماثلة لوضعية سويسرا اليوم، اختارتا طريقا آخر. هذان البلدان بحثا في الخارج عن دوافع لاعتماد الإصلاحات: أصبحا عضوان في الاتحاد الأوروبي. لكن هذه الطريق تظل مغلقة أمام سويسرا، على الأقل في الوقت الراهن. وهنالك نقطة أساسية يجب الإشارة إليها: الخطر الأكبر بالنسبة لمعارضي الاتحاد الأوروبي هو الآتي: إذا ما ظلت سويسرا تعاني من الافتقار للإصلاحات، سيتحول الإنضمام إلى ضرورة في نهاية المطاف".

المسؤوليات

"لا أحد، لا أحد بالفعل له الاستعداد لتحمل مسؤولية نقص الإصلاحات والنمو الضعيف المترتب عنها. تُسيطر على سويسرا مجموعات مصالح قوية (...)، هنالك لوبيات "lobbies" تهتم قبل كل شيء برفع دخلها الخاص، ليس بإنتاجٍ أكبر أو أفضل، لكن بالحيلولة دون ظهور منافسين جدد أو باستغلال آليات الإصلاح المُحدثة أو المسموح بها من قبل الدولة.(...)

من يجرأ على معارضة مثل تلك التصرفات علنا، من يجرأ على الاحتجاج ضد احتكار البني التحتية في مجالات الكهرباء والماء والاتصالات السلكية واللاسلكية، انتقاد أسعار المهن المسماة بالليبرالية (...) يوضع في خانة أتباع الليبرالية الشعواء (المتوحشة)".

الإصلاحات الضرورية

"بما أننا صنعنا مشاكلنا بأنفسنا، فيمكننا حلها أيضا. (...)

1- الإجراءات المتبعة لفائدة النمو: سيساعدنا إنجاز "مخطط النمو" للحكومة الفدرالية على تخطي مرحلة هامة. حسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إن أنجزت هذه الإجراءات، فإن سويسرا قد تبلغ نموا بنسبة 2% سنويا من إنتاجها القومي الخام خلال العشر سنوات القادم بدل 1,3% ان لم تتخذ أية إجراءات... الإجراءات المتوقع اتخاذها تهدف إلى الحد من نشاط الدولة وتعزيز المنافسة. (...)

2- السياسية الاقتصادية الخارجية:

"تقول منظمة التجارية العالمية: بالنسبة لبلد صغير، تظل امتيازات الاتفاقيات متعددة الأطراف أكبر من الاتفاقيات الثنائية. وبالتالي فإن النظام متعدد الأطراف في إطار منظمة التجارة العالمية مهم جدا بالنسبة لسويسرا. لكن يجب علينا تقديم تنازلات. ففي المجال الزراعي، سويسرا هي التي تمنح في المعدل أكبر دعم للمزارعين من بين كافة الدول المصنعة، وذلك على شكل مساعدات أو حماية جمركية. إن شركاءنا التجاريين يمارسون ضغطا قويا لكي نقلص من هذا الدعم وننسجم مع خطى الدول المصنعة الأخرى. ومن الواضح أن ذلك لن يتم بين عشية وضحايا، لقد بذل مزارعونا بعد مجهودات مقبولة.

على مستوى الاتفاقيات الثنائية، تظل الحزمة الثانية من الاتفاقيات الثنائية المبرمة مع الاتحاد الأوروبية حيوية بالنسبة لسويسرا. فهي تضمن الحفاظ على السرية المصرفية، وتدمجنا في نظام التأشيرات الأوروبية، وهو ما يلغي نقطة سلبية بالنسبة لصناعتنا السياحية. وتعرض الاتفاقيات الثنائية على منتجاتنا الزراعية المصنعة بابا إلى سوق واحدة، بنفس الشروط المفروضة على منافسينا، كما تضمُّنا إلى نظام الأمن في المجال الأوروبي.

3- سوق العمل السويسرية وحرية تنقل الأشخاص:

إن مشاركة سويسرا في توسيع اتفاق حرية تنقل الأشخاص ليشمل الدول العشر الجديدة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حاسمة. البعض يؤكد ان حرية تنقل الأشخاص ستؤدي إلى تنقل الشركات إلى بلدان أخرى وستحدث ضغطا لخفض الأجور. هذه الرؤية الأحادية الجانب خاطئة. الشركات تـُقدم على تلك العملية عندما يصبح السوق أقل مرونة. تتحول وحدات إنتاجها إلى بلدان أخرى بحثا عن الاقتراب من اليد العاملة الوفيرة أو من منطقة توزيع أوسع. خلال السنوات الماضية، تم تعويض الفراغ الذي أحدثته هذه العمليات في الخارج بتطوير إنتاج في سويسرا وبإنشاء شركات جديدة.

في سويسرا، تظل مرونة سوق العمل من الأسباب التي تشرح المعدل المنخفض للبطالة ويجب ان نحافظ على هذا الامتياز. إذا ما رفضنا توسيع حرية تنقل الأشخاص للدول الأعضاء الجدد في الاتحاد، فسيكون له مبرر لإلغاء مجموع الاتفاقيات الثنائية الأولى. وستكون حينئذ عزلة سويسرا مبرمجة".

الازدهار الاقتصادي والقيم المثلى

ويختتم كاتب الدولة للشؤون الاقتصادية جون دانيال غربر عرضه أمام ورشة الصحافة بالتساؤل إن كان من "الصواب أن يُُفرض على سويسرا البحث عن الازدهار الأقصى، وهل لا يمكن لعالمنا توفير الأفضل؟". وعن هذين السؤالين، يجيب السيد غربر: "إن عالمنا يوفر بالفعل قيما أكثر نبلا من الازدهار الاقتصادي، لكن نظاما يسمح ويضمن الازدهار الاقتصادي يساهم بدون شك وبصورة حاسمة في قدرتنا على السعي وراء تلك القيم المثلى مثل الكرم والعدل".

الأفكار التي عبر عنها بصراحة غير مسبوقة رجل الاقتصاد الثاني في البلاد بعد الوزير باسكال كوشبان، ستثير بلا شك جدلا واسعا لى المستوى الوطني. ولئن حرص السيد غربر على طرحها بجرأة شفافة، فلأنه يأمل في أن يكف السويسريون عن "العيش اليوم على حساب مستقبل أبناءهم" مثلما جاء على لسانه في حديث نشرته صحيفة "فانت كاتر أور" في نهاية الأسبوع المنصرم.

سويس انفو اعتمادا على نص العرض الذي نشرته صحيفة لوتون يوم 10 ديسمبر 2004

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.