Navigation

 فرنسا تشدد الخناق على إجرام الأحداث

تثير القوانين الفرنسية الجديدة المتميزة بكثير من التشدد تجاه الأحداث والقاصرين انتقادات واسعة في الأوساط القضائية والحقوقية والتربوية Keystone

أثار مشروع قانون جديد اعتمده مجلس الوزراء الفرنسي يوم الأربعاء يرمي إلى تعزيز وسائل عمل الجهاز القضائي وإلى مواجهة التصاعد الخطير لظاهرة إجرام الأحداث والأطفال، جدلا كبيرا في فرنسا وصلت أصداؤه إلى سويسرا!

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 يوليو 2002 - 17:53 يوليو,

لم تبلغ معدلات الإجرام والعنف الذي يمارسه الشبان واليافعون في سويسرا نفس الحجم الذي وصلت إليه في فرنسا المجاورة، لكن نسبة من الرأي العام السويسري (وخاصة من الناطقين بالفرنسية) يتابعون بانتباه الجدل الذي اندلع فيها هذه الأيام إثر الإعلان عن تفاصيل "قانون التوجيه والبرمجة حول العدالة" الذي يتضمن سلسلة من الإجراءات الجديدة المقترحة من طرف الحكومة لمواجهة الظاهرة.

وفيما لا تستوقف الزيادة الضخمة في الميزانية المطلوب توفيرها للقطاع القضائي على امتداد السنوات الخمس المقبلة (3.650 مليار يورو) الكثيرين، تثير العديد من الإجراءات الصارمة المقترحة في مجال التعامل القضائي مع القصّر والشبان انتقادات واسعة داخل فرنسا.

وينص القانون الجديد على إنشاء "مراكز تربوية مغلقة" مخصصة لاحتجاز الأحداث الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و18 عاما في إطار رقابة قضائية أو إثر صدور حكم مؤجل التنفيذ ضدهم مقترنا بفترة اختبار. أما اولئك الذين لا يحترمون إجراءات الرقابة القضائية المفروضة عليهم فسوف يكون بالإمكان اعتقالهم بشكل "مؤقت" منذ بلوغهم سن الثالثة عشرة!

من جهة أخرى تم تشديد إجراءات اعتقال الشبان الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و16 عاما في صورة تكرر مخالفتهم للقوانين إذ يسمح القانون الجديد – على عكس ما كان معمولا به في السابق - باعتقالهم لخمسة عشر يوما يمكن تجديدها لمرة واحدة.

أما التنقيح الأكثر إثارة في هذا القانون فيتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة والثلاثة عشر عاما! حيث ينص مشروع القانون الجديد على تسليط "عقوبات تربوية" على هذا الصنف من المخالفين بل يذهب إلى حد السماح للقضاة بإصدار أحكام "مستعجلة" عليهم في صورة تكرار ارتكابهم للمخالفة أو الجريمة.

انتقادات بالجملة

ما من شك في أن الحكومة الفرنسية التي جاءت إلى السلطة بعد انتصار اليمين الساحق في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة تعمل على الإحتفاظ بثقة الناخبين وتحقيق إنجازات ملموسة في ملف الأمن ومكافحة الإجرام والعنف الذي يشغل بال أغلبية السكان لكن مشروع الحكومة الذي استعجلت الإعلان عنه قبل العطلة السياسية فجّر جدلا كبيرا في الأوساط الحقوقية والقضائية.

ففيما حمل الحزب الإشتراكي المعارض بعنف على مجمل التحويرات المقترحة معتبرا أنها تمثل "عودة إلى الوراء بعشرين عاما"، عبرت اللجنة الوطنية الإستشارية لحقوق الإنسان (وهي هيئة استشارية تابعة لرئاسة الوزراء) عن "الدهشة والإستغراب" من بعض مواد القانون الجديد وخاصة فيما يتعلق بإجراءات محاسبة القصّر واليافعين.

وقد لخصت الهيئة - التي تضم شخصيات قانونية وحقوقية بارزة ممثلين عن هيئات المجتمع المدني ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان - مآخذ المعارضين الذين ينتمون إلى فئات متعددة من بينها المدافعون عن حقوق الأطفال والمنظمات المهنية للمربين والقضاة والمحامين بالإشارة إلى أن التوجه العام للمواد المتعلقة بجنايات الشبان واليافعين والأطفال يتعارض مع بنود المعاهدة الدولية لحقوق الطفولة.

أما فيليب شايو رئيس الغرفة الخاصة بالقصّر في محكمة الإستئناف في باريس فقد استنكر في تصريحات نقلت عنه في صحيفة لوتون الصادرة في جنيف "عدم إجراء الحكومة لأية مشاورات مع القضاة والمحامين والمربين" واختيارها اللجوء إلى "أجوبة قضائية صرفة لمعالجة خلل اجتماعي هائل". كما عبر عن شعوره بالصدمة لتوجه الحكومة لتوسيع الترسانة القمعية دون التفكير في مواجهة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الظاهرة.

 ضحايا جدد لمنطق القوة؟

وتؤكد الإحصائيات الرسمية المنشورة في فرنسا أن عدد الأحداث المتورطين في ارتكاب جرائم قد ارتفع بنسبة تسعة وسبعين في المائة في الفترة الفاصلة ما بين عامي اثنين وتسعين وألفين وأن أعمار نصفهم تقريبا تقل عن ستة عشر عاما.

ويعزو الخبراء وعلماء الإجتماع تفاقم الإجرام والعنف في صفوف الشبان واليافعين في فرنسا إلى عدة أسباب لعل أهمها الأوضاع المتردية في الأحياء الواقعة في ضواحي المدن الكبرى الفرنسية التي تقطنها أغلبية ساحقة من المهاجرين وحالة الأطفال والقصر الأجانب في المجتمع وتطور أنماط ظاهرة العنف في الحياة اليومية بشكل عام.

لكن القانون الجديد الذي تضمن تشددا واضحا في السياسة الجنائية تجاه القاصرين تناسى - في غمرة السعي إلى تخفيف مخاوف الناخبين ومحاولة الوفاء ببعض الوعود الإنتخابية - أن الحل لا يكمن بالضرورة في إيداع المزيد من الشبان واليافعين للسجون أو إنشاء "مراكز تربوية مغلقة" جديدة.

فجرّاء الإكتظاظ والإهمال تحولت بعض الأجنحة المخصصة للأحداث في السجون الفرنسية إلى أماكن "لا تليق بفرنسا القرن الحادي والعشرين" مثلما جاء في نتائج تحقيق أنجزه مجلس الشيوخ الفرنسي وهو ما يثير مخاوف الأطراف المنتقدة والمعارضة للمشروع التي ترى أن بنوده المتشددة "ستؤدي إلى تعميق التوجه الحالي لسجن القاصرين" مثلما جاء في تقرير اللجنة الوطنية الإستشارية لحقوق الإنسان.

وفيما يتوقع أن يحتدم النقاش في المداولات البرلمانية التي ستدور في موفى هذا الشهر حول مشروع القانون، يخشى البعض أن تتغلب عقلية المعالجة الأمنية والقمعية للظواهر الاجتماعية المعقدة على منهجية التربية والإحاطة الطويلة المدى بالمنحرفين الشبان، في ما يشبه التقليد الأعمى للإجراءات المماثلة التي اتخذت في بريطانيا أو تماشيا مع منطق "ما بعد الحادي عشر من سبتمبر" الذي لم يعد يرى حلا للمشاكل "المستعصية" إلا في اللجوء إلى منطق القوة والقمع.

كمال الضيف – سويس إنفو

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.