Navigation

"لعبة الأوهام والأحلام"

مستوطن يتوسل جنديا إسرائيليا لعدم تطبيق أمر إخلاء غزة بينما يحاول مستوطنون آخرون منع الوحدات الإسرائيلية من دخول مستوطنة نيفي ديكاليم في غوش قطيف يوم الإثنين 15 أغسطس 2005 swissinfo.ch

تنسحب القوات الإسرائيلية من غزة مخلفة وراءها غبارا من الأوهام تحاول تل أبيب ترويجها، وتلقفها الفلسطينيون ليسندوا بها أحلاما تراودهم على مدى عقود طويلة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 أغسطس 2005 - 08:01 يوليو,

وليس جديدا على الصراع العربي الصهيوني لعبة الأوهام والأحلام، لكنها شكلت أساس اتفاق أوسلو 1993، وهو أول اتفاق في تاريخ الصراع يوقع بين إسرائيل والفلسطينيين.

اعتمدت الأوهام والأحلام في تفسير الاتفاق والبناء عليه، هذا البناء الذي انهار تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية وهي تقتحم أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني بعيد انتفاضة الأقصى خريف 2002.

يوم الاثنين 15 أغسطس، بدأت القوات الإسرائيلية الانسحاب من داخل قطاع غزة ومعها تأخذ المستوطنين بعد تفكيك المستوطنات والشروع في تدمير وهدم ما بني عليها طوال ستة وثلاثين عاما من الاحتلال حتى لا يستفيد الفلسطينيون منها.

إسرائيل تنسحب من داخل قطاع غزة، الذي شكل منذ انتفاضة 1987 عبئا أمنيا وسياسيا عليها، بعد أن أدركت أن قبضتها الأمنية وسياسة الاغتيالات والغارات والاقتحامات لم تضمن أمن مستوطنيها وقواتها، وان الدعم الأمريكي اللامحدود لسياستها الفلسطينية لم يعد كافيا لإقناع العالم بـ"شرعيتها" كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب، وأن العالم خاصة أوروبا، الرسمية والشعبية، تتعامل مع سياستها هذه بامتعاض واستنكار، وأحيانا لا تتوانى عن تصنيفها كإرهاب دولة.

انسحاب من داخل القطاع إلى حدوده

وينحصر الانسحاب الإسرائيلي من داخل قطاع غزة، في خطوطه العريضة على الأرض، في تحاشي الاحتكاك المباشر بين المواطن الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي. وهو بذلك لا يختلف عن الانسحابات الإسرائيلية في 1994 من داخل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تترك المشاغل والملفات الداخلية الفلسطينية بيد الفلسطينيين، لتدبرها سلطتهم دون أن يقترب هذا التدبير إلى الشأن السيادي، نظريا أو على الأرض.

فالقوات الإسرائيلية لم تنسحب من قطاع غزة، بل انسحبت من داخل القطاع إلى حدوده، دون أن تسمح للفلسطينيين بتحمل مسؤولية أي شكل من إشكال السيادة على الحدود في الأرض أو في الجو أو في البحر.

فالمعابر البرية، المراكز الحدودية مع مصر، لا زالت تحت إشراف إسرائيل، وهي المسؤولة عنها وتضع ترتيباتها، دون أن يكون هناك تماس مباشر بين الأجهزة الإسرائيلية والمواطن الفلسطيني. ويقتصر دور الفلسطينيين فيها على التدبير الإداري لدخول وخروج المواطنين والبضائع. والميناء والمطار، رغم انه سينطبق عليهما وفيهما ما ينطبق على المعابر البرية، والذي لا زال خارج إطار البحث والمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

رغم ذلك، تسوق إسرائيل انسحابها من داخل قطاع غزة كتضحية وتنازل وجزء من سياستها ورغبتها في سلام، مع السعي لقبض ثمنه. وإذا كانت أنباء قد تحدثت عن ملياري دولار قبضتهما من الإدارة الأمريكية، فإنها تسعى لموقف أوروبي يشرع لها أي تدخل عسكري في القطاع مستقبلا، ويخفف عنها ضغوطات الانسحاب المماثل من أراضي الضفة الغربية، ودفع الدول العربية لخطوات تطبيعية معها، إن كان أولا بإعادة أشكال العلاقات، تبادل السفراء ومكاتب اتصال سياسية وتجارية مع العواصم التي كانت تقيم هذه العلاقات قبل انتفاضة الأقصى، مثل الرباط وتونس والدوحة ومسقط، وثانيا تحفيز عواصم لديها قابلية لمثل هذه العلاقات لتقيمها.

خطوة إسرائيلية هامة وامتحان فلسطيني صعب

وكل ذلك لا يقلل من أهمية الخطوة الإسرائيلية بتميزها أنها المرة الأولى التي تسحب فيها إسرائيل مستوطنيها وتفكك مستوطناتها من أراض محتلة وتسلمها للفلسطينيين. ويدرك الفلسطينيون طبيعة الانسحاب الإسرائيلي ومداه وحدوده، لكنهم يتلقفونه إشارة على إمكانية إقامة دولتهم الموعودة، فيصفونه بالجلاء والتحرير ويحتفلون به.

أما السلطة الفلسطينية التي تلقفت مثلهم الإشارة وتسعى لترسيمها، فهي تدرك أيضا أن ما سيخلفه الانسحاب الإسرائيلي امتحان صعب قد لا تنجح فيه، وتجربة سنوات الحكم الذاتي في الضفة والقطاع (1994 –2000)، كانت فاشلة وانعكست سلبا على علاقة المواطن الفلسطيني بقيادته التاريخية، إلا أن العلاقة لم تنفجر تتوتر حتى الآن إلا تقديرا للتاريخ الوطني لهذه القيادة وموقفها المتمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، وما دفعته من ثمن باهظ وأساسا شخصية ياسر عرفات القائد وطبيعتها وقدرتها على خلق تماس مباشر مع المواطنين وإشعارهم بإلتصاقها بهم وبطموحاتهم.

في الوقت الحالي، تشهد الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع فلتانا أمنيا وسوء إدارة وفساد استفحل منذ وفاة الرئيس ياسر عرفات. وإذا كان طبيعيا أن يحمل الجزء الكبير من ذلك إلى الاحتلال، إلا ان السلطة تتحمل المسؤولية الأساسية في سوء التدبير والفساد، ثم إن الفلتان الأمني ناتج في جله عن سلاح أطراف في السلطة وليس المعارضة، وتحديدا سلاح جماعات من داخل حركة فتح حزب السلطة وكبرى الفصائل الفلسطينية.

وإذا كان الفلسطينيون تاريخيا يواجهون مأزق عجز قيادتهم في إقامة مؤسسات، سياسية وأمنية وإدارية واقتصادية، فإن آثار هذا العجز خلال المرحلة القادمة سيكون كارثيا على مستقبل قضيتهم. ولن يقتنع المواطن الفلسطيني بأي مبررات للفوضى والفلتان الأمني والفساد وسوء الإدارة في قطاع غزة، ما دامت قيادته تقول له إنها حققت تحريرا وجلاء لقوات الاحتلال.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.