تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"مبادرة السلام لازالت في درج مكتبي"

مقترحات ولي العهد السعودي ليست جديدة لكنها قد تحرك بعض المياه الراكدة في منطقة ملتهبة

(Keystone)

ما أن نشرت صحيفة النيويورك تايمز التصريحات التي أدلى بها ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، وأعرب فيها عن استعداد بلاده للتطبيع الكامل مع إسرائيل في مقابل انسحابها الكامل إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران 1967، حتى توالت ردود الفعل العربية مرحبة و..مستنكرة!

كان للخبر وقع القنبلة. فصحيفة النيويورك تايمز التي انفردت منذ بضعة أسابيع بنشرها رسالة من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حدد فيها ملامح تصوره للسلام الشامل في الشرق الأوسط، خرجت علينا هذه المرة بسبق نادر: مقال للصحفي المعروف توماس فريدمان يسرد فيه تفاصيل عشاء جَمعُه مع ولي العهد السعودي في المملكة. تم اللقاء في إطار ما أسماه فريدمان ب"الانفتاح السعودي الهادف إلى شرحِ أفضل لسياسات ومواقف المملكة". أما مضمونه فلم يكن أقل من تصور واضح لا لبس فيه للأمير عبد الله لمبادرة سلام في الشرق الأوسط.

ملامح المبادرة كما يسردها فريدمان على لسان ولي العهد السعودي لا تخرج عن إطار مبدإ الأرض مقابل السلام:"انسحاب (إسرائيلي) كامل من كل الأراضي المحتلة، وفقا لقرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك مدينة القدس، وذلك في مقابل التطبيع الكامل للعلاقات (معها)".

كانت الفكرة، والحديث لازال لولي العهد، أن يضّمن المبادرة في خطاب يلقيه في مؤتمر القمة العربي المقرر عقده في أواخر شهر مارس المقبل بهدف حشد تأييد العالم العربي لها. لكنه سرعان ما تراجع عن رأيه إثر التصعيد الإسرائيلي للعنف ضد الشعب الفلسطيني بصورة غير مسبوقة.

"ولكن ماذا لو وافق السيد شارون والفلسطينيون على وقف لإطلاق النار قبل انعقاد القمة؟" تساءل السيد فريدمان. ردَّ عليه ولي العهد بالقول: "دعني أقول لك إن الخطاب مكتوب وهو لا زال في درج مكتبي". إجابة لا تحتمل الشك. فالمبادرة لا زالت مطروحة، والإعلان عنها رسميا مرهون بتغير مواقف الجانب الإسرائيلي.

نقد عربي

ردود فعل بعض المراقبين العرب تجاه المبادرة جاءت سريعة حتى قبل أن يجف الحبر عن الصحيفة المنشورة. فمن جانب ربطت بعض وسائل الأعلام العربية المرئية بين توقيت هذا المقترح وبين حملة الانتقاد الواسعة التي تعرضت لها المملكة السعودية في وسائل الأعلام الأمريكية. كما لمّحت إلى كونها محاولة لكسب الرأي العام الأمريكي.

ومن جانب أخر، أعتبر الدكتور وحيد عبد المجيد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية في تصريح لنفس الصحيفة (النيويورك تايمز) أن المقترح "سوف يّعقد وُيضعف من موقف الفلسطينيين والعرب". لماذا؟ لأن أي محاولة لإرضاء إسٍرائيل في الوقت الراهن ستقوي من الحظوظ السياسية لأرييل شارون:"سوف يقول، هاكم، لقد أثمرت سياساتي القمعية إلى المدى الذي دفع بأكبر الدول العربية إلى تقديم مقترحات غير مسبوقة".

أما السيد عبد الباري عطوان رئيس تحرير جريدة القدس العربي الصادرة في لندن، فقد وصف مقترح الأمير بالمفاجأة التي تظهر "وجود نوايا سعودية حقيقية بالذهاب بعيدا وكسر أخطر المحرمات والخطوط الحمراء السعودية". ثم يتساءل عما إذا كانت الأسرة الحاكمة السعودية قررت فك ارتباطها مع المؤسسة الدينية، على اعتبار أن الأخيرة سترفض حتما أي وجود دبلوماسي أو سياسي أو حتى سياحي "للعبرانيين على أرض الحرمين الشريفين". ويصل إلى خلاصة أولية مفادها أن "الطلاق بين الجانبين، أي آل سعود والمؤسسة الوهابية، وقع في طلقته الأولى".

انتقادات في غير محلها؟

لعل الملفت أن تأتي ردود الفعل بهذه الحدة. فما طرحه ولي العهد السعودي لم يخرج قيد أنمله عن مبدأ السلام مقابل الأرض الذي دعت إليه قرارات الأمم المتحدة، وسعت إلى ترجمته مشاريع السلام الفردية لمصر والأردن، ونادى بها الملك فهد، عندما كان وليا للعهد، في قمة فاس العربية عام 1981.

بل إن الأمير عبد الله يظل متقدما في طرحه لإصراره على مفهوم الانسحاب "الكامل" من "كل" الأراضي المحتلة إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران 1967، وهو المفهوم الذي خرجت عن إطاره مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية وانتهت إلى المأزق الدامي الحالي.

كما أن القول بإن المبادرة تضعف من الموقف الفلسطيني والعربي في الظرف الراهن "ليس دقيقا"، وفقا لرأي الصحفي وليد العمري في حديث مع سويس إنفو. بل على العكس، فإن من شأن هذه المبادرة، الصادرة عن دولة عربية ومركزية، أن تقدم دعما معنويا للفلسطينيين. يقول السيد وليد العمري: "المطلوب كي يتم ذلك (التطبيع) أن تنسحب إسرائيل بالكامل. وهنا أضع خط تحت كلمة "بالكامل"، أي على الإسرائيليين أن يختاروا قيادة لهم تستجيب لمثل هذا الشرط كي تلاقي هذا الثمن من جانب الدول العربية. هذا هو الأمر المهم في هذه المعادلة.... وهو في غير صالح شارون بتاتا. شارون لا يملك أي نوع من الخيارات السياسية... ومثل هذا الموقف من شأنه أن يزيد من مأزقه. لأنه سيكون هناك من سيقول له: المطلوب للعيش بسلام في هذه المنطقة أن نعيد ما تم احتلاله في عام 1967".

والخلاصة؟

في كل الأحوال، فإن المؤكد أن مسألة توقيت الإعلان عن المبادرة السعودية تثير بالفعل العديد من التساؤلات. فهي تأتي في وقت تعرضت فيه المملكة إلى حملة إعلامية قوية في الولايات المتحدة، وتسعى فيه جاهدة إلى إعادة "علاقتها الإستراتيجية" بحليفها القوي إلى مسارها السابق. وبدأت بالفعل في شن حملة علاقات عامة تديرها شركة كورفيس للاتصالات الأمريكية على مدى عام كامل بهدف كسب تعاطف شرائح واسعة في صفوف الرأي العام الأمريكي.

لكن هذا العامل يفقد تأثيره متى ما فصلنا بين مواقف الأمير عبد الله المعروفة من قضية الشرق الأوسط، والتي تأخذ في العادة اتجاها عروبيا تفصله أحيانا عن مواقف الجناح السديري من العائلة المالكة، وبين الحرص السعودي على استمرار علاقة التحالف القائمة مع الولايات المتحدة، وتمتينها إذا أمكن لارتباطها الحيوي بمصالحها وبقاءها.

والأهم هو أن استمرار هذه العلاقة على مدى عمر المملكة، كما يرى المتابعون للبنيان السياسي السعودي، يدل على أن علاقة زواج العائلة المالكة بالمؤسسة الدينية ظلت مرهونة بتقسيم دقيق للأدوار: تتولى العائلة فيه إدارة السياسة الخارجية تاركة الشأن الداخلي للمؤسسة الدينية.

ولذا فإن القول بإن الطلاق قد وقع في طلقته الأولى بين الجانبين يظل أيضا غير دقيق، لأن محاولته الأولى حدثت بالفعل في حرب الخليج الثانية. لكنها كانت طلقة رجعية، سرعان ما عادت بعدها رموز المؤسسة الدينية، وحتى المعارضون منهم، إلى بيت الطاعة.

إلهام مانع

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×