Navigation

 مخاوف مصر من اتفاق السودان

تعتبر مصر ان اتفاق السلام في السودان قد يكون خطرا على امنها القومي اذا ما ادى الى انفصال الجنوب بعد فترة انتقالية Keystone

أثار الإعلان عن اتفاق السلام المبرم في كينيا بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان الذي يقوده جون قرنق، قلقا ومخاوف في الأوساط السياسية المصرية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 أغسطس 2002 - 17:57 يوليو,

ومع أن ممثلي الحكومة المصرية امتنعوا عن انتقاد الاتفاق، إلا أنهم أيضا امتنعوا عن الترحيب به مكتفين بالتأكيد على تأييدهم لوحدة السودان، الأمر الذي يمكن إرجاعه للمخاوف المصرية إزاء الاتفاق.

فالقاهرة لا تستطيع أن تعلن صراحة معارضتها لاتفاق يزعم أطرافه المباشرون وأصحاب المصلحة الأولى فيه أنه سيضع حدا للصراع الأهلي الدامي الجاري في جنوب السودان منذ تسعة عشر عاما، ولكن القاهرة أيضا يصعب أن تشعر بالابتهاج لاتفاق ينطوي على عدد من العلامات التي اعتاد مرتادو ساحات السياسة المصرية الرسمية والمعارضة على اعتبارها مؤشرات خطر ونذر تهديد.

لهذا، بينما امتنعت الحكومة المصرية عن انتقاد الاتفاق، فإن تجاهلها له، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لناقدي الاتفاق من الكتاب المصريين، التعبير عن مخاوفهم في الصحافة المصرية، يشير إلى سيطرة عدد من المخاوف على عقل السياسي وصانع القرار في مصر.
أول هذه المخاوف، هو القلق من احتمال أن يقود الاتفاق إلى انفصال جنوب السودان في نهاية الفترة الانتقالية ومدتها ست سنوات. وبدون كثير تمحيص، فإن هناك ما يكاد يرقى إلى مستوى الإجماع في الأوساط السياسية المصرية على أن انفصال جنوب السودان عن شماله يمثل تهديدا لمصالح مصرية حيوية، ويعرض أمن مصر القومي للتهديد.

الامن القومي المصري

فبشكل عام، تنظر الأوساط السياسية في القاهرة إلى أي انقسام في بلد عربي باعتباره جزءا من مخطط لإضعاف العالم العربي عبر تقسيمه على أسس عرقية أو دينية أو قومية. وترى الأوساط السياسية في القاهرة في ذلك نوعا من "البلقنة" التي تهدد أمن واستقرار المنطقة، عبر تهديد الأمن والتكامل الإقليمي لدولها.

أما في حالة السودان، فإن المخاوف المصرية من التقسيم تبلغ أقصاها بالنظر إلى علاقة الجوار وروابط التاريخ ووادي النيل التي تجمع البلدين.

فالقاهرة تتخوف من أن يؤدي ظهور دولة مستقلة جديدة في جنوب السودان إلى تعقيد علاقة مصر بدول حوض نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة لمصر. وتقلق القاهرة بالذات من المشاعر غير الودية تجاه مصر المنتشرة بين سكان جنوب السودان، وذلك بسبب دعم القاهرة الدائم للنظم الحاكمة المتعاقبة في الخرطوم في حربها لمنع استقلال جنوب السودان، وأيضا بسبب الطبيعة الإثنية للصراع، والتي تجعل الجنوبيين يطابقون بين خصومهم الشماليين ومصر باعتبارهم جميعا عربا ومسلمين.

والرأي السائد في القاهرة هو أن انفصال جنوب السودان، أيا كانت الصيغة التي سيتم وفقا لها، لن يضع حدا للمطالب والصراعات الانفصالية في السودان.

هل تفكيك السودان وارد؟

على العكس، فإن انفصال الجنوب سيشجع جماعات أخرى ذات ميول انفصالية، خاصة في جبال النوبا وفي إقليم البحر الأحمر الاستراتيجي، على تصعيد حملاتها للمطالبة بالانفصال، الأمر الذي سينقل مخاطر الصراع الأهلي في السودان قريبا من الحدود المصرية، بكل ما يعنيه ذلك من تسهيل تهريب الأسلحة عبر الحدود المصرية، وهو ما قد تستفيد منه جماعات إرهابية، أو عبر إرسال موجات من اللاجئين عبر الحدود المصرية، مما يُعرَض موارد مصر المحدودة لضغوط إضافية، ويزيد من تورط مصر في الصراع الداخلي في السودان إلى مستوى أبعد مما تحتمله القاهرة.

وتضيف الظروف التي جرى في سياقها توقيع بروتوكول مكاكوس بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان أسبابا إضافية للقلق في مصر. فقد لعبت الولايات المتحدة دورا رئيسا في التوصل الى هذا الاتفاق، وهو ما لا يمثل مصدرا للارتياح في مصر.

فعلى الرغم من العلاقات المصرية-الأمريكية الوثيقة في مجالات متعددة، إلا أن مصريين كثيرين داخل دوائر صنع القرار وخارجها، ينظرون بعين الشك والريبة إلى النشاط والوجود الأمريكي في الجوار المباشر.

وبينما يرجع جانبا من هذا الشك إلى علاقة واشنطن الوثيقة بتل أبيب، كما يرجع جانب منه إلى بقايا الإيديولوجيات المعادية للغرب في السياسة والثقافة المصرية، فإن جانبا مهما من هذا الشك يرجع إلى القلق المصري من زيادة نفوذ الدولة العظمي، التي لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنواياها أو سياساتها أو يسيطر عليها، في الجوار المصري.

تهميش مصر في اتفاق كينيا

وتتعزز هذه المخاوف المصرية بسبب تعمد الأطراف القائمة على الاتفاق تجاهل مصر وعدم إشراكها في المفاوضات التي أوصلت إليه. وبينما ركزت السياسة المصرية في السنوات الأخيرة على العمل على موازنة نفوذ الدول الأفريقية المعنية بالشأن السوداني والمنظمة في تجمع "الإيجاد"، والتي عادة ما كانت وجهات نظرها أكثر قربا لوجهة نظر المعارضة الجنوبية المسلحة، فإن الاتفاق الأخير يمثل انتصارا، وإن لم يكن كاملا، لوجهة نظر دول الجوار الافريقي.

وكانت المبادرة الليبية- المصرية بشأن السودان، والتي جرى الإعلان عنها عام 1999، تمثل حجر الزاوية في السياسة المصرية تجاه الجار الجنوبي. ويبدو أن القاهرة تصورت أنه يمكن توظيف النفوذ الأفريقي للزعيم الليبي معمر القذافي لدعم الرؤية المصرية في السودان. ولكن يبدو أيضا أن هناك أطرافا أخرى رأت في هذه الخطوة بالذات مبررا كافيا للعمل على استبعاد القاهرة.

وتراهن مصر على الأسابيع القليلة القادمة لتثبت ما إذا كانت امام اتفاق حقيقي، لديه فرصة للحياة والاستمرار، أم إذا كانت القضايا الحساسة المعلقة والتي ينتظر أن يُستأنف التفاوض حولها في غضون أسابيع قليلة، كفيلة بإرجاع الأوضاع إلى المربع رقم 1 أو مربع آخر قريب منه.

وفي الحالتين، فإن القاهرة سوف يكون عليها أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة في السودان ومن حوله، لأنه سواء نجح الفرقاء السودانيون في استكمال ما بدأوه، أم فشلوا في ذلك، فإن سودان ما بعد 20 يوليو سوف يختلف حتما عن السودان الذي عرفناه حتى ذلك التاريخ.

د. جمال عبد الجواد - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.