Navigation

Skiplink navigation

"مـاذا" وليس "مـن" بعد عـرفـات؟

هل تصمد فلسطين بعد رحيل "أبو عمّـار"؟ Keystone

أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه المحللون العرب كما الغربيون في هذه المرحلة، هو طرح السؤال الخطأ: "مَـن بعد ياسر عرفات"؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 نوفمبر 2004 - 11:00 يوليو,

ذلك أن السؤال الصحيح الذي يجب أن يطرح هو: "ماذا بعد عرفات"؟

بالطبع، إسقاط مقولة "ما بعد" لصالح مقولة "ماذا بعد"، لا تنتقص بأي حال من الدور الكبير الذي لعبه الرجل في النضال الوطني الفلسطيني طيلة السنوات الأربعين الماضية، ولا من خطورة الفراغ الذي سيتركه غيابه عن قمرة قيادة هذا النضال.

كان ياسر عرفات من قماشة أولئك الزعماء في العالم الثالث الذين أُطلق عليهم إسم "أبو الأمة" أو "والد الشعب" في مرحلة الاستقلال من الاستعمار، مثل المهاتما غاندي في الهند، وجوزب بروز تيتو في يوغوسلافيا، وجوليوس نيريري في تانزانيا، والاسقف مكاريوس في قبرص، وجمال عبد الناصر في مصر، لا بل لعب عرفات دورا أكبر من هؤلاء، إذ كان عليه، ليس فقط ان يحرر مواطنيه الفلسطينيين من العبودية، بل أيضا أن يحمل العالم على الاعتراف بوجودهم كشعب، وبحقوقهم كقضية تحرر وطني، هذا الدور الكبير الذي جعله، ليس فقط قائدا سياسياً لشعبه، بل أيضا رمزه الوطني، هو الذي سيخلق الفراغ الكبير الذي لن يستطيع أحد ملؤه بسهولة أو بسرعة.

كان عرفات طيلة نصف قرن "السيد فلسطين"، (على حد تعبير صحافي أمريكي) الذي تركّـزت في شخصه كل السياسات والاستراتيجيات، ومعها كل المؤسسات الفلسطينية، وكان القائد الأوحد للحركة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1959، خاصة بعد اغتيال رفيقيه أبو جهاد وأبو إياد، ووفاة الشخصية البارزة فيصل الحسيني.

واعتمر أبو عمار، فوق ذلك، أربع قبعات دفعة واحدة بكونه: الرئيس المنتخب للسلطة الفلسطينية، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس حركة "فتح"، وأيضا رئيس دولة فلسطين التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، ولا يجب أن ننسى، بالطبع، أنه أمسك دوما وشخصيا بكل صنابير الأموال في المؤسسات الفلسطينية كافة.

أين "فتح"؟

بيد أن كل هذه العوامل على أهميتها ليست القضية الرئيسية الآن بالنسبة للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية. فعرفات لم يترك وراءه دولة فلسطينية كي تحل مشكلة غيابه بمجرد الاتفاق على خلفه.

والسلطة الفلسطينية، التي كان يُـفترض أن تكون البنية التحتية لهذه الدولة، لا تملك في الواقع سلطة على أحد، لا على أجهزة الأمن، ولا على المنظمات المقاتلة، ولا حتى على مؤسساتها الخاصة.

وهكذا، فإن أحمد قريع يمكن أن يقوم بمهام رئاسة الوزراء، ومحمود عباس بمهام الرئاسة (في السلطة كما في منظمة التحرير)، بيد أن ذلك لن يخلق الاستقرار ولن يوفّـر الأمن، خاصة في غياب أي فرصة من فرص التسوية مع إسرائيل.

والأخطر، أن حركة "فتح"، التي أسّـسها عرفات وقادها لتكون العمود الفقري لحركة التحرر الوطني تمر بمرحلة في غاية الخطورة على كافة الأصعدة، السياسية والفكرية والأخلاقية، بعد أن ربطت مصيرها منذ عام 1993 بمصير اتفاقيات أوسلو.

وبما أن هذه الاتفاقيات تحتضر الآن (أو احتضرت بالفعل) بعد أن لفظتها القيادة الإسرائيلية واستبدلتها بخيارات الجدار العازل، و"غزة أولا وأخيراً"، ورفض منح أية تنازلات للسلطة الفلسطينية، (بما في ذلك لمحمود عباس حين كان رئيساً للوزراء)، فإن حركة "فتح" تجد نفسها وجها لوجه أمام خيار التشظي والانقسامات.

وثمة اجتهادات ثلاث الآن حول مصير "فتح":
الأول، أن لعبة السلطة والنفوذ والمال، إضافة إلى التدخلات الخارجية الكثيفة، ألحقت عاهات دائمة في جسم الحركة وعقلها. لذا، فهي من الآن فصاعدا ستبدأ انزلاقها السريع نحو هاوية التهميش التاريخي والعجز عن المبادرة الاستراتيجية.

والثاني، ستكون الحركة قادرة بعد حين على تجديد نفسها لسبب بسيط. ليس هناك خيار أمام الشباب الوطني الفلسطيني القابع تحت الاحتلال والإذلال، سوى إعادة اختراع حركة تحرره الوطني باستمرار، وهنا الرهان كبير على مروان البرغوتي، وبعض فصائل كتائب الأقصى.

ثم هناك الاجتهاد الثالث، والذي يرى أن "فتح" لن تذوي تماما ولن تشفى تماما. إنها ستتأرجح حتى وقت طويل بين السقوط والنهوض إلى أن تبرز زعامة أخرى تتمتع بالكاريزما والرؤية التاريخية و"الموهبة"الديمقراطية، لإعادة وضع قطار فتح على السكة التي انحرف عنها.

أي من هذه الاجتهادات على حق؟ كان الخياران الثاني والثالث سيبدوان مغريين للغاية، (خاصة مع وجود قائد كمروان برغوثي)، لو أن "فتح" هي اللاعب الوحيد على الساحة الفلسطينية، لكنها ليست كذلك.

هناك حركة "حماس"، التي سجّـلت استطلاعات الرأي الأخيرة تفوّق شعبيتها للمرة الأولى على شعبية "فتح" (26% مقابل 24%)، كما هناك أيضا العديد من الحركات التاريخية الفلسطينية، على رأسها الجبهة الشعبية، التي لا تزال قادرة على جذب أطراف قد تغادر "فتح"، والقوى التقليدية المكونة من رؤساء البلديات وروابط الأسر والعشائر، والميليشيات المسلحة التي باتت شبه مستقلة، وهذا المعطى بالتحديد، أي وجود بدائل لـ "فتح"، قد يكون العامل الأبرز الذي قد يؤدي إلى انفراط عقد هذه الأخيرة، في حال فشلت الجهود الراهنة لإخراجها من ورطتها الإستراتيجية - الوجودية.

احتمالان

إذن، "ماذا بعد عرفات"؟ لا يبدو في الأفق، حتى الآن على الأقل، سوى احتمالين:

1- تمسّك نخبة أوسلو الحاكمة بخيار أوسلو ومؤسساته، برغم احتضاره، ومحاولتها إعادة بناء سلطة فلسطينية مرتبطة بإسرائيل ومدعومة من واشنطن. وستكون هذه وصفة ممتازة لحرب أهلية فلسطينية أو لتحلل وطني بطيء على الطريقة الأفغانية.

2- بلورة إستراتيجية وطنية جديدة توارى بموجبها أوسلو الثرى لصالح العودة إلى خيار المقاومة، سواء لتحقيق خيار الدولتين أو الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة. وبالطبع، مثل هذه الإستراتيجية الوطنية تتطلب ولادة قيادة وطنية جديدة، تولد من رحم الالتحام بين حركتي "حماس" و"فتح" أساساً، إما عبر انتخابات عامة تخاض بقوائم مشتركة، أو عبر "تسوية تاريخية" بينهما.

وإذا ما كان من الصعب الآن التكهن لمن ستكون اليد العليا بين هذين الاحتمالين، إلا انه ليس من الخطأ كثير الرهان، ولو بعد مرحلة من الفوضى، على احتمال انتصار الوحدة الوطنية والهوية الوطنية الفلسطينيتين القويتين، خاصة إذا ما أوصدت تل أبيب وواشنطن كل الأبواب في وجه نخبة أوسلو.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة