Navigation

"من مـأمـنِه يـُؤتـى الـحـذر"...

لم يكن يتوقع الرئيس الموريتاني المخلوع معاوية ولد سيدي أحمد الطايع أن تأتيه الطعنة ممن وضع ثقته فيهم، لكن الفتق جاء هذه المرة من حيث ظن ولد الطايع أنه أحكم الرتق Keystone

حكمة قديمة تبدو اليوم هي لسان حال الرئيس الموريتاني المخلوع معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي كان يتصور حتى وقت قريب أنه قد بنا حول كرسي حكمه سورا منيعا من كبار ضباط الجيش الموالين له.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 أغسطس 2005 - 17:39 يوليو,

لكن السور الذي كانت تتحطم على صخرته كل محاولات الإطاحة به من قبل ضباط صغار خلال الفترة الأخيرة أصبح في خبر كان.

معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي غادر البلاد في مطلع هذا الشهر متوجها إلى المملكة العربية السعودية لتقديم واجب العزاء في وفاة عاهلها الملك فهد، وترك وراءه حكومة يحميها أصدقاءه وحلفاءه من كبار قادة الجيش، لم يكن يتوقع أن تأتيه الطعنة ممن وضع ثقته فيهم، لكن الفتق جاء هذه المرة من حيث ظن ولد الطايع أنه أحكم الرتق.

فقد كان صديقه وحليفه القديم العقيد أعل ولد محمد فال هو من قرر وضع حد لحكم ولد الطايع، بعد عشرين سنة من السهر على حمايته انطلاقا من منصب مدير الأمن الوطني الذي شغله منذ سنة 1985. وبدا الفرق هذه المرة واضحا جليا بين انقلاب 3 أغسطس 2005، والانقلابات السابقة، نظرا لوجود فوارق شاسعة بين أساليب وقدرات منفذيهم.

فالمتزعمون لهذا الانقلاب هم أصلا العقبة الكأداء التي تحطمت عليها المحاولات السابقة، وهم أصحاب النفوذ في المؤسسة العسكرية. والعقيد اعل ولد محمد فال هو واحد من أصدقاء ولد الطايع القدماء الذين ساهموا معه في الإطاحة بالرئيس السابق محمد خونا ولد هيداله في ديسمبر 1984، وظل حتى يوم 2 آغسطس الجاري سنده القوي، ورجل الظل بالنسبة لنظامه، وهو عقيد من الجيش يحظى باحترام كبير في صفوفه، إضافة إلى أنه المسؤول عن المؤسسة الأمنية التي بناها خلال العشرين سنة الماضية.

وقد ساهم اعل ولد محمد فال باستماتة في إفشال المحاولة الانقلابية التي قادها الرائد صالح ولد حننا في 8 يونيو 2003، والمحاولات اللاحقة. وعـُرف عنه هدوءه وابتعاده عن الأضواء، ينضاف إلى ذلك وجود العقيد محمد ولد عبد العزيز، قائد الحرس الرئاسي (أحد أقارب اعل ولد محمد فال) ضمن قائمة قادة الانقلاب، الأمر الذي مكن الانقلابيين من كسب ولاء الحرس الرئاسي بسهولة، ودون الحاجة إلى إراقة دماء أو إطلاق نار.

أما المؤسسات العسكرية الكبرى، فقد سارع الانقلابيون إلى اعتقال قادة أركانها، واكتساب قادتها المساعدين ضمن تشكيلة "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية" الجديد.

الضربة القاضية..

كان انقلاب موريتانيا هذه المرة بمثابة الضربة القاضية لنظام ولد الطايع. وقد استغل منفِّـذوه أوضاعا من التوتر تمر بها البلاد، حيث يقبع العشرات من عناصر المعارضة الإسلامية في السجون الموريتانية، فيما يلاحق الكثيرون منهم في الداخل والخارج، ينضاف إلى ذلك وجود عشرات من الضباط في السجن بتهمة التورط في محاولات انقلابية سابقة، حكِـم على بعضهم بالسجن المؤبد بالأشغال الشاقة. هذا فضلا عن جو من الاحتقان السياسي الذي خيم على البلاد خلال السنوات الماضية جرّاء حل بعض الأحزاب السياسية المعارضة، ورفض الترخيص للبعض الآخر، ومصادرة وحظر الصحف المستقلة.

وعلى المستوى الاقتصادي، رغم مؤشرات النفط والغاز الواعدة، فإن المؤشرات الاقتصادية في موريتانيا ظلت تنحدر نحو الأسوأ، وشهدت أسعار المواد الأساسية ارتفاعات مذهلة، وفقدت العملة الوطنية (الأوقية الموريتانية) قيمتها أمام العملات الدولية.

وعلى المستوى السياسي، جرت عدة انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية، حرص المعارضون في كل مرة عن وصفها بالمهزلة التزويرية. ورغم وجود حياة برلمانية وصحف مستقلة وأحزاب سياسية، فإن الكثير من المراقبين كانوا يرون أن الحد من حرية هذه المؤسسات، والعمل الدائم على إضعافها، جعل منها ديكورا تجميليا لنظام ولد الطايع. وقد عكست مسيرات التأييد التي جابت شوارع العاصمة نواكشوط بعد الإعلان عن سيطرة الانقلابيين على الحكم جانبا من تذمر الشارع الموريتاني من حكم ولد الطايع.

تحصين الجبهة الداخلية

سارعت المنظومة الدولية إلى رفض انقلاب موريتانيا والمطالبة بعودة "النظام الشرعي" إلى موريتانيا، في خطوة باتت تقليدية. وكانت الولايات المتحدة حليفة ولد الطايع، في مقدمة المنددين بالانقلابات، لكن بيان الخارجية الفرنسية اكتفى بإبداء القلق حيال الأوضاع في موريتانيا.

وجاء إحجام فرنسا عن التنديد الصريح بالانقلاب، ليعزز تحليلات بعض المراقبين، والتي لم تستبعد أن تكون فرنسا على عِـلم مُـسبق بالانقلاب، أو على الأقل كان قادته مُـدركين لحقيقة البرودة التي تشوب علاقات فرنسا مع ولد الطايع الذي قلب لها ظهر المِجَـن، واختار المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، فانقضوا على السلطة.

لكن هذا الرفض الدولي للانقلاب، يسعى الانقلابيون حاليا لإفقاده مفعوله، بمحاولتهم تحصين الجبهة الداخلية، حيث شرعوا بعد استيلائهم على السلطة في الاتصال ببعض أحزاب المعارضة وشخصيات سياسية مستقلة، وأخرى كانت مؤيدة لولد الطايع، في مسعى للخروج بحكومة وحدة وطنية تعزز الموقف الداخلي وتدفع المجتمع الدولي إلى مراجعة موقفه من الانقلاب.

"لوحة ديمقراطية" جديدة؟

وعلى صعيد السياسة الخارجية، كانت علاقات ولد الطايع بإسرائيل وحرصه الدائم على تعزيزها في أوقات التوتر بين العرب وإسرائيل، كافية لتأجيج مشاعر الشارع القومي والإسلامي في موريتانيا ضد نظامه.

وكان دُعاة التغيير دائما في موريتانيا يتّخذون من قطع تلك العلاقة حصان طروادة لتبرير تحرّكاتهم ضد ولد الطايع، لكن هذه العلاقات وفرت له الدعم الأمريكي، كما دفعت الغرب إلى التغاضي عن أخطر ملفات ولد الطايع الحقوقية، وهو ملف "أحداث الفترة من 89 إلى 91" التي راح ضحيتها مئات من العسكريين الموريتانيين الزنوج، في عمليات وصفتها المعارضة الموريتانية بأنها تصفية عرقية استهدف الزنوج الموريتانيين.

هذا جانب من اللوحة القاتمة لنظام ولد الطايع. لكن في المقابل، يُحسب لولد الطايع كونه أول من أدخل النظام الديمقراطي التعددي إلى البلاد، وأخرجها من مرحلة الحكم العسكري إلى "ديمقراطية تعددية مدنية"، ومنعها من الانزلاق إلى هاوية الحروب الأهلية، وهو رصيد سيسعى بلا شك المحتفظون بولائهم لولد الطايع، إلى استغلاله في خطابهم المعارض للنظام الجديد. لكن يعتقد أنه لن يكون سوى خطاب مكمل للوحة الديمقراطية التي يسعى الحكام الجدد لموريتانيا إلى الظهور بها.

محمد محمود أبو المعالي - نواكشوط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.