تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"نشر الحرية" بين الحـقـائـق والأوهــام

متظاهرون يرفعون في واشنطن شعارات مناهضة للرئيس الأمريكي ونائبه أثناء حفل التنصيب الرسمي يوم 20 يناير 2005

(Keystone)

لا زال خطاب إعادة تنصيب الرئيس بوش لفترة رئاسية ثانية، يثير كثيرا من الجدل في الولايات المتحدة بسبب الشعار الذي رفعه لفترة السنوات الأربع القادمة، وهو "نشر الحرية في العالم ومساعدة الشعوب المقهورة على التخلص من حكامها الطغاة".

سويس إنفو رصدت جملة من ردود الفعل في الولايات المتحدة في التقرير التالي من واشنطن.

حاول الرئيس بوش في خطاب إعادة تنصيبه، التخفّـي وراء القيّـم والمثل التي روّج لها أسلافه من الرؤساء الأمريكيين المحبوبين، مثل وودرو ويلسون، وجون كينيدي، بالحديث عن دور أمريكا في نشر الحرية والديمقراطية في العالم.

ففي خطاب استغرق حوالي ثلث الساعة، أغرق الرئيس بوش في استخدام شعار الحرية ومرادفاتها، فذكر كلمة الحرية 27 مرة والتحرر 15 مرة والطغاة 5 مرات، والعدالة 5 مرات، والله 3 مرات، ولم يتلفظ بكلمة العراق أو إيران أو الحرب.

وفيما ربط بوش بين أمن الولايات المتحدة، وبين نجاح الحرية في أنحاء العالم وقال، إن "انتشار الحرية هو أفضل أمل للسلام في العالم"، وجّـه تحذيرا إلى الطغاة في العالم بأن يختاروا بين الطغيان والحرية.

وكانت أخطر عبارة من حيث المسؤولية الأخلاقية التي تتحملها أمريكا، تلك التي قال فيها الرئيس بوش للشعوب المقهورة: "عندما تقفون للمطالبة بحريتكم، فإن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبكم".

ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقّـف التحليلات والتعليقات عن توجيه الانتقادات للطنطنة الخطابية التي لم تنطَـو على أي خُـطة لتنفيذ تلك الشعارات، وكان من الملفت للنظر أن معظم الانتقادات جاءت من محللين ينتمون إلى معسكر الرئيس بوش، وخاصة من معهد أمريكان إنتربرايز، المعروف بتوجهه اليميني، فقالوا إن فحوى الخطاب عظيم من حيث المثل والمبادئ، ولكنه سيكون بالغ الضّـرر بالمصالح الأمريكية، إذا لم يقرن الرئيس بوش القول بالعمل.

وقال مايكل روبن، المسؤول السابق بوزارة الدفاع، والذي عمل قبل التحاقه بالمعهد مستشارا للإدارة المدنية الأمريكية في عراق ما بعد الحرب: "هناك خطر يتمثل في أن يكرر الرئيس بوش خطأ أبيه، عندما دعا الشيعة في العراق إلى القيام بانتفاضة ضد صدام ثم تركهم يتعرضون لقمعه عندما هبوا بانتفاضتهم، وكانت النتيجة لجوءهم لإيران التي تناصبها الولايات المتحدة العداء". ونبه المحلل الأمريكي إلى أن الرئيس بوش سبق وصرّح في فترته الرئاسية الأولى بأنه سيُـساند التحول نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، ولم يقرن تصريحاته بالعمل من أجل تحقيق ذلك الهدف.

أما الباحث اليميني جوشوا مورافيك من معهد أمريكان إنتربرايز، فحذر من أنه حتى لو اتبع بوش القول بالعمل، فإن الضغط باتجاه إجراء إصلاحات سياسية شاملة يُـمكن أن يأتي بأنظمة حكم لا تقل طغيانا، ولكن بتوجهات غير موالية للولايات المتحدة.

وتساءل محللون آخرون عن الوسائل التي يمكن أن يستخدمها الرئيس بوش في نشر الحرية ومحاربة الطغيان، فقال آيفو دالدر، مستشار الرئيس السابق كلنتن للسياسة الخارجية، والخبير الحالي في معهد بروكنغز بواشنطن، "إن الرئيس بوش لم يقدم في خطابه مثالا واحدا على كيفية تحقيق هدف نشر الحرية ومكافحة الطغيان، فهل سيَـقدم بوش على استخدام التدخل العسكري لنشر الديمقراطية؟ إن المأزق الحالي للقوات الأمريكية في العراق لا يُـنبئ باحتمال تكرار ذلك الأسلوب! لذلك، كان الرئيس بوش حريصا على أن يقرن دعوته لنشر الحرية بعبارة أخرى: "إن نشر الحرية ليست مهمة عسكرية بالدرجة الأولى".

ويرى المحللون الأمريكيون أنه قد يلجأ إلى العمليات السرية أو إلى تقديم المساعدات في الخفاء ضد الطغاة، أو إلى استخدام الضغوط الأمريكية لتحقيق الإصلاحات السياسية والتحول نحو الديمقراطية.

أزمة المصداقية في العراق

ويُـجمع المحللون والخبراء على أن التجربة الأمريكية في تبديل الحكام الطغاة بأنظمة حكم ديمقراطية، لا تجد لها نموذجا ناجحا حتى بعد إهدار مئات آلاف الملايين من الدولارات في العراق، وكما يقول إيفان إيلاند مؤلف كتاب "الإمبراطور لا يملك ثيابا"، والذي خصصه لانتقاد السياسة الخارجية للرئيس بوش: "عندما يقول بوش إنه يجب اختيار الحرية، فإن ذلك هو ما لم يحدث في العراق، فالشعب العراقي ليس له حرية الاختيار، لأن الولايات المتحدة هي التي قرّرت تحريره، ودفعت به إلى مستقبل مجهول قد يشهد حربا أهلية على أوسع نطاق".

ويخلص إيلاند إلى أن "ما حدث في العراق، يشكل أزمة مصداقية خطيرة تواجه إدعاء الرئيس بوش في خطابه بأن الولايات المتحدة لا ترغب في فرض الديمقراطية على الدول الأخرى، وربما لهذا بالتحديد لم يذكر الرئيس العراق ولو مرة واحدة في خطابه".

من جهته، صرح الدكتور جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في واشنطن لسويس إنفو: "إن ما يمكن أن تُـسفر عنه الانتخابات القادمة في العراق، لا يوفر نموذجا للحرية والديمقراطية الذي تتطلع إليه شعوب الشرق الأوسط، بل على العكس، فإن ما يحدث في العراق، وعدم اليقين الذي يشعر به المواطن العراقي، حتى في كركوك والموصل، قد يدفع أبناء الشعوب العربية الأخرى إلى تقدير ما ينعمون به من استقرار، حتى تحت أنظمة حكم لا تفي بطموحات الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية".

ونبه الدكتور ألترمان إلى حقيقة أن شعوب الشرق الأوسط لا تجد في الرئيس بوش القائد المناسب أو المؤهل لرفع لواء نشر الحرية والديمقراطية، بعد ما تكشف خلال فترة رئاسته الأولى من انتهاكات لحقوق المعتقلين والسجناء في سجن أبو غريب، وفي قاعدة غوانتانامو، ناهيك عن السياسة الأمريكية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، ومساندة بوش لأنظمة حكم استبدادية غير منتخبة في العالم العربي، استنادا إلى تفضيل المصالح الأمريكية والأمن والاستقرار على ما تفاخر به الولايات المتحدة من قيم ومبادئ.

ولا يتوقع السيد ألترمان أن يلجأ بوش في فترته الثانية إلى التدخل العسكري لفرض الديمقراطية في ضوء المصاعب الجمة التي واجهتها تلك السياسة في العراق، وتوقّـع في المقابل استخدام المساعدات والضغوط الأمريكية لحمل بعض الأنظمة الدكتاتورية على إدخال إصلاحات ديمقراطية، وخاصة مع الدول التي ليست لها معها علاقات ومصالح متشابكة ومعقّـدة، وتتسم بالأهمية والحيوية.

وضرب مثالا على ذلك، بأن إدارة الرئيس بوش تُـدرك افتقار مصر إلى المستوى اللائق بها من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات الحرة والتنافس الحزبي. ومع ذلك، فلم تقرر الإدارة الأمريكية بعد استخدام المساعدات الأمريكية لمصر في الضغط من أجل إدخال تلك الإصلاحات الديمقراطية، وذلك بسبب تشابك المصالح والعلاقات في مجالات وثيقة الصّـلة بالمصالح والسياسات الأمريكية في المنطقة.

ويتفق الدكتور أسعد أبو خليل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيركلي في كاليفورنيا مع هذا التحليل، حيث قال لسويس إنفو: "مع شيوع الطغاة في العالم العربي، فإن إدارة بوش لا تثير المتاعب إلا مع عدد ضئيل من الحكام العرب الذين لا يرضخون تماما للولايات المتحدة، مثل سوريا، بعكس التعامل الأمريكي مع حكام غير ديمقراطيين في السعودية ومصر والأردن وتونس والمغرب".

وأعرب الدكتور أبو خليل عن اعتقاده بأن "الرئيس بوش ليس جادا في دعوته لنشر الحرية والديمقراطية في العالم"، ودلل على ذلك بالتعامل الأمريكي مع العقيد معمر القذافي، الذي لا يشك بوش في أنه أحد الحكام الطغاة في العالم العربي، بل واعترف بتورُّطه في حادث لوكربي، ولكن الإدارة الأمريكية بزعامة الرئيس بوش رحّـبت بعودته إلى المجتمع الدولي، بغض النظر عما يفعله بحريات الشعب الليبي، طالما أنه فتح بلاده أمام المفتشين الأمريكيين، وتخلى عن برامج التسلح الليبية.

الطنطنة شيء والسياسة شيء

أما البروفيسور ستيفن زونيس، أستاذ كرسي دراسات السلام والعدل في جامعة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، فيرى أن "هناك تناقضا كبيرا بين الطنطنة الخطابية التي انطوى عليها خطاب إعادة تنصيب بوش، وبين ما تهدف إليه ممارساته السياسية الفعلية. فصحيح أنه وجد العلاقة الصحيحة بين جذور الإرهاب وبين المظالم والقمع الذي ترزح تحتها الشعوب من جراء حكم الطغاة، ولكنه عندما طالب بالإصلاحات الديمقراطية، استهدف في العامين الماضيين أفغانستان والعراق وسوريا وإيران والسلطة الفلسطينية، علما بأنه ليس هناك شخص واحد ينتمي لتلك الجنسيات شارك في هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، وإنما كان مُـعظم الذين نفذوها من السعودية، ومصر، ودولة الإمارت العربية المتحدة، وهي دول تحظى أنظمة الحكم غير الديمقراطية فيها بصداقة ودعم الإدارة الأمريكية".

ويمضي الدكتور زونيس إلى القول: "إن حكومة شارون اليمينية تورطت في نمط مُـؤسف من انتهاكات حقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ولم يكن بوسعها مواصلة تلك الانتهاكات بدون بلايين الدولارات التي تصبُّـها الإدارة الأمريكية في شكل مساعدات اقتصادية وعسكرية لإسرائيل. كما أن القوات الأمريكية مسؤولة خلال العامين الماضيين عن قتل عدد من المدنيين العراقيين، يفوق بكثير عدد ضحايا نظام صدام حسين القمعي من المدنيين العراقيين خلال آخر عامين من حكمه".

وخلص البروفيسور زونيس إلى أنه "لو كان الرئيس بوش ينوي أن تتماشى سياساته مع تلك الطنطنة الخطابية عن نشر الديمقراطية والحرية في العالم، فيتعيّـن عليه أن يُـعلن بوضوح، بل ويبلغ الحكومات التي تقمع شعوبها أو تلك التي تقمع شعوبا واقعة تحت احتلالها، بأنها إذا لم تحترم حقوق الإنسان، ومن بينها حق الشعوب في انتخاب واختيار من يحكمها، فإن الولايات المتحدة ستوقف فورا كل أشكال المساعدات الاقتصادية والعسكرية، وستسحب المستشارين والخبراء الأمريكيين العاملين في تلك الدول، وستوقف كل التدفقات النقدية والمعدات العسكرية والأمنية الأمريكية".

وقال الدكتور زونيس: "إنه لسوء الحظ، ليس هناك أي دليل على أن الرئيس بوش ينوي عمل ذلك، ولا أن الكونغرس الأمريكي راغب في الضغط عليه للوفاء بتلك الوعود البرّاقة التي حملها خطاب إعادة تنصيبه أمام أعضاء الكونغرس، وأمام الأمة الأمريكية، ولذلك، ستبقى تلك الوعود أسوأ مثال على النفاق السياسي في أدنى درجاته".

ويتفق الدكتور أسعد أبو خليل مع تحليل البروفيسور زونيس، وقال لسويس إنفو: "إن التاريخ سيُـثبت أن طنطنة بوش في خطاب إعادة تنصيبه، استهدفت التغطية على الفشل الذريع الذي مُـنيت به سياسته في العراق وأفغانستان، وليس العمل الحقيقي لدعم قضية الحرية والديمقراطية في العالم، وخاصة في المنطقة العربية التي تئن من وطأة حكام لم ينتخبهم أحد".

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك