تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"نعـيـب زماننـا والـعـيـب فيــنـــا"

هل سينجح عمرو موسى في تجاوز الصعوبات التي تواجهها الجامعة العربية بسبب تفكك أعضائها؟

(Keystone)

طوال ما يقرب من ستة عقود، واجهت الجامعة العربية الكثير من المشكلات والتحديات، ووُجِّـهت إليها الكثير من الانتقادات بالعجز وعدم الفعالية.

ويتكرر الأمر نفسه الآن من قبل بعض الأطراف العربية، منها من وقف مؤيدا ومشاركا في الحرب الأمريكية على العراق، ومنها من وقف معارضا أو صامتا أو شاعرا بأن لا حول له ولا قوة.

تتلخص نقطة الاتفاق التي يلتف حولها الجميع، في الحاجة إلى إجراء تغييرات في أداء الجامعة. أما وجهة هذا التغيير ومداه، فيبدو محلا للخلاف والاجتهاد على نحو كبير، في حين أن هناك أطرافا عربية أبدت بعد سقوط النظام العراقي رغبة غير مباشرة في إنهاء دور الجامعة، والبدء في بناء مؤسسة عربية إقليمية جديدة، ولكن بشروط معينة لم تفصل بعد.

ومن جديد الضغوط التي تواجه الجامعة العربية حاليا، ثلاثة مسارات متكاملة.

الأول، تجسد في تلك الحملات الصحفية والرسمية الكويتية القاسية التي نالت من الأمين العام عمرو موسى ووصفته بأنه صدامي الهوى، وحمّلته مسؤولية ما سمي بالإساءة إلى الكويت والانحياز إلى العراق طوال العامين الماضيين، وهو ما حرص عمرو موسى على نفيه والتأكيد على أن موقفه ينطلق من اعتبارات الميثاق نفسه الذي يفرض عليه الدفاع عن الدول العربية جميعا.

والثاني، تمثل في قيام بعض الدول، كالإمارات والكويت، بوقف مساهماتها المالية كنوع من الضغط على الأمين العام أو للتدليل على إصرارها بضرورة تغييره، أو ربما كإشارة بأن هذه الدول تحمل قدرا كبيرا من الاستياء إزاء الجامعة كمؤسسة وأمينها العام شخصيا، وهو ما يفهم في حالة الإمارات تحديدا، كنوع من العقاب على عدم قيام الأمين العام بعرض رسالة الشيخ زايد، رئيس دولة الإمارات في القمة العربية التي عقدت في الأول من مارس الماضي، والتي تضمنت دعوة الرئيس صدام إلى التخلي عن السلطة، مقابل وقف الحرب ووضع العراق تحت إدارة الجامعة العربية لفترة محدودة.

أما المسار الثالث، فتُعبِّـر عنه ليبيا التي جددت موقفها بالانسحاب من الجامعة، بل اتخذت بعض الإجراءات من قبيل تخفيض مندوبيها في الجامعة، للتدليل على جدية موقفها.

التغيير دعوة قديمة

من الناحية التاريخية، فإن مسألة تغيير وتفعيل دور الجامعة ليست أمرا طارئا بعد العدوان على العراق. فالتغيير دعوة مطروحة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهناك اتفاق عربي عام على أن الجامعة تعكس توافق الإرادات العربية، وهي كمؤسسة إقليمية، ورغم كونها ذات طبيعة قومية، ليس من مهامها خلق وتشكيل التوجهات السياسية والاقتصادية، بل متابعة ما تتفق عليه إرادات أعضائها في المجالات المختلفة، سواء مؤتمرات القمة أو المؤتمرات الوزارية التي تعقد بصورة دورية لمعالجة أغراض بعينها.

ومن ثم، فإن المناداة بالإصلاح أو تفعيل دور الجامعة مرهون أساسا بما يتفق عليه الأعضاء أنفسهم، وليس ما يجتهد فيه الأمين العام أو الأمانة العامة للجامعة.

ومثل هذا الوضع هو الذي يفسر لماذا لم يتم التوافق طوال العقود الثلاثة الماضية على أمور تبدو محلا للتوافق الجماعي الظاهري من قبيل إنشاء محكمة عدل عربية تتولى تسوية المنازعات بين الدول العربية بالطرق السلمية، وآلية لفض المنازعات بين الدول الأعضاء، أو تغيير الميثاق بما يسمح بتعديل نظام التصويت من الإجماع المعمول به في الميثاق الحالي إلى قاعدة الإجماع، أو إنشاء آلية تعكس نظاما إلزاميا لتطبيق القرارات المتفق عليها، وتسليط عقوبات على المخالفين، وغير ذلك من الإصلاحات التي نوقشت على نطاق واسع بين السياسيين والباحثين العرب، وفيها الكثير من الدراسات التفصيلية في أروقة الجامعة، ومنها ما أعُد من قبل نخبة عربية من القانونيين، كحال إنشاء محكمة عدل عربية، في صورة مشروع متكامل، وطُرح على القادة العرب عدة مرات طوال العقد الماضي، لكنهم فضلوا تأجيل البت فيه.

والحق أيضا، أن عمرو موسى الأمين الحالي للجامعة، وعندما طرح اسمه مرشحا من قبل مصر كأمين عام خلفا للدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين السابق، في فبراير 2001، قام الرجل بالربط بين تثبيته في المنصب الجديد من قبل القادة العرب، وبين إطلاق خطة لإعادة تنشيط دور الجامعة وعمل مجموعة من الإصلاحات في هيكلها الإداري والتمويلي، وإعادة تنظيم الأمانة العامة وإضافة إدارات جديدة، وتعيين مفوضين ينوبون عن الأمين العام في مجالات، كحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، وحوار الحضارات، وهو ما اعتبر خطوة جيدة لتنشيط دور الجامعة وتفعيل العلاقات العربية، والبدء في مرحلة جديدة تلتزم فيها الدول الأعضاء بالاتفاقات والقرارات التي تتوصل إليها، وهو ما لم يحدث.

ففي حين طبق الأمين العام بعض إصلاحاته الإدارية والتنظيمية، واجه حقيقة أن تغيير الموظفين أو استبدالهم بمن هم أكثر كفاءة ليس أمرا هينا، فهم بصورة أو بأخرى نتاج توازنات سياسية عرفية بين الدول العربية وبعضها.

ومن جانب آخر، فقد استمرت عادات الدول العربية على سيرتها الأولى والمعتادة، وقوامها الانفصام السياسي بين ما يُقال علنا وما يُلتزم به فعلا، مع تحميل الجامعة مسؤولية الفشل السياسي والمعنوي، والتدهور العام في العلاقات العربية، وكأن العيب في المؤسسة الإقليمية وليس في سلوك الأعضاء أنفسهم.

الحالة العراقية .. وكشف النوايا

ومع استمرار حالة الانفصام السياسي العربية، والفشل في منع الحرب على العراق، بل مشاركة بعض الدول الأعضاء في الجامعة فيها رغم قرارات القمة التي وافقت عليها علنا، وكذلك العجز عن مساعدة شعب العراق تحت الاحتلال لتغيير واقعه نحو استقلال حقيقي، كان من الطبيعي والمتوقع أن يحدث الهجوم على الجامعة العربية وتحميلها المسؤولية. ولكنه هذه المرة جاء من كل الاتجاهات على نحو مثير.

جاء أول الاتجاهات مصحوبا بصخب شديد من قبل من يُعدون أنفسهم من بين الطرف المنتصر في الحرب، أي الحلفاء بقيادة القوة الأوحد في العالم الراهن، حيث تخلصوا من نظام الرئيس صدام الذي مَثل لهم تهديدا أمنيا على مدى 13 عاما متواصلة. ومن ثم، يرون أن الواقع الجديد عربيا ممثلا في الجامعة العربية، لابد وأن يعكس هذا التوازن السياسي المستحدث، سواء بتغيير أداء الجامعة كليا، أو تغيير الأشخاص الذين يحملون أفكارا وسياسات ناقدة لهذا الانتصار، ومن بينهم الأمين العام للجامعة نفسه، أو حتى من خلال استبعاد أطراف عربية معينة لم يعد وجودها مناسبا. لكن من هي تلك الأطراف، ومن يحق له استبعاد طرف من الجامعة العربية؟ لا توجد إجابات محددة.

وثانيها، من قبل هؤلاء الذين راهنوا على دور ما للجامعة العربية لمنع الحرب ومساعدة العراق لمواجهة العدوان الانجلو أمريكي. ومع الفشل في هذه المهمة، بات مطلوبا وقف الاستثمار السياسي في هذه المؤسسة الإقليمية، والبحث عن مؤسسة جديدة، أو على الأقل عدم الاعتماد كلية عليها كمؤسسة إقليمية لضمان الحقوق ومواجهة التحديات المتزايدة.

وثالث الاتجاهات، جاء من الذين اعتبروا الجامعة منذ مدة طويلة مؤسسة بالية لم تعد تتوافق مع متطلبات العصر ولا طموحات بعض الدول، ولا تتوافق مع توجهاتها السياسية والعملية الجديدة. ومن ثم، لم يعودوا يحملون لها أي ذرة من الأمل في الإصلاح. ونظرا لأنهم باتوا يراهنون على فضاءات إقليمية جديدة، فقد فضلوا الانسحاب تاركين السفينة لتغرق بعيدا عنهم. والنموذج الأبرز هنا ليبيا، التي قدمت طلبا للانسحاب في ديسمبر الماضي، وعلقته حتى قبل العدوان الانجلو أمريكي على العراق، ثم أخذت في تنشيطه واتخاذ الإجراءات العملية لتطبيقه في غضون الأشهر المقبلة.

ورابعا، من قِبل من يرون أن استمرار الجامعة على سيرتها السابقة دون تغييرات مهمة، وليست بالضرورة شاملة وجذرية، سوف يزيد من أزمة العالم العربي. هؤلاء، يرون أن المطلوب هو الإبقاء على الجامعة العربية وإصلاح بعض عيوبها الكبرى. وهنا، تأتي دعوة الرئيس مبارك من أجل تغيير نظام أخذ القرارات وإيجاد آلية لتنفيذ الاتفاقات الجماعية، وتنشيط العلاقات الاقتصادية العربية، وفتح المجال أمام عضوية دول غير عربية بصفة مراقبين.

وفى السياق نفسه، يمكن وضع مبادرة الأمير عبد الله، ولي العهد السعودي، التي قدمها إلى القمة العربية في مارس الماضي، وفُـضِّـل إرجاء البت فيها عربيا في قمة تونس المقبلة.

من مجرد البقاء إلى إنهاء الوجود

هذه الاتجاهات الناقدة تعكس تصورات كبرى بشأن مستقبل الجامعة بداية من البقاء في صورتها الراهنة كحد أدنى، وباعتبار أن إنهاء دورها ووجودها في اللحظة الراهنة سيفقد العرب مؤسستهم الإقليمية الجماعية الوحيدة، ولن يكونوا قادرين على بناء أي مؤسسة أخرى في المستقبل المنظور، ومرورا بالتمسك بها مع إصلاح أبرز عيوبها وفق تدرج زمني، وبعد دراسات معمقة وتوافق عربي على الإصلاحات الممكنة، والبحث عن صيغ مؤسسية إقليمية جديدة بصورة انتقائية تعكس توافق الراغبين، تماما كصيغة تحالف الراغبين التي اتبعتها الولايات المتحدة في حربها ضد العراق.

وفى معظم الأحوال، إن لم يكن كلها، فإن المطلوب هو الكف عن أن تكون الجامعة العربية تعبيرا عن روح قومية جماعية لها نظرتها الناقدة والواعية للمخاطر التي يحملها المشروع الأمريكي لتغيير الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

فالزمن القادم، من وجهة نظر "المنتصرين" في حرب العراق، ليس زمن القيم القومية بقدر ما هو زمن التكيُّـف والتنازلات التي لا حدود لها.

د. حسن أبو طالب - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×