"نعم" كبيرة رغم الـ "لكن" الكثيرة

اعتبر رجب أردوغان رئيس الحكومة التركية (في الصورة: يلقي خطابا أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لمجلس أوروبا في ستراسبورغ يوم 6 أكتوبر 2004) أن تقرير المفوضية الأوروبية جاء "متوازناً" رغم كل شيء! Keystone

أجمعت ردود الفعل التركية على أن تقرير المفوضية الأوروبية الذي أوصى ببدء مفاوضات العضوية مع أنقرة، كان "إيجابياً"· وبتعبير المعلق المعروف جنكيز تشاندار كان إيجابياً و"بأحرف كبيرة"·

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 أكتوبر 2004 - 13:53 يوليو,

قليلة هي الصحف التي توقفت عند الجانب "المشروط" من الـ "نعم" الأوروبية· إذ اعتبرت الغالبية، علمانية وإسلامية، أن مرحلة بكاملها قد طويت·

لذلك ولم يتردد كبير الكتّاب في صحيفة "حريّت" العلماني أوكتاي أكشي في القول إن تقرير المفوضية الأوروبية هو النتيجة الأكثر تجسيداً للطريق التي بدأها مصطفى كمال أتاتورك منذ 85 عاماً (أي قبل إعلان الجمهورية عام 1923 أو منذ 19 أيار 1919، بداية حركة التحرير الوطني التركية)· ويضيف أكشي إن التهنئة الآن تستحق لرجب طيب اردوغان الذي كان رائد "الإصلاحات الجدية جداً" وفي وقت قصير·

لا شك أن حزب العدالة والتنمية يشعر بعظم الإنتصار الذي حققه مع توصية تقرير المفوضية بدء مفاوضات العضوية مع تركيا· وربما لم يكن لهذه النقطة من تاريخ تركيا أن يتم الوصول إليها لولا وجود حزب ذي طابع إسلامي في السلطة يستطيع أن "يخمد" شكوك الفئات المحافظة والتقليدية ويقنعها وبسهول أن الزنا ليس جريمة·

تركيا الآن، وبإستثناء قلة أصولية متشددة وأخرى قومية أكثر تشدداً، تجمع على ان طريق تركيا نحو الإستقرار والرفاهية بات مفتوحاً، وأن الجهود الجبارة التي بذلها الجميع، سابقاً، وحالياً، وجدت أخيراً تقديراً من جانب "النادي المسيحي" الذي يريد "تقسيم تركيا"!

"الطويل والدقيق و·· الصعب"..

في نظرة هادئة إلى تقرير المفوضية نجد أنه جاء، كما قال رئيس الحكومة التركي، "متوازناً"· بل أكثر من ذلك جاء ليحثّ الأتراك على بذل المزيد، لتحصين الإنجازات التي حصلت وتذليل العقبات التي لا تزال تواجههم· حتى هذه الـ "نعم" المشروطة، كانت من أجل حماية الطريق التركي، الطويل والدقيق و·· الصعب·

في كل فقرة من فقرات التقرير إشارة إلى ما تحقق من إيجابيات في كل قضية معطوفاً بكلمة "ولكن"·
1 ـ يشير التقرير إلى تعديلين كبيرين في الدستور وثمانية تعديلات في القوانين· على صعيد الإصلاح السياسي·· لكن التطبيق العملي لم يتحقق بعد بالكامل·

2 ـ الحكومة تضاعف سلطتها على العسكر: ميزانية العسكر ضمن الموازنة· إلغاء محاكم أمن الدولة، تفجير بنية مجلس الأمن القومي، إلغاء عضوية العسكر في هيئة الإذاعة والتلفزيون وفي مجلس التعليم العالي··· ولكن العسكر يواصل تأثيره بطرق غير رسمية·

3 ـ القضاء المستقلّ يتعاظم وانعكس ذلك في الدستور··· لكن بعض الإصلاحات لا تزال تقيّد الحريات·

4 ـ تقدم كبير في حقوق الإنسان: الغاء عقوبة الإعدام، اخراج تركيا من المراقبة اللصيقة· تخفيض كبير في نسبة التعذيب، ظروف الإعتقال موازية لمعايير الإتحاد الأوروبي··· لكن هناك بعض الإشكالات·

5 ـ توسيع مفهوم حقوق الإنسان لجهة حرية التعبير وحرية التنظيم وعدم سهولة إغلاق الأحزاب·

6 ـ ضمان الحريات الدينية في الدستور··· لكن لا تزال قيود على فتح المدارس الدينية وحق التملك وتأهيل رجال الدين بالنسبة لغير المسلمين·

7 ـ هناك تقدم مهم على صعيد حرية اللغة الكردية واللغات الأخرى··· لكن هناك بعض القيود بالنسبة للبث والتعليم بها· كما انتقد التقرير سياسة العزل لبعض المعتقلين (وقصدت بها ظروف اعتقال عبدالله اوجالان زعيم حزب العمال الكردستاني)·

8 ـ الأقليات الدينية المسلمة: لم يتم الإعتراف حتى الآن بالعلويين كأقلية مسلمة، ولا الإعتراف بحق اللجوء للغجر·

خطوة تاريخية يتابعها الجميع

بعد هذه الوقائع التي لا ينكرها الأتراك، يوصي التقرير ببدء مفاوضات العضوية مع تركيا··· ولكن في سياق الملاحظات التالية:

1 ـ لم يحدّد التقرير أي موعد محتمل لبدء المفاوضات تاركاً ذلك لزعماء دول الإتحاد الأوروبي في قمتهم في كوبنهاغن في 17 كانون الأول / ديسمبر المقبل· واردوغان يريد أن يحصل ذلك خلال 2فترة تتراوح ما بين شهرين وأربعة أشهر بعد القمة مع توقعات أن يكون ذلك في منتصف أو أواخر العام 2005. وفي جميع الأحوال هذا مكسب ضخم لتركيا·

2 ـ يبقي التقرير المفاوضات "مفتوحة الطَرَف"، أي إنه لا يعطي ضمانات منذ الآن أن المفاوضات ستسفر عن "عضوية كاملة" وإن كان يرى ان الهدف النهائي من المفاوضات هو "العضوية الكاملة"· وهذا يقلق الأتراك نسبياً·

3 ـ يدعو التقرير إلى وقف المفاوضات في حال حدث انتهاك خطير لحقوق الإنسان والديموقراطية في تركيا· ويقصد بذلك قيام العسكر بانقلاب عسكري وما شابه· ومع أن حكومة أردوغان تتحفظ على هذه الفقرة التي لم تُفرض سابقاً على الدول التي كانت ستدخل الإتحاد، إلا أن البعض اعتبر هذا الشرط ضرورة لتحصين مسيرة الإصلاح في تركيا ضد العسكر والقوميين المتشددين، ويجب ألا تخشى أنقرة من مثل هذا الشرط·

4 ـ أشار التقرير إلى إمكانية وضع شروط خاصة بتركيا حول السياسة الزراعية وتقييد حرية تنقل العمال الأتراك لاحقاً· ومع أن هذه الفقرة هدفت إلى تهدئة وطمأنة الشارع الأوروبي إلا أن انقرة اعتبرتها تمييزاً وأن المحكم الأوروبية لن توافق عليها في النهاية·

5 ـ ستشكل المفوضية الأوروبية لجنة متابعة دائمة لمدى التزام تركيا بما يطلب منها طوال فترة العضوية على أن ترفع تقريراً كل سنة بدءاً من نهاية العام 2005. أي أن عملية مواءمة تركيا لقوانين ومعايير الإتحاد الأوروبي ستكون "تحت المجهر" الدائم طوال فترة المفاوضات·

6 ـ في حال اكتمال مرحلة المفاوضات، يتوجب على الدول الأوروبية التصديق على عضوية تركيا· وبعض هذه الدول سيلجأ للإستفتاء· أي ان اكتمال المفاوضات لا تعني ان تركيا قد أصبحت تلقائياً عضواً كامل العضوية في الإتحاد·

التقرير خطوة تاريخية ويدخل العلاقة التركية ـ الأوروبية في مرحلة جديدة بالكامل· والكرة في ملعب أنقرة كما في ملعب بروكسل· والعالم كله ينظر باهتمام إلى نتائج هذا "الإختبار" الفريد من نوعه··

د. محمد نور الدين - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة